مهرجان الأردن المسرحي يبحث عن فضاءات آمنة

ثيمة الهروب من فضاءات القتل، أو الاستبداد والقهر، كانت الأكثر حضورا في العروض المسرحية المشاركة في الدورة الثانية والعشرين لمهرجان الأردن المسرحي، التي اختتمها المسرح الوطني التونسي بعرض “برج لوصيف” في الـ24 من نوفمبر الماضي، وفي جل الأعمال فإن ضحايا الطغيان والبراميل المتفجرة والتغييب القسري لا يجدون مخرجا للنجاة إلاّ بالفرار إلى فضاءات آمنة، أو يتوهمون أنها آمنة.
الأربعاء 2015/12/02
"مكاشفات" العراقي عرض ينتمي إلى مسرح الإسقاط السياسي

قدمت الدورة الثانية والعشرون لمهرجان الأردن المسرحي المنتهية أخيرا بالعاصمة الأردنية عمّان في مجمل عروضها ثيمة الهروب من فضاءات القتل، إلى فضاءات تأمل أن تكون آمنة.

أبرز هذه العروض كان العرض الأردني “العاديات”، تأليف وإخراج خليل نصيرات، يليه العرض العراقي “مكاشفات”، تأليف قاسم محمد وإخراج غانم حميد، والعرض الكويتي “صدى الصمت”، تأليف قاسم مطرود وإخراج فيصل العميري، والعرض السعودي “بعيدا عن السيطرة”، تأليف فهد ردة الحارثي وإخراج سامي الزهراني.

في حين قاربت بقية العروض موضوعات إنسانية مختلفة يهيمن عليها الخوف والشقاء والفقد، والعلاقات العاطفية المضطربة، والصراع بين الموروث والمعاصرة وبين المال والسلطة، في أجواء من الفانتازيا والعبث والسخرية.

والعروض تباعا هي “برج لوصيف” من تونس، نص وإخراج الشاذلي العرفاوي اقتباسا عن مسرحية “قطة على سطح من الصفيح الساخن” للأميركي تنيسي وليامز، و”روح” من مصر، اقتباس ياسر أبوالعينين عن مسرحية “الوردة والتاج” للكاتب الإنكليزى جى. بى. برستلي، وإخراج باسم قناوي، و”مقامات أبوتايه” من الإمارات، تأليف وإخراج مرعي الحليان.

والعروض الأردنية الخمسة لم تشذ عن سابقاتها في طرحها لمواضيع إنسانية مختلفة وهي “المغنية الصلعاء” للفرنسي يوجين يونسكو وإخراج علاء بشماف، و”علاقات حرجة”، تأليف الفرنسي كريستوف بيليه وإخراج نبيل الخطيب، و”الرّخ” تأليف محمد صبري وإخراج مخلد الزيودي، و”هاشتاغ”، تأليف وإخراج محمد خير الرفاعي، و”أسطورة ليليت”، تأليف خزعل الماجدي وإخراج فراس الريموني.

عرض (مكاشفات العراقي ينتمي إلى ما يُعرف بمسرح الإسقاط السياسي، فهو يستحضر شخصية السفاح المرعب الحجاج بن يوسف الثقفي الذي عُرف بالمبير حسب إجماع معظم المؤرخين، بسبب قسوته وبطشه بمعارضيه

في عرض “العاديات” الأردني يسلط خليل نصيرات الضوء على جانب من معاناة مجموعة نساء سوريات هاربات من جحيم الموت إلى إسطبل يحتمين به، يقع بين البساتين الممتدة حتى نهر العاصي في مدينة حمص، وقد أصبح بسبب الدمار الذي خلّفته البراميل المتفجرة والقصف العشوائي لدبابات النظام ومدافعه مكانا مهجورا تعيث فيه الجرذان فسادا، وتغطي أرضيته بقايا هشة لياسمين كان مخضرا وطريا.

كل واحدة من هؤلاء النسوة تبوح بحكاية موجعة ومخيفة عن الدمار الذي لحق ببيتها، وهي تبحث عن زوج أو ابن غائب في معتقلات أجهزة النظام القمعية والشبّيحة، عدا واحدة هي زوجة أحد أمراء الإرهاب، كانت تنوي قبل مجيئها إلى الإسطبل تنفيذ عملية إرهابية بحزام ناسف في مدينة حماة، وتتهجم بصفاقة، طوال العرض، على امرأة مسيحية، ناعتة إياها بالكافرة.

وعلى النقيض من هذه الإرهابية ثمة شخصية وديعة هي الراهبة التي كانت تريد الذهاب إلى نهر العاصي لتطهّر جسدها وروحها من الاغتصاب البشع الذي تعرضت له على يد مجموعة من الوحوش البشرية الضالة.

“العاديات” عرض جريء يغوص في مشهد نموذجي من تراجيديا القتل اليومي والدمار والرعب الذين يواجههما الشعب السوري من أجل العيش بحرية وكرامة، وهو يحمل وجهة نظر واضحة في وقوفه إلى جانب الضحايا والفارين من الإبادة، واستبطان عذاباتهم وأحلامهم، والكشف عن بشاعة القتلة والجلادين، بمن فيهم أولئك الذين يتاجرون بالفتيات الصغيرات في مخيمات النازحين الموزعة على دول الجوار، من خلال تزويجهن إلى أثرياء وضعاف نفوس عرب.

ينتمي عرض “مكاشفات” العراقي إلى ما يُعرف بمسرح الإسقاط السياسي، فهو يستحضر شخصية السفاح المرعب الحجاج بن يوسف الثقفي (أداه ميمون الخالدي) الذي عُرف بالمبير (أي المبيد)، حسب إجماع معظم المؤرخين، بسبب قسوته وبطشه بمعارضيه (أو الخارجين على الدولة كما كان يُطلق عليهم سابقا)، ويضعه في صراع حاد مع عائشة بنت طلحة (أدتها شذى سالم)، التي تزوجها قسرا وحاول تدجينها، وحينما يفشل يفرض عليها حصارا شديدا لمنعها من الرحيل، لكنها تستطيع الهرب وتنقذ نفسها.

عرض \'صدى الصمت\' الكويتي يتناول شخصيتين من بلدين متجاورين نشبت بينهما حرب دامت مدة من الزمن وانتهت

نجح المخرج غانم حميد في إسقاط هذه الشخصية الدموية المستبدة على نماذج عديدة من الطغاة وأصحاب النفوذ في العراق المعاصر، من دون أن يسميهم، لكن المتلقي يستطيع بسهولة معرفتهم عبر استقرائه للواقع العراقي قبل الاحتلال وبعده، ولا سيما أن العرض مزج في حواراته بين الفصحى والعامية العراقية، وبث العديد من الإشارات البصرية والسمعية الساخرة التي تحيل إلى ذلك الواقع.

يتناول عرض “صدى الصمت” الكويتي شخصيتين (رجلا وامرأة) من بلدين متجاورين نشبت بينهما حرب دامت مدة من الزمن وانتهت، وتشاء الصدف أن تسكن هاتان الشخصيتان في بيتين متجاورين ببلد ثالث لجآ إليه هربا من القمع والحياة المزرية في بلديهما.

وحين يزور الرجل جارته يتحدث كل منهما، دون أن يفهم أحدهما لغة الآخر، عن مقتل ابنه في تلك الحرب، وتحدث خلال ذلك مفارقات إنسانية في منتهى العذوبة، بسبب اختلاف لغتيهما، ونكتشف شيئا فشيئا أن ما يجمعهما هو ألم فقد ابنيهما، وأن لا عداوة بينهما لأن الحرب لم تكن من صنعهما.

تدور أحداث العرض السعودي “بعيدا عن السيطرة” حول معاناة شخصيات روائية غادرت عوالمها السردية المتخيلة إلى الواقع، ورفضت العودة إليها، ما أدى إلى تشوهها، فيوجه المؤلف نداء إلى الجمهور يطالبه فيه بالقبض على تلك الشخصيات والاحتفاظ بها. ويرتبط نص العرض بعلاقة تناصّية معارضة أو مفارقة مع نص بيرانديللو الشهير “ست شخصيات تبحث عن مؤلف”.

يتحول البشر في عرض “الرخ” الأردني الذي تجري أحداثه في بيت آيل للسقوط اتخذ منه ساكنوه مخيطة، إلى مسوخ وكلاب مسعورة ينهش بعضها بعضا، ويشوه القلق والخوف أحاسيسهم، فتصبح وجوههم مرايا لبشاعة دواخلهم في عالم تهيمن عليه الحروب والقتل والدمار، وتتحكم فيه ماكنة إعلامية تزرع الرعب والخراب في نفوس البسطاء تحقيقا لمصالح كبيرة.

16