مهرجان الجونة شكل جديد للفعاليات السينمائية

مدير مهرجان الجونة العراقي انتشال التميمي يؤكد أن الجونة تحد وجرس تنبيه للجميع، وأن البلدان العربية هي التربة الأكثر ملاءمة للسينما.
الاثنين 2018/09/24
نحن في اتجاه وضع بصمة حقيقية في السينما العالمية
 

جاء انطلاق مهرجان الجونة العام الماضي ليدشن حقبة جديدة للمهرجانات السينمائية في مصر والوطن العربي، فهو الأول الذي يرعاه ويموله القطاع الخاص بعد فترة طويلة احتكرت فيها المؤسسات الرسمية المصرية تنظيم الفعاليات الثقافية الكبيرة، وهو ما جعل المهرجان تظاهرة مثيرة للجدل. “العرب” كان لها هذا الحوار مع مدير المهرجان العراقي انتشال التميمي.

القاهرة - وسط صخب كبير وحضور لافت لنجوم الفن وأهل المال والأعمال، انطلقت الخميس فعاليات الدورة الثانية لمهرجان الجونة السينمائي على ساحل البحر الأحمر بمصر، وتستمر حتى 26 سبتمبر الجاري، وهي تعبر عن تظاهرة فنية أسسها رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس.

ناقوس إنذار

واجه الجونة اتهامات، من نوعية أن هدفه سياحي ويخدم مصالح اقتصادية تخص “آل ساويرس”، مالكي مدينة الجونة السياحية، ويستهدف إزاحة المهرجانات الرسمية من الخارطة الثقافية، خاصة القاهرة السينمائي الدولي.

يقول انتشال التميمي مدير المهرجان في حوار مع “العرب” “الهدف من أي مهرجان جديد استكمال الجهود السابقة، ويكون عتبة جديدة للإنتاح والفعاليات السينمائية، فلا قدرة لمهرجان أن يسحب البساط من آخر، والجونة يمثل تحديا وجرس تنبيه للجميع”.

ويضيف “هدفنا المنافسة والتكامل، وطوال السنوات الماضية كنت أحد الاستشاريين غير الرسميين لمهرجان القاهرة الدولي، وأتصور أن روح التكامل تعزز المهرجان، ففي الأعوام القليلة الماضية كان هناك أكثر من خمسين فيلما مهما عالميا لم تذهب لأي مهرجان عربي”.

ويعتقد البعض أن الدورة الأولى للجونة حفزت مهرجانات عريقة مثل القاهرة السينمائي الدولي الذي فقد الكثير من مكانته مؤخرا، بسبب ضعف الإمكانيات المادية، على تطوير وتغيير الشكل التقليدي، ما جعله يخرج الدورة الماضية في شكل مغاير، وعادت سجادته الحمراء لتكون ممرا لنجوم عالميين، بينهم نيكولاس كيدج، وحضره نجوم الصف الأول من الفنانين المصريين بعدما قاطعوه سنوات، وجاء التغيير بعدما دخلت شبكة قنوات “دي إم سي” كراع للمهرجان وضخت أموالا ساهمت في إنعاش المهرجان.

نجاح مهرجان الجونة السينمائي لفت انتباه السلطات المعنية في مصر إلى ضرورة أن تولي المزيد من الاهتمام للمهرجانات
 

ويؤكد التميمي لـ”العرب” أن إدارة مهرجان القاهرة، سواء السابقة أو الحالية لديها القدرة والرغبة والإمكانية لتقديم عمل جيد، لكن ينبغي أن تصل هذه الرغبة للجهات المعنية التي يتحتم عليها توفير السبل والظروف الملائمة لإنتاج مهرجان سينمائي بمواصفات دولية، ما يتطلب ميزانية محددة، هذه الميزانية إذا جاءت أقل أو في توقيت متأخر سوف تؤثر على المهرجان.

ويوضح أيضا أن نجاح الجونة لفت انتباه السلطات المعنية في مصر إلى ضرورة أن تولي المزيد من الاهتمام للمهرجانات، ومن ثم الدعم الذي تحقق العام الماضي لمهرجان القاهرة هو، كما يقول، “دعم استثنائي ربما يفوق ما خصص للجونة، ما يعني أن ذلك بداية تحسن الأوضاع، ويعزز ذلك اختيار محمد حفظي رئيسا للمهرجان، كونه منتجا في الصناعة السينمائية، بجانب استمرار يوسف شريف رزق الله كمدير فني للمهرجان”.

ويلمح التميمي إلى أنه “لولا الجونة لاستمرت هذه الحالة لسنوات طويلة، ولم يكن لتنتبه الجهات المختصة إلى ضرورة توفير الإمكانات اللازمة للمهرجانات الفنية، فلأول مرة تصبح لمهرجان سينمائي سطوة إعلامية”.

ويذكر أن انتشال التميمي، ولد في بغداد بالعراق عام 1954 ودرس الصحافة في جامعة موسكو، وهو واحد من أبرز المبرمجين السينمائيين في العالم العربي، عمل كعضو لجنة تحكيم وكمبرمج واستشاري في عدد من المهرجانات العربية والدولية، ومؤسس مهرجان “روتردام للفيلم العربي” في هولندا، وعمل التميمي في  مهرجان “أبوظبي”، واطلع على مهرجان “دبي”.

ولعل وجود شخصية فنية عربية (عراقية) على رأس مهرجان واعد مثل الجونة، يدحض ما يروجه البعض بأن مصر طاردة للمواهب العربية، فهي لا تزال حريصة على استقطاب الكفاءات، لأن ذلك جزء من دورها التاريخي، والذي ساهم في ارتقاء الفن والثقافة بها على مدار سنوات طويلة.

لعبة الفن والمال

الجونة حفزت مهرجانات عريقة على التطوير وتغيير الشكل التقليدي
الجونة حفزت مهرجانات عريقة على التطوير وتغيير الشكل التقليدي

تلاحق الجونة اتهامات بأن المال الذي أغدقه “آل ساويرس”، السبب الرئيسي في نجاحه، وهو ما ينفيه انتشال التميمي قائلا “المال مهم لكنه ليس كل شيء، فالمهم سبل إنفاقه بشكل رشيد، والميزانية الخاصة بجلب الأفلام لمهرجان الجونة تبلغ 3 في المئة من قيمة موازنته، بينما يعتقد البعض أننا نقوم بتوزيع الأموال بشكل عشوائي وهو تصور خاطئ”.

وهناك نحو 14 مهرجانا فقط مصنفة حول العالم بـ”الدولية”، ما يثير التساؤلات حول سعي وطموح الجونة للحصول على هذه الصفة بشكل رسمي، لكن التميمي يؤكد لـ”العرب” أن “صفة الدولية خرافة كبيرة، جاءت عبر أسس وضعها الاتحاد الدولي للمنتجين الدوليين في وقت لم تكن هناك وسائل تكنولوجية متقدمة في الاتصالات والإنترنت، ولم تكن توجد قوانين تحكم الصناعة السينمائية الدولية وحقوق البث”.

وينوه إلى أن ما يصنع ويجعل المهرجان ليس تسميته، فمهرجان “كان” لا تعقبه صفة دولي وإضافة أو غياب هذه الصفة لا تنتقص منه ولا تضيف إليه، لكن تأتي الإضافة عبر طبيعة برنامجه وهل هو قادر على استقطاب المساهمات الدولية المهمة والحقيقية أم لا؟

ويشير إلى أن ما يحدد إذا كان المهرجان دوليا من عدمه، هو حجم الأفكار الجديدة الموجودة ونوع الأفلام ومستوى الحضور، “أتصور أننا في اتجاه وضع بصمة حقيقية في السينما العالمية”.

ويرى بعض المهتمين بالشأن السينمائي أن ثمة إهدارا للملايين من الجنيهات على مهرجانات سينمائية، والأجدى أن تضخ الأموال المخصصة في إنتاج أعمال سينمائية لتعزيز الصناعة التي تراجعت خلال السنوات الأخيرة في مصر، ولا يتعدى إنتاجها السنوي من الأعمال السينمائية 40 فيلما.

وهو ما يرفضه التميمي، مشددا “أعتقد أن المنطقة العربية تحتاج إلى أضعاف العدد الموجود من المهرجانات، وتلك فكرة خاطئة يتم ترويجها، فالأموال المخصصة للمهرجانات لن تذهب إلى الإنتاج بل يلتهمها الفساد الإداري والبيروقراطية، ولن تذهب إلى النواحي الثقافية، وأي مهرجان يمكن أن يحفز الحركة السينمائية بشكل جيد للغاية”.

الهدف الأساسي ليس الصناعة السينمائية بقدر ما هو توفير فرصة ملائمة لجمهور واسع، لمشاهدة أفلام حديثة وقوية
 

ويلفت إلى أن المهرجانات ليست لها محددات رئيسية، والجونة واحد منها، والهدف الأساسي ليس الصناعة السينمائية بقدر توفير فرصة ملائمة لجمهور واسع لمشاهدة أفلام حديثة وقوية، وتتحقق معها منصة للصناعة السينمائية أو محاولة جلب أموال تساهم في إنتاج الأفلام ودفعها، وإقامة الندوات وورش العمل وتلك فرصة أخرى للتثقيف ونشر الوعي السينمائي في المنطقة العربية.

ويتابع “كما تساهم في تنشيط السياحة ودعم الحركة الإقتصادية في المنطقة المعنية، وتوفر فرصة للقاء القائمين على السينما في الدول العربية ونظرائهم في دول مختلفة حول العالم، ما يساعد في تنشيط الإنتاج والحركة السينمائية، وتلك التظاهرات تحمل أوجها مختلفة للتنشيط الثقافي والفني والسياحي والاقتصادي”.

عرفت المنطقة العربية المهرجانات الفنية منذ فترة، وأقدمها “أيام قرطاج السينمائية” في تونس عام 1966، ثم جرى تأسيس مهرجان القاهرة الدولي عام 1975، وانطلق مهرجان دمشق بعد ذلك، ثم توالت المهرجانات في المغرب والجزائر والإمارات والبحرين، ومتوقع أن تشهد السعودية طفرة في هذا المجال بعد عزمها توسيع نطاق الاهتمام بالسينما والفنون عموما.

ويقول مدير مهرجان الجونة السينمائي لـ”العرب” “لدينا مجموعة من المهرجانات الدولية التقليدية بينها ‘قرطاج’ و’القاهرة’ و’دمشق’ (قبل أن يتوقف) وثمة مهرجانات أسست بطرق حديثة بدت أشبه بمسار جديد للمهرجانات، بينها ‘مراكش’ في المغرب، و’دبي’ و’أبوظبي’ و’الدوحة’ وشكلت نواة لمهرجانات واعدة في المنطقة العربية، هدفها مواكبة حركة المهرجانات الدولية، بهيكلة وطرق عملها والموضوعات التي تتناولها، بعدما أدخلت صورة الإنتاج المشترك في صيغة المهرجانات، والأهم أنها أضافت عناصر وخبرات أجنبية على المستوى العالمي”.

ويؤكد التميمي أن مهرجان الجونة “يحاول تلمس خطى تلك المهرجانات الحديثة في المنطقة العربية، ويأخذ نفس مسارها عبر إتاحة وخلق هذا السبيل في تربة تعتبر الأكثر ملاءمة للسينما، وهي مصر التي شهدث أول المحاولات السينمائية الجادة على جميع المستويات، وهي لم تقد الحركة السينمائية في العالم العربي فقط، لكن استقطبت معظم الكوادر من ممثلين ومطربين ومخرجين وغيرهم”.

ويشدد على أن الهدف الأساسي من المهرجان هو استقطاب أهم الأفلام وأكثرها جدية، والجمع بين العاملين هو المعادلة الصعبة والذهبية، ولدينا مجموعة من مبرمجي الأفلام المهمين، وقد ننجح مرات ونفشل في أخرى، لأن ثمة صراعا حول الأفلام في المنطقة العربية بين “الجونة” و”قرطاج” و”القاهرة”.

ويمكن القول براحة ضمير إن “معظم الأفلام التي ‘تقاتلت‘ عليها المهرجانات في المنطقة كانت لنا الصدارة في الفوز بها وهذا بحد ذاته شيء مريح بالنسبة لنا، كما استقطبنا نخبة من أهم وأحدث الأفلام في المنطقة دون نزاع، بينها أفلام شاركت وتوجت بجوائز في مهرجانات مثل ‘كان‘ و‘فينسيا‘ و‘لوكارنو‘ و‘كارلو فيفاري‘ و‘برلين‘، وبرنامج الجونة هذا العام هو الأكثر طزاجة في المنطقة العربية”.

الجونة يحفز الحركة السينمائية

 

15