مهرجان أم العرائس بتونس: لقيا حميمة بين الحداثي والتقليدي

الأربعاء 2014/05/28
ألعاب الفروسية بهجة الأجداد في تعاطيهم مع فضاء الصحراء

قفصة (تونس) - في لقيا حميمة بين الحداثيّ والتقليديّ، وفي فضاء انفتح فيه الماديّ على الروحي، اختتمت الأحد 25 مايو الجاري فعاليات الدورة الثانية من مهرجان الحوض المنجمي بمدينة “أم العرائس" من محافظة قفصة التونسية، دورة تنادى إليها جمع من محبّي المعيش الجنوبي في تقاليده وعاداته ومناخاته.

عروض لأشهر فرق الفن الشعبي بمدن الجنوب التونسي، تفاعل فيها الإيقاع مع الرقص والغناء، إضافة إلى عروض اللباس التقليدي الذي يميّز منطقة الجنوب الغربي، تلك هي مكوّنات اللوحة التي ارتسمت ملامحها بمدينة أم العرائس ومثّلت فيها عرسا ثقافيا بامتياز.


شريف الأدارسة


إلى مقام الولي الصالح “سيدي ناصر”، الذي يعود نسبه إلى الأشراف الأدارسة بالمغرب الأقصى، توجّه الناس حاملين معهم أدعيتَهم ورجاءاتهم الصافية في أن تنفتح أمامهم أبواب السماء، وتدلف إليهم منها خيرات الله في زمن تعاظم جفافه السياسيّ والرمزيّ.

وأمام مقام هذا الولي الصالح، حيث انتشرت خيام الزوار وتركّز حلّهم بالمكان، كانت الجحفة حاضرة ومحاطة بالفرسان بأزيائهم التقليدية الرائعة، لتعبر عن تأصّل السكان في تراثهم المادي والرمزيّ، وتمسكهم بكلّ ما يشدّهم إلى براءة الإنسان ورؤيته الاجتماعية لظواهر المعيش وعناصره، وما يغلب عليها من عادات مثل حفلات الزفاف والختان والأعياد، فهي بالنسبة إلى أهل الجنوب التونسيّ ميزة وعلامة.

وكانت ساحة المدينة فضاء لعرض فرجوي لألعاب الفروسية، وهي ألعاب مشحونة دلالاتها ببهجة الأجداد في تعاطيهم مع فضاء الصحراء وتعرّشاته التخييلية، وما يحيل إليه من علاقة العربيّ بعصا الترحال وعصا الشعر وعصا المحبّات العذراء.

وأضاء الشعر ليل المدينة، حيث أحيا فيه شعراء الشعر الشعبي سهرة مائزة تردّد صدى معانيها فوق رؤوس النخل، وعاد منها محمولا في عراجين، كأنها أقمار قديمة، تلذّذ الجمهور سماعها وافتتنوا بصورها التي دغدغت فيهم تاريخهم الاجتماعي وأحيت فيه مشاهده، وهو ما حوّل ساحات مدينة أم العرائس إلى مسرح طبيعيّ التقت فيه البداوة بالحضارة.

أما اليوم الختامي فقد كان مليئا بالأنشطة المتنوعة والموجهة للأطفال، من خلال عروض للدمى العملاقة وعرض مسرحي شبابي، وعرض مسرحي للكهول مساء، وبذلك راوح مهرجان الحوض المنجمي بمدينة “أم العرائس" في دورته الحالية بين الفرجة والتثقيف.

راوح مهرجان الحوض المنجمي بمدينة "أم العرائس" بين الفرجة والتثقيف


ثروات وثقافات


يذكر أن منطقة أم العرائس، تعدّ من أكبر المناطق التونسية التي توجد بها ثروات ضخمة من مادة الفسفاط، حيث تركّز بها حوض منجميّ لاستخراج هذه المادة منذ أن اكتشف البيطري الفرنسي فيليب توماس الفسفاط، خلال بحوثه الاستكشافية في أبريل سنة 1885 بين جبل الثالجة ورأس العيون بمحافظة قفصة.

وقد نشر هذا الفرنسي نتائج بحوثه سنة 1887، وهو ما جلب اهتمام العديد من الباعثين الفرنسيين، الذين كانوا يستعمرون البلاد التونسية آنذاك، لبعث مؤسسة لاستغلال الفسفاط بتونس.

كما شهد الحوض المنجميّ أول الاضطرابات الاجتماعية التي مثّلت فاتحة للثورة التونسية التي توّجت في 14 يناير 2011.

لقد كان المهرجان وما احتواه من فقرات مناسبة للوقوف على مكونات المخزون الحضاري الكبير لمدينة أم العرائس ومنطقة الجنوب الغربي، التي لم تجد حظها في الدراسات الأكاديمية، وبالتالي الوقوف على جوانب من الواقع المعيش، وكيف يمكن أن يكون منطلقا لبناء واقع جديد يأخذ بعين الاعتبار مميزات المنطقة في بناء مستقبل أفضل.

ولا يفوت الزائر توجيه دعوة إلى المسؤولين على الثقافة والسياحة بالجنوب التونسي إلى إدراج هذا المهرجان ضمن قائمة المهرجانات الوطنية باعتباره مناسبة لحفظ الذاكرة الوطنية.

16