مهرجان أفينيون: السياسة والجندر بطلا خشبة المسرح

عروض من العالم تحول البلدة الفرنسية إلى خشبة للخيال والصراع والمهرجان يتناول موضوع الجندرة على نطاق واسع.
الأحد 2018/08/05
الأشياء التي تمر للمخرج ايفو فان هوف

أفنيون (فرنسا) - أقفلت بلدة أفينيون أبوابها على مهرجانها السنوي الكبير بأقسامه ومستوياته المتعددة، وقد استضافت ما يزيد عن الألف وخمسمئة عرضٍ مسرحي من كل أنحاء العالم، بينها 47 عرضا في المهرجان الرسمي و1532 عرضا في المهرجان البديل، وبينهما تكثر احتمالات متعة الفرجة.

و يهنئ بيار بيفيت، مدير أفينيون OFF، نفسه بارتفاع عدد العروض الدولية التي بلغت هذا العام ما يزيد عن الـ10 بالمئة من مجمل العروض المقدمة في الدورة السابقة، بينما يركز أوليفييه بي لدى اختتامه مهرجان أفينيون Inn على المهرجان كمكان للقاء الجمهور، ونوّه بحضور الشباب المسرحيين وبالتزامهم بالقضايا الراهنة. كما أعلن عن ثيمة العام المقبل للمهرجان التي ستدور حول الأوديسة والتي وسع أوليفييه بي مفهومها لتطال المهاجرين الذين يجتازون المتوسط ويخاطرون بحياتهم.

تناول المهرجان هذا العام موضوع الجندرة على نطاق واسع، فاسحا المجال لطرح قضايا المثليين والمتحولين جنسيا مع إضاءة أتت عرضية على أوجه متعددة للجوء والهجرة. أمّا العروض التي تمّ تقديمها في مهرجان الـInn هذا العام، فيُلاحظ فيها الاهتمام بالتطرف، والقمع، وبالسياسة من خلال المنحى الفكري، المتعلق بالعلاقة مع الآخر، والعائلة ومؤسسة الزواج .

يعتبر عرض “اللاعبون، ماو2، الكلمات” للمخرج جوليان غوسلان من العروض التي أثارت جدلا بين النقاد والمشاهدين، ليس لأنه يمتد على مدى 10 ساعات فقط، بل لأنه اشتغل أيضا على تقنيات السينما المباشرة، أي التصوير والعرض الحي على الشاشة. يحار المشاهد في تصنيف هذا العمل ذي النهاية المربكة، الذي يستند إلى روايات الأميركي دون ديليلو، مسائلا مؤسسة الزواج من ناحية، والنظام الرأسمالي من ناحية أخرى، ولم يفلت نقيض هذا النظام من النقد في أكثر من مكان.

مشهد ديالوغ من عرض اللاعبون، ماو2، الأسماء
حاضر محض لمدير مهرجان أفينيون أوليفييه بي

يوحي الجانب السينمائي من هذا العمل بأسلوب الأميركي كوينتين تارانتينو، ما يتركنا أمام تساؤلات عن تصنيفه بين السينما والمسرح. لكن تميل الكفة في النهاية تجاه المسرح، بالرغم من سطوة المشاهد السينمائية، حينما يقوم الممثل بالأداء مباشرة أمام الكاميرا، وبشكل متواصل، ما يجعل الممثل يؤديّ فعلا مسرحيا على مستويين، الأول أمام الكاميرا المرئيّة للحاضرين على الخشبة، والثاني أمام الجمهور الذي يبث طاقة ما نحو الممثل. كما أن حضور المشاهد لمدة 10 ساعات متواصلة يحوّل فعل متابعة العرض إلى ما يشبه “العيش” معه، وهذه تجربة تستحق الخوض.

أثارت مسرحيّة “حاضر محض” أيضا موضوع النظام السياسي الذي نعيش فيه، حيث يضع المخرج وكاتب النص أوليفييه بي السياسة رهينة الاقتصاد، جاعلا كليهما بمواجهة الشعر، ومؤكدا على ضرورة تحدّي ضحالة هذا النظام بالشعر والثقافة، قاسما عرضه التراجيدي إلى ثلاثة أجزاء، تحوي رجل الدين، والسجين ومدير المصرف وابنه والمتمرد صاحب القناع، إذ يسعى إلى إعادة نقاء الكلمة إلى هذا العالم، معتمدا على عناصر إخراجية فقيرة، وأداء الممثلين الذي لم يخلُ من بعض نقاط الضعف في بعض اللحظات، وكأن المخرج تعمّد الاكتفاء بإبراز النص.

عرض آخر استحوذ اهتماما مميزا، وهو “الأشياء التي تمر” للمخرج الهولندي أيفو فان هوف، الذي يستند إلى رواية للكاتب الشهير كوبيريوس، حيث يجسّد المخرج على الخشبة حكاية عائلة تتناقل مأساة الزواج كمؤسسة، متناولا جيل الأجداد وصولا إلى الأبناء والبنات والأحفاد، ومتتبعا أثر جريمة قتل نتيجة خيانة زوجية. يشكل هذا العرض سلسلة لوحات مبهرة بجمالياتها ومقاربات إخراجية فريدة في ألقها، تضاف إلى أداء الممثلين المتماسك والمقنن.

شهد الـInn عدة عروض عربيّة، إذ أقيم حفل موسيقى صوفية للمصريّ عبدالله المنياوي يحمل عنوان “صرخة القاهرة”، إلى جانب العرض المسرحيّ “ماما” للمخرج المصري أحمد العطار، الذي ينقل دينامية السلطة التي تنتجها الأم، والذي يبدو ناقصا، إذ لم يتمّ توظيف عناصر إخراجية وقع طرحها على الخشبة مجانا، كما بدت نهاية العرض مبتورة.

أمّا العرض الراقص “عساه يحيا ويشمّ الحبق” للكوريغراف اللبناني علي شحرور، الذي استند على الإرث الديني لطقوس العزاء، فقد خلق منفذا جماليا لمشاهديه، يقودهم نحو وجدٍ طقوسي أخّاذ وآسر.

الاستهلاك يقتل الفنّ

أفنيون (فرنسا) - قدّم الكوريغراف والراقص المصري محمد فؤاد عرضه الراقص التفاعلي “خالٍ من الضرر” في إطار برنامج “فن عربي” الذي تمّت استضافته في مهرجان أفينيون Off، محمد فؤاد الذي وجد ضالته في الرقص بعد دراسته المسرح، يقدّم تجربة فيها قدر لافتٌ من التفاعل مع الجمهور والحديث معه، مستعينا بأدوات بسيطة جدا: جسده، أجساد المشاهدين وآثار مرسومة على أرض المسرح بالطبشور. يقف فؤاد على حافة الخشبة بينما يدخل الجمهور قاعة العرض. ينتظر أن يجلس الجميع كي يعلن أنه جاهز. يبدأ العرض على أنغام الموسيقى التي تولى تصميمها أحمد صالح. في الدقائق الأولى، كان فؤاد يدور وجسمه ملتصق بالأرض كأنّ يديه ورجليه عقارب ساعة.

يدور بعدها راسما بجسده خطوطا دائرية بواسطة قلم من طبشور. ينوع فؤاد إيماءاته الحركية في أنحاء المسرح، مراوحا بين البطء والسرعة الفائقة. هو لا يسعى لتقديم تقنيات جسدية متقنة فقط، إنما يحاول أن يرسم دوائر مفرغة مستعينا بكل جسده حتى الرقبة. وكأن فؤاد أراد أن يسائل عبر عرضه معنى الفن وتسليعه، بادئا بمساءلة عرضه ذاته. قسّم فؤاد العرض إلى عدة مشاهدَ متقطعة، يخاطب في بعضها الجمهور، ففي المرة الأولى طلب من أحد المشاهدين ترجمة كلامه من الإنكليزية إلى الفرنسية مقابل بدل مادي. وحين رفعت امرأة يدها وباشرت بالترجمة، أعطاها بضعة يوروهات، وفي المرة الثانية، شرح صعوبة القيام بعمل راقص إذ يتطلب الأمر الكثير من الجهد، معتبرا أن إعادته كل مرة متعبة.

لذا عرض على المشاهدين تكرار المشهد الذي قام بتقديمه للتو، مقابل أن يقوم أحد المشاهدين بدفع بضعة يوروهات لفؤاد، وهذا ما تمّ حتى كرّر المشهد الأخير. في المرة الثالثة التي تفاعل فيها مع الجمهور، قدّم أداء مميزا إذ يستطيع مشاهد واحد فقط، أن يطلّع على مشهد حصري دون سواه مقابل يورو واحد فقط. يشتغل فؤاد على سياسة السوق الاستهلاكية، ويحوّل رقصه إلى سلعة مرغوبة ومغرية، مقابل بدل مادي، إذ يعطي أحد “مستهلكي” هذه الرقصة فؤاد مزيدا من المال كي يدخل في الدائرة المفرغة معه، حيث يدفع المزيد ويستهلك أكثر.

وعندما دخل المشاهد مع فؤاد إلى مساحة غير مرئية من فضاء العرض أعطى هذا الأخير لمشاهده ورقة، واقترح عليه وهو يسمع موسيقى بشكل حصري، إما أن يحضن الراقص وإما أن يصفع الراقص أو أن يقبّله، ثم قدّم فؤاد للمستهلك/المشاهد عرضا، وهو أن يدفع له 10 يوروهات في حال خرج إلى الجمهور وشرح لهم ما جرى في الداخل بشكل حصري. بمعنى آخر، اقترح مقابل المال أن يفك تلك الحصرية التي اقترحها.

يحاول فؤاد من خلال تفاعله هذا مساءلة الإنتاج الفني بصفته سلعة اقتصادية، تشبه في آلياتها أي سوق سلع آخر مبني على العرض والطلب وعلى استقطاب المزيد من الاستهلاك. يقدّم فؤاد طرحه السابق من خلال أدوات بسيطة وأساليب طريفة، فيها أداء يحيل إلى اللعب وتقنياته، إذ تحوي أرض الخشبة آثار جثث، كأن المكان مسرح الجريمة. في الرقصة الأخيرة، يقف فؤاد إلى جانب مشاركين من الجمهور، يشغلون مساحات الجثث، ليعود بعدها فؤاد إلى الدائرة التي رسمها بالطبشور في بداية العرض ليمحوها بجسده. هذا التقشف في استخدام أدوات العرض يضع المنظومة الاستهلاكية أكثر فأكثر تحت المجهر. إذ يرى فؤاد أنه جزءٌ من هذه المنظومة، كونه غير قادر على إنتاج نظام آخر، لكنه يفضل الوضوح في التعامل مع هذا النظام.

15