مهرجان أربيل الدولي للمسرح بكردستان العراق يجمع مسرحيي العالم

الثلاثاء 2013/10/29
العروض الأجنبية انتصرت للرقص الجسماني

أربيل – من البديهي أن الإعداد لمهرجان دولي مسرحي تشارك فيه فرق تنتمي إلى قارات متعددة، يعد مسؤولية كبيرة جدا ليس من السهل النجاح فيها، إلاّ إذا كانت عملية الإعداد قد بدأت منذ فترة مبكرة، وتولت لجان متعددة ومختصة مسؤوليتها، كل تعمل حسب اختصاصها ومسؤوليتها.

المسألة هنا لا ترتبط فقط بتقديم عروض مسرحية، إنما تتعلق بجوانب إدارية وتنظيمية لها صلة مباشرة بما يتوفر من أرضية مادية مناسبة لاستيعاب واستقبال الوفود المشاركة في أماكن تليق بهم، وبما يوفر لهم الراحة والهدوء والتقدير العالي، بالشكل الذي يجعل جميع الفرق المسرحية تشعر بأهمية حضورها ومشاركتها في فعاليات المهرجان دون أن يكون هناك أيّة تفرقة في التعامل في ما بينها، هذا إضافة إلى أهمية المحافظة على نوعية العروض المختارة للمهرجان وذلك بالحرص على انتقائها وفقا للمعايير الفنية التي تضعها إدارة المهرجان، واستبعاد أيّة حسابات أخرى لا صلة لها بتلك المعايير، وهذا ما سيعطي بالتالي انطباعا حسنا لدى المشاركين وجمهور المهرجان. كما سيعزز بالتالي إصرار الفرق المسرحية على المشاركة مرة أخرى في الدورات القادمة.


مسار صحيح


في تقديرنا الشخصي إن مهرجان أربيل الدولي للمسرح الذي تنظمه سنويا المديرية العامة للثقافة والفنون في أربيل ودائرة الفنون المسرحية بوزارة الثقافة والشباب في حكومة إقليم كردستان، قد بدأ فعلا يخطو باتجاه المسار الصحيح الذي أشرنا إليه في مقدمة المقال، آخذين بنظر الاعتبار حداثة مسيرته. فالدورة الأخيرة هي الثالثة من عمره منذ أن بدأ مسيرته قبل ثلاثة أعوام. إضافة إلى حداثة التجربة بالنسبة إلى القائمين على تنظيمه.

وقد بدا واضحا أن إدارة المهرجان تجاوزت بشكل كبير الثغرات والهفوات التي صاحبت الدورتين السابقتين، سواء في الجانب التنظيمي أو العروض المشاركة، فالتحسُّن بات واضحا بشكل ملموس في هذين الجانبين.

المسرح العربي يروي المعيش اليومي


تنوع المشاركات


شهدت دورة المهرجان هذا العام التي امتدت من 7 أكتوبر الجاري إلى غاية الـ13 منه، مشاركة سبع فرق مسرحية من جنسيات أوروبية وعربية وتم تقديم 14 عرضا مسرحيا خلال سبعة أيام، وقد جاءت الفرق المشاركة من: فرنسا، ألمانيا، بيلاروسيا، السويد، كتالونيا، تونس، المغرب، أوغندا، بغداد، إضافة إلى ثلاث فرق من كردستان العراق.

بطبيعة الحال يعكس تنوع الفرق المشاركة سعة أفق إدارة المهرجان وحرصها على أن يكون هذا الملتقى الفني الدولي، نقطة التقاء واسعة تقام عليها أسس حوار جاد ومثمر لثقافات متنوعة في إطار الفضاء المسرحي.

والفن المسرحي بما يملكه من أدوات اشتغال فنية -نضجت عبر مسيرته التاريخية الطويلة- يتمحور منجزه على مفردة التفاعل مع المتلقي، إضافة إلى كونه حقلا فنيا ومعرفيا لتبديد الظلمة عن جمال العالم، وذلك عبر ما يرسله من خطاب فني تتكامل فيه عناصر سمعية وبصرية لتبرق من خلاله رسائل طمأنة للإنسانية في وجود يسودهُ الخوف والاضطراب، وذلك عن طريق إشاعة الوعي في ذاته القلقة وهي تبحث عن الحقيقة.

والمسرح في هذا الإطار من بين بقية الفنون هو الأكثر فعالية وجمالية لتحقيق هذه القيم النبيلة بشكل واقعي وملموس، بعد أن بددت السياسة أحلام الإنسانية في تحقيق مناخ آمن ونظيف للتعايش والحوار.

هذا اللقاء الدولي ستبدو بلا شك نتيجته واضحة -شكلا ومضمونا- على صورة المسرح الكردي مُستقبلا، ومن خلاله سيكتسب خبرة عالمية تضاف إلى رصيده المحلي -وهو ما يكون أحوج إليها- سوف تؤهله بالتالي للخروج نحو أفق دولي يتسع لأحلامه الواسعة.

وما يدل على جدية إدارة المهرجان في الأخذ به نحو مسار سليم وطموح حتى يصل في هيكليته التنظيمية والفنية بمستوى المهرجانات الدولية أن عهدت مسؤولية لجنة تحكيم المهرجان إلى نخبة ممتازة من الأسماء المسرحية الرصينة والمعروفة على المستوى الدولي، فقد ترأس اللجنة البريطاني البروفيسور روبرت لينج وسكرتير اللجنة فاضل جاف، أما بقية الأعضاء فهم كل من: الناقد المسرحي المغربي عبد الواحد بن ياسر، وكريستوف بلاتيد مدير «بيت المسرح الألماني»، والمخرج الإيراني قطب الدين صادقي.


بروتوكول تعاون


شهد المهرجان بالإضافة إلى العروض المسرحية حضور وفد مصري كبير ضمّ عددا من نجوم المسرح والسينما والتلفزيون في مقدمتهم النجم فاروق الفيشاوي، وصفية العمري، وسامح الصريطي، وسامي مغاوري، وخليل مرسي، وأيتن عامر، ووفاء الحكيم، وغادة طعمة، وفاروق الرشيدي، وعمر عبدالعزيز، وكمال عبدالعزيز، ومحمد أبوداود، والمنتج محمد فوزي ورئيس اتحاد الفنانين العرب مسعد فودة، والأمر المهم في المشاركة المصرية هو: توقيع اتفاقية مشتركة ما بين نقابة فناني كردستان ونقابة المهن السينمائية ونقابة المهن التمثيلية. وقد وقع الاتفاقية عن الجانب المصري الفنان سامح الصريطي ممثلا عن نقابة المهن التمثيلية إضافة إلى مسعد فودة رئيس اتحاد الفنانين العرب. وتهدف هذه الاتفاقية إلى تفعيل سبل التعاون المشترك ما بين الجانبين في إطار تبادل الخبرات والمشاركات في المهرجانات والفعاليات الفنية، إضافة إلى تقديم كافة التسهيلات الإنتاجية لتحقيق العمل المشترك ما بين الجانبين.

أمّا في ما يتعلق بالجانب الفني الذي ظهرت عليه العروض المسرحية المقدمة في المهرجان -خاصة ما قدمته الفرق الأجنبية- فقد لوحظ عليها اهتمامها بالرقص بشكل أساسي، كذلك الاعتماد على لغة الجسد في مقابل تهميش عنصر الحوار القائم على الكلمة المنطوقة، وقد تجلى ذلك واضحا في العرض الألماني والبلاروسي والفرنسي.. ويعزى ذلك بتقديرنا إلى محاولة تلك الفرق تجاوز عقبة اللغة في عدم قدرتها على إيصال الأفكار إلى جمهور الحاضرين الذي ينتمي إلى مرجعيات لغوية مختلفة وثقافات متنوعة، وهذا ما يشكل بالتالي عائقا يمنع التواصل والتفاعل ما بين العرض والمتلقي. لذا كان خيار الاعتماد على لغة الجسد هو الأسلم، إضافة إلى أن المراهنة على ما يختزنه الجسد من طاقة دلالية تتيح للمخرج أن يتحرك بها في إطار تشفيري يمنح العرض فضاء تأويليا تعجز اللغة الأدبية عن تحقيقه. وقد انعكس هذا بطبيعة الحال على مستوى القدرات الحرفية/الجسدية العالية لممثلي وممثلات الفرق الأجنبية، مقارنة بالممثلين العرب والكرد.

16