مهرجان أيام فلسطين السينمائيّة يكسر الصمت ويفضح الممارسات العدوانيّة

الدورة السادسة من المهرجان ترفع شعار "لا يعني لا" للوقوف في وجه الاعتداءات.
الأربعاء 2019/10/02
سينما تكشف وتنير

أثبتت السينما جدارتها في التعريف بالقضايا الإنسانية على اختلافها وتعددها، وإضافة إلى قدرتها على إضاءة أكثر الزوايا عتمة، أثبتت كذلك قدرة عجيبة على نشر ثقافة التنوير وعلى استقطاب شرائح مختلفة، حيث مثلت لغة الصورة، وهي أهم عناصر الفن السينمائي، لغة جامعة تتجاوز اختلافات الألسنة والمجتمعات وغيرهما.

تستعد عدة مدن في الضفة الغربية وقطاع غزة والداخل لاستضافة الدورة السادسة من مهرجان أيام فلسطين السينمائيّة الذي ترعاه مؤسسة “فيلم لاب”، بمشاركة أكثر من ستين فيلما تتنوع بين الوثائقي والروائي وأفلام الأطفال من مختلف أنحاء العالم العربي والعالم، كما سيقدم المهرجان جائزة طائر الشمس الفلسطينيّ، التي أُطلقت لأول مرة عام 2016، لدعم الإنتاجات الفلسطينيّة المحليّة وتلك التي تتناول فلسطين، ويأتي اسم الجائزة تيمنا بالطائر الوطنيّ، طائر الشمس الفلسطينيّ.

يرفع المهرجان هذا العام شعار “لا يعني لا” للوقوف في وجه التحرش والعنف القائم على النوع الاجتماعيّ في فلسطين، إذ يحاول مقاربة الموضوع عبر محاكمة مفاهيم “العيب” و”الممنوع”، خصوصا في ظل الاحتلال الإسرائيلي والثقافة الأبويّة السائدة.

ضد العنف الجنسي

 يرى القائمون على مهرجان أيام فلسطين السينمائيّة أنها مبادرة للوقوف إلى جانب الناجين من العنف الجندريّ، ووسيلة لاكتشاف قدرة السينما على فتح مجال للنقاش في ما يخص هذه الممارسة، وتفعيل دور وسائل الإعلام والمخرجين للوقوف في وجه هذه “الآفة” لزيادة الوعي حولها، إذ يدعو المهرجان إلى كسر الصمت وفضح الممارسات العدوانيّة، خصوصا أن التحرش يعتبر انتهاكا لحقوق الإنسان، وتهديدا للكرامة الإنسانية.

ينظم المهرجان بمناسبة الحملة السابقة عددا من جلسات النقاش تحمل عناوين كـ”العنف القائم على النوع الاجتماعيّ في فلسطين” و”صورة المرأة في السينما العربيّة” و”نساء في صناعة الأفلام”، إلى جانب عروض لأفلام كـ”ألف فتاة مثلي” للأفغانيّة ساهرة موساي ماني و”الشعور بالمراقبة” لآسيا بونادوي، و”حقول الحريّة” لنزيهة عريبي، وترى خلود بدوي، الناطقة الإعلاميّة للمهرجان، في حديث مع “العرب” أن الأمر يتجاوز تطوير الآليات القانونيّة المرتبطة بالدفاع عن المرأة المعنّفة، كون الأمر من اختصاص المؤسسات القانونيّة، إذ تسعى جلسات النقاش إلى تسليط الضوء على جوانب مختلفة من هذه الممارسات، ومخاطبة فئات قادرة على الوقوف في وجهها بصورة غير مباشرة، وتضيف “نرى أنفسنا كناشطين في القطاع السينمائي مسؤولين عن مناقشة هذه المواضيع، واقتراح آليات لمكافحة العنف ضد النساء، ضمن مساحة خبراتنا ألا وهي السينما وصناعتها”.

المهرجان مبادرة للوقوف إلى جانب الناجين من العنف الجندري ووسيلة لاكتشاف قدرة السينما على مجابهة هذه الممارسة

تقول بدوي إن السينما أداة لرفع الوعي وصقله، سواء كان فرديا أو جماعيا، وترى أن التركيز على موضوع العنف على أساس الجندر يأتي من وعي المنظمين للمهرجان وخصوصا مؤسسة “فيلم لاب” بأهمية الثقافة السينمائيّة في القضايا الحياتيّة والمصيرية وتعقب “الأمر يتجاوز سلطة الاحتلال العنيفة بكل الأشكل، ويمتد إلى طبيعة مجتمعنا والبنية الذكورية التي تهيمن ضمنه، إذ لا يحاول المهرجان محاورة هذه الظاهرة فقط، بل طرح أسئلة في ما يخص هذا العنف عبر السينما وطقس المشاهدة، واقتحام مساحات هامشية في المجتمع لا تحضر فيها السينما ولا تُؤخذ بعين الاعتبار في البرامج الثقافيّة، كما نؤمن أن لصناع السينما والسينما نفسها دورا في تغيير الصورة النمطية عن المرأة تلك التي تظهر فيها مستضعفة ومهمّشة وجانبيّة، إلى جانب إخراج قضايا المرأة والعنف من دائرة مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات النسويّة لتكون حاضرة في الفضاء العام والنقاشات ضمنه بوصفها أولويّة، لا مجرد موضوعات هامشيّة”.

السينما للجميع

يُطلق المهرجان أيضا مبادرة “سينما في الفضاء العام، كلّ الأماكن متاحة”، التي تحاول جعل طقس المشاهدة خارج فضاء السينمات التقليديّة، خصوصا أنه لم تبق سوى ثلاث دور سينما في فلسطين، وأيضا بسبب الصعوبات الاقتصاديّة والمجتمعات المحافظة، لتأتي المبادرة كفرصة أمام الكثيرين ممن لم يشهدوا طقس الجلوس أمام شاشة كبيرة لاختبارها في الأماكن العامة؛ في بساتين الزيتون، وساحات القرى والأسطح، إذ ستوفر “فيلم لاب: فلسطين” سينما مُتحركة في المدن والقرى البعيدة والمهمّشة، كوسيلة لتجاوز عقبات الحركة، وكذلك خلق “مكان آمن ومرح للعائلة لقضاء الوقت”.

 وتعقب بدوي بقولها إن المساحة الآمنة ستضمن مشاهدة بجودة عاليّة وإتاحة أماكن مريحة للعائلات لقضاء وقت لطيف أثناء مشاهدة الأفلام بسبب التجهيزات التي تتيح لهم أفضل شروط التلقي، دون الخوف من أي حوادث أو منغصات لطقس الفرجة.

Thumbnail

تطلق فيلم لاب أيضا برنامج الجيل القادم، الموجه للأطفال من عمر 6 إلى 15 عاما، عبر عرض أفلام عالميّة تحوي حسب المهرجان “مفاهيم تنويرية، صور تخيلية وأفكار إيجابيّة”، كما تلي الأفلام نقاشات يعبر فيها الأطفال عن وجهات نظرهم وانطباعاتهم، ويهدف هذا البرنامج إلى “تعليم الأطفال احترام مواقف الآخرين، لتعزيز مفهوم الحلول السلميّة للخلافات والنزاعات”، كما سيتم عرض فيلمين من إنتاج الأطفال تشجيعا لهم هما “تسلل” و”أنت مين؟”.

 يستضيف المهرجان أيضا ملتقى صناع السينما الفلسطيني وذلك للحديث أكثر عن التجربة الفلسطينية وتأطيرها والتركيز على صناعة واقتصايات السينما عبر حوارات مع مُختصين وفاعلين في مجال الإنتاج وعبر محاولة الإجابة عن سؤالي “كيف نبني ركائز صلبة لتطوير صناعة السينما المحلية؟” و”كيف نمكّن المخرجين الفلسطينيين من المضي قدما في مشاريعهم؟”.

يقول حنا عطا الله وبريجيت بولاد مدراء فيلم لاب “الأفلام إحدى أقوى أدوات التمكين، وهو أمر ذو خصوصيّة عندما يتعلق بفلسطين وغزة المحاصرة، واللاجئين في الشتات الذين يعانون الويلات، والقدس تتحدى، والضفة الغربية تقبع تحت الجدران، مع ذلك يسطع نجم أفلامنا ومهرجاناتنا ومبدعينا في صالات العرض العالميّة، ويلتفت العالم إلى قضيتنا، كذلك نتابع النتاج السينمائي العربي والإقليمي والعالمي”.

وتصف بدوي تجربة فيلم لاب مؤكدة أن المهرجان جزء من خطة استراتيجيّة للمؤسسة في سبيل تنمية الثقافة السينمائيّة في فلسطين واستقطاب أكبر عدد من المشاهدين في مناطق مختلفة وخصوصا الأرياف، أما جائزة طائر الشمس الفلسطينيّ فتستهدف الأفلام التي تمتلك قيمة مضافة للمشاهد، وتضيف “لا يهمنا أن يكون الموضوع محصورا بصيغة ما، الأهم أن تكون هناك قيمة جمالية وفكرية في الفيلم تخاطب المشاهد وتجعل تجربة المشاهدة غنيّة، وبالطبع نحاول دوما أن نجعل لجان التحكيم والاختيار متنوعة، لنكون أمام برنامج متنوع يرضي مختلف الأذواق ويخاطب مختلف المواضيع”.

14