مهرجان الأراجوز يحتفي بتراث فني عريق

المهرجان يبعث الحياة في لوركا ويكرم الإبياري وعانوس وحجاب.
الثلاثاء 2020/12/01
الأراجوز ليس مجرد دمية

يحاول مهرجان الأراجوز المصري، الذي تقيمه فرقة ومضة، الحفاظ على فن الأراجوز المصري من الاندثار، وهو فن عريق يستفيد من بعض تقنيات المسرح ونصوصه ليقدم عروضا مشوقة من خلال دمية قفازية بألوان مبهجة ترتدي “طرطورا” أحمر اللون، تجذب بصوتها وحركاتها انتباه الكبار والصغار لتصبح مصدرا للبهجة والضحك والنقد والتشويق.

انطلق مهرجان الأراجوز في دورته الثانية، في القاهرة الثلاثاء، تحت عنوان “الأراجوز ملهما” مكرما اسم المسرحي الرائد أبوالسعود الإبياري لما قدمه للمسرح والفن والإنسانية من قيم جمالية وإبداعية، كما كرم أحمد الإبياري لتجربته المسرحية كمؤلف ومخرج ومنتج مسرحي ساهم في إثراء الحركة المسرحية لما يزيد عن أربعين عاماَ.

 وكرم أيضا أستاذة النقد المسرحي بكلية الآداب – جامعة الزقازيق نجوى عانوس التي قدمت للمكتبة المسرحية العربية ما يزيد على عشرين مؤلفا في المسرح جلها ارتكز على الحفاظ على ذاكرة المسرح والفن لقرابة ما يزيد عن نصف قرن.

افتُتح التكريم بكلمة مؤسس المهرجان أستاذ علوم المسرح نبيل بهجت، الذي أشاد فيها بالتراث الذي تركه أبوالسعود الإبياري كنموذج يحتذى به في الكتابة والإبداع والفن، مؤكدا على أن الاهتمام بالنماذج الرائدة هو أحد أهم ركائز نهضة الوطن. وتحدث الكاتب والمخرج المسرحي أحمد الإبياري عن حياة والده أبوالسعود الإبياري الذي ولد عام 1910 وتوفي عام 1969 وترك زادا فنيا في المسرح والسينما والأغنية المصرية، وكيف ساهم في تشكيل وجدان الشعب المصري لعقود مختلفة.

وتحدث الإبياري عن بدايات والده وكيف كانت الكتابة الزجلية هي مدخله لعالم الفن والإبداع. فيما تحدثت نجوى عانوس عن كيف خرج الإبياري من عباءة بديع خيري وكيف تفوق عليه في بعض الجوانب، كما تطرقا إلى تجربته المسرحية من حيث الكتابة لمسرح الصالات ثم انقطاعه لمجال السينما في أربعينات القرن الماضي، حيث يمكن اعتباره أحد أبرز المؤسسين لفن كتابة السيناريو بمصر.

ثم تحدثا عن تجربته مع إسماعيل ياسين والتي بدأت عام 1954 وانتهت في عام 1966. وأعقبت تلك المداخلات قراءة لنص “أراجوز وفكرة ومؤلف” التي قدمها الفنان محمود سيد حنفي ثم أعقب القراءة تقديم عروض المهرجان والتي شاهدت تفاعلا كبيرا من الجمهور، حيث تناولت بعض الموضوعات والقضايا التي تمسّ أشكال الحياة اليومية الحديثة. كما أعلن الإبياري عن إنتاجه لعرضٍ مسرحي يتناول شخصية الأراجوز إسهاما منه في دفع وتطوير هذا الفنّ والحفاظ عليه.

أراجوز سيد حجاب

Thumbnail

كرم المهرجان اسم الشاعر الراحل سيد حجاب، حيث بدأ حفل التكريم بإهداء درع باسم سيد حجاب إلى ابنته الفنانة ريم حجاب، بالإضافة إلى درع خاص لها. وألقت حجاب بأدائها المميز قصيدة والدها الشهيرة عن الأراجوز، التي يقول في مطلعها “أراجوز.. أراجوز.. إنما فنان/ فنان.. أيوه.. إنما أراجوز/ ويجوز يا زمان أنا كنت زمان/ غاوي الأرجزة طياري.. يجوز/ إنما لما الكيف بقى إدمان/ باجي أبص لشيء واحد أرى.. جوز/ أرى إيه؟ أرى إيه؟ أرى أرى أراجوز”.

وتحدثت حجاب عن تجربة والدها الشعرية وكيف استطاع أن يصل بقيمه ومعانيه العميقة عن الحياة والإنسان إلى العامة، وألقت الضوء على طريقة استخدامه للغة وتوليد المعاني من المفردات، حيث استطاع سيد حجاب أن يطرح معاني جديدة للمفردات المألوفة.

وأكد نبيل بهجت ما أشارت إليه حيث لفت إلى طريقة بنية القصيدة لدى الشاعر وأن فيها جانبا من إدراكه لفلسفة اللغة واستنباط المعاني الجديدة التي ربما تكون أمام أعيننا ولكننا لا نراها وفي ذلك تكمن عبقريته الشعرية.

وعن قصيدة الأراجوز فقد أشار بهجت إلى أن سيد حجاب جعل من الأراجوز رمزا لمواجهة الفساد واستعادة الأرض والوطن، إلا أن ذلك لن يحدث إلا باستعادة الوعي. ووقفت القصيدة على أنماط التلون الاجتماعي والسياسي إلا أنه انطلق من الأنا الشعرية المتمثلة في ضمير المتكلم “أنا”، والتي تشكل النص الشعري في القصيدة من خلالها، ليعبّر من خلال الأنا عن الكلّ.

وأعقبت التكريم جلسة لنقاش عرض “أراجوز التيك أواي”، من إخراج الفنان محمود حنفي، وعرض “أراجوز بلاد الأساطير”، من تأليف وإخراج نبيل بهجت. وشهد العرض حالة من التفاعل والمشاركة بين الجمهور والممثلين، تحققت من خلالها مفاهيم عروض الفرجة الشعبية.

خطاب لوركا الأخير

بالتعاون مع معهد ثربانتس قدمت فرقة ومضة عرض خطاب لوركا الأخير “لوركا والأراجوز”، من إعداد وإخراج الدكتور نبيل بهجت، واستلهم العرض مسرحية “دمى الهراوة” التي كتبها لوركا في صغره، والتي تأثر فيها بعروض الدمى الشعبية في إسبانيا والتي كانت تدور حول الشخصية الأشهر “كريستوبال”، وتتحرك تماما بالعصي مثل ما يفعل الأراجوز المصري.

وجاء العرض في إطار تصوير قصة حياة لوركا في فيلم وثائقي بدأ وانتهى منذ اللحظة الأخيرة في حياته، وهي لحظة موته التي لا نعلم عنها شيئا، سبقها عرض حركي بالعرائس التي تركها وحيدة، وكأنها تستدعي ذكرياته معها من خلال صور حياته التي تعرض أمامنا على شاشة، ليحضر لوركا روحا في القاعة.

وبدأ العرض بمقطع شعري للوركا، يتنبأ فيه بموته واختفاء جثته “وعلمت أنني قُتلت، وبحثوا عن جثتي في المقاهي والمدافن والكنائس، فتحوا البراميل والخزائن، سرقوا ثلاث جثث، نزعوا أسنانها الذهبية، لكنهم لم يجدوني قط”.

هذا المفتتح لخص به العرض لحظة النهاية لحياة لوركا كما قدمها هو، ويقطع انسياب الأداء صوت المخرج الذي يمثل السلطة، ليقهر كل من على خشبة العرض والصالة، لينقلنا إلى المشهد الثاني حيث نرى لوركا جسدا يتحرك بين الجمهور ليعرض علينا جزءا من أفكاره، معلقا على حياته “أسير منذ بدايتي نحو النهاية لأنني رفضت – أنا ما حملت سلاحا، فقط أنا ما سكتّ”. ويبدأ حوار بين لوركا وقاتله الذي يكيل له الاتهامات التي بسببها أطلق عليه الرصاص، ليلخص لوركا وعيه عن نفسه مدافعا عن كل هذه الاتهامات، “أنا الغجري الموريسكيّ الأندلسي الأسباني – أنا الإنسان”.

المهرجان ألقى الضوء هذا العام على الرموز الإبداعية التي استلهمت الأراجوز في أعمالها الشعرية والمسرحية

ومن خلال الفلاش باك نرى جزءا من طفولة لوركا وعروض عرائسه حيث تُعرض مسرحية دمى الهراوة، ولكن بشكل مكثّف حيث تم اختصار عدد كبير من مشاهدها في سبيل التركيز على الحدث الرئيسي، والذي يدور حول زواج روسيتا من كوكوليتشي، وكيف أن كريستوبال يريد أن يستحوذ عليها.

ولا ينسى العرض أن يلمح إلى اهتمام لوركا بالمرأة كرمز، كما قدمها في مسرحيتي “يرما” و”عرس الدم” ليكشف لنا العرض عن وعيه بالمرأة كمعادل موضوعي للحرية والوطن. ويستمر صوت المخرج الذي يقهر ممثليه ليفسد عليهم انسجامهم في عرض العرائس وينقلنا إلى مشهد قتل لوركا مرة أخرى، حيث نراه ظلا من خلال “السلويت” في مواجهة ظل الجندي الذي يشهر في وجهه السلاح، مكيلا له الاتهامات ليعلن لوركا في نهاية العرض “وعلمت أن قصيدتي صليبي وأغنيتي رثائي ولوحتي قبري”، ليختفي في الفضاء ويبحث عنه الجندي فلا يجده مرددا، “أين ذهب؟” ليأتي صوت لوركا “أنا في أغاني الغجر والرحّل والمقهورين، في صفحات الكتب المنسية – أنا هنا، أنا في كل مكان”. ليجعل العرض منه رمزا حيا للمقاومة في كل مكان.

وقُدّم العرض من خلال الدمى المصرية التراثية حيث يرجع عمر بعضها إلى ستين عاما، وكانت تلك رغبة المستشار الثقافي الإسباني خابير لريس، ليمزج بين الثقافتين المصرية والإسبانية. وأشاد بالعرض الذي أعاد لوركا للحياة وأوجده بالقاهرة ليعرض لنا حياته وجزءا من طفولته.

وأكد نبيل بهجت في نهاية العرض أن العرض ثمرة تعاون مشترك مع معهد ثربانتس في إطار بناء جسور التواصل بين الثقافتين المصرية والإسبانية. وقُدم العرض في ثالث أيام مهرجان الأراجوز المصري، وستتم برمجته لاحقا ضمن عدد من الأنشطة الثقافية المشتركة بين فرقة ومضة ومعهد ثربانتس. وفي نهاية العرض تم الاحتفاء بشخصية لوركا كنموذج إنساني عابرٍ للحدود وداعٍ إلى العدالة وثقافة الحياة، حيث كان هو الشخصية المكرّمة في ثالث أيام المهرجان.

15