مهرجان الجونة يمنح جائزة الإبداع لفنيي الديكور السينمائي

أنسي أبوسيف: مصممو المناظر ينقلون الواقع إلى الشاشة الكبيرة بعيدا عن الزخرفة.
الجمعة 2020/10/30
بصمات أنسي أبوسيف الفنية كانت واضحة في فيلم "المومياء"

دائما ما تكون تفاصيل الأعمال الفنية والقائمين عليها غائبة عن المهرجانات والفعاليات التي يكون فيها التتويج لعناصر العمل الأساسية وتقتصر على الممثلين والمخرجين والمؤلفين، وأحيانا المنتجين، غير أن مصمّم الديكور المصري أنسي أبوسيف، أو مصمّم المناظر كما يهوى أن يُقال له، استطاع أن يصنع لنفسه حضورا مميزا على مستوى التكريم الفني بعد أن ارتبطت أعماله بأذهان الجمهور.

الجونة (مصر) – حصد مصمّم المناظر والديكور المصري أنسي أبوسيف جائزة الإبداع الفني في مهرجان الجونة السينمائي الذي يختتم دورته الرابعة، اليوم الجمعة، استكمالا لجملة من الجوائز التي حصدها على مدار تاريخه، حيث بدأ في الستينات من خلال فيلم “المومياء” الذي قدّمه مع المخرج الراحل شادي عبدالسلام وكان نقطة انطلاق للمشاركة في 45 فيلما بالتعاون مع كبار المخرجين والمؤلفين.

قال أنسي أبوسيف في حواره مع “العرب”، إن تكريمه في مهرجان الجونة بمثابة حصاد لجهده الذي بذله في مشواره الفني، وهو حريص على مشاهدة حب الناس أثناء تكريمه وترحيبهم به، وهذا أكبر دليل على أنه يسير في الطريق الصحيح، معتبرا أن تكريم الفنان أمر مهم للغاية لأن ذلك يشعره بقيمة ما يقدّمه إلى الجمهور.

كانت أول جائزة حصل عليها أبوسيف عن فيلم “أوهام الحب”، وهي الأولى التي تمنحها وزارة الثقافة المصرية لمصممي المناظر في سبعينات القرن الماضي، وبعدها منحته جوائز أخرى عن أفلام، منها “إسكندرية كمان وكمان” و”الكيت كات”.

وأضاف أنه أهدى جائزته التي حازها في حفل افتتاح مهرجان الجونة للمخرج الراحل شادي عبدالسلام، باعتباره من قام بتربيته فنيا وجعله ينشأ ويسير في الاتجاه الصحيح، بعد أن ارتبط به منذ دخوله المعهد العالي للسينما حتى وفاته، فتعلم منه كل عناصر التصميم سواء الديكور أو المناظر، وهو من علمه كيف يفكّر ويعمل ويعبّر عمّا يشعر به. ونجاحه وحصده للجائزة وغيرها نتيجة لتلك التربية الفنية السليمة.

فنان السينما

"رسائل البحر" عمل سينمائي بقيت تفاصيلها في وجدان الجمهور
"رسائل البحر" عمل سينمائي بقيت تفاصيلها في وجدان الجمهور

يعتقد أنسي أبوسيف أن عمله مع العديد من المخرجين كان له تأثير كبير في حياته الفنية، وبعضهم تعامل معه مرة أو مرتين لكنه ترك بصمة في طريقة تصميماته، وتأثّره لم يكن بعدد المرات التي تعاون فيها مع هذا المخرج أو ذاك، وإنما بطبيعة الأعمال التي أقدم على تنفيذها.

ولدى أبوسيف جملة من المعايير التي يسير عليها عند قبوله الأعمال المعروضة عليه، أهمها كتابة المؤلف ورؤية المخرج، وبخصوص ذلك يقول “إذا لم أتّفق مع أي من هذه العناصر أعتذر عن العمل في الحال، وليس معنى ذلك أن هناك مشكلة ما في العمل ولكنْ اختلاف فقط في وجهات النظر لن يضر أحدا”.

ويعدّ فنان السينما المصرية، كما يطلق عليه العديد من المخرجين، مدرسة مستقلة بذاتها في خلق المناظر السينمائية. وشارك الراحل شادي عبدالسلام في ترجمة لوحاته التي رسمها بريشته للتحفة البديعة “المومياء”، إلى واقع ملموس استطاعت الكاميرا أن تلتقطه، وفي مطلع السبعينات شارك في تصميم مناظر فيلم “يوميات نائب في الأرياف” للمخرج توفيق صالح.

وتوالت الأعمال بعد ذلك، وضمت العديد من الأفلام التي بقيت تفاصيلها في وجدان الجمهور، مثل “إسكندرية كمان وكمان” ليوسف شاهين و”عرق البلح” لرضوان الكاشف و”أيام السادات” لمحمد خان، إضافة إلى فيلم “الكيت كات” و”رسائل البحر” و”أرض الخوف” لداوود عبدالسيد، و”إبراهيم الأبيض” لمروان حامد.

مصمم المناظر المصري يرى أن غياب الأعمال التاريخية سببه ندرة الأفكار، وليس نتيجة تكاليفها الإنتاجية الباهظة

ويقرّ العديد من النقاد بأن أبوسيف استطاع أن يهيم بريشته على الجدران السينمائية مشكلا أحد أهم عناصر الإبهار الفني عبر تفاعله مع قصة العمل وتأثيره على السياق الدرامي، ونجح في جعل خياله وثقافته نسيجيْن سميكين لا تزال صلاحيتهما مستمرة، وبدا أن مراحل نشأته الفنية بالتزامن مع نكسة 1967 التي هزمت فيها إسرائيل مصر، لها دور في رسم تفاصيل المجتمع داخل لوحة سينمائية ينجذب إليها الناس.

ولعل ذلك كان دافعا لمهرجان الجونة السينمائي إلى تسليط الضوء على أبرز أعمال الفنان المصري عبر معرض فني يبرز اسكتشات نادرة للكثير من أعمال وتصميمات مناظر أبوسيف، التي تعاون خلالها مع كبار المخرجين المصريين، وضمّت قصصا ملونة وأخرى بالأبيض والأسود لملابس وديكورات متنوعة من تلك التي شاهدها الجمهور على الشاشة من قبل، بعد نقل تفاصيلها من على الورق.

وأوضح أنسي لـ”العرب” أنه يستغرق وقتا طويلا عندما يُعرض عليه أي سيناريو، حيث يقرأه في البداية، وهناك رسومات من معرضه الذي أقيم خلال فعاليات المهرجان تم رسمها بالقلم الرصاص، خلفها جمل من سيناريو العمل الذي قام بتنفيذه، وهذه هي طريقته في التفكير كي يصل إلى الفكرة النهائية التي تظهر على الشاشة.

مهندس المنظر

أنسي أبوسيف: لا يوجد عمل صعب في السينما، والفن هو ما يصنع الصعب
أنسي أبوسيف: لا يوجد عمل صعب في السينما، والفن هو ما يصنع الصعب

أكّد أنسي أبوسيف في حواره مع “العرب” أنه ينصح الشباب الذين يريدون دخول مجال التصميم والديكور أن يهتموا بدراسة العمارة جيدا، لأن دراسة الديكور تعني الزخرفة، لكن لا تكون هناك زخرفة في السينما، ويكمن دور مصممي المناظر في نقل الواقع إلى السينما، ما يجعل المسمى الصحيح لتلك الوظيفة هو “مهندس المنظر” وليس “مهندس الديكور”.

وأشار إلى أن دراسة العمارة تفيد أيضا في تصميمات الأماكن المخصّصة لكل عمل فني حسب رؤية وذوق وأسلوب المصمم، ما يجعل تنمية مهارات التعبير الدرامي مطلوبة كي يجري التعبير عن الشخصيات التي لديها حالة معينة بشكل سليم لا يخرج عن إطار السياق الفني للعمل.

وعلى الرغم من تاريخ أنسي أبوسيف السينمائي الطويل، إلاّ أنه لم يقدّم سوى مسلسل واحد، وهو الجزء الأول من مسلسل “الجماعة”، تأليف وحيد حامد وإخراج محمد ياسين. ولم يكن ذلك عن قصد، وهو الذي يؤكّد أنه في حال عُرضت عليه أعمال درامية جديدة من الممكن أن يضيف إليها طابعا فنيا جديدا لم يقدّمه من قبل، وسيكون قراره بالموافقة، ويقر بأنه لم يشارك في الجزء الثاني من “الجماعة” كي لا يكرّر الأفكار أو التصميمات.

وتعاون الفنان المرهف مع الكثير من المخرجين المتميزين الذين يتمنى التعاون معهم مرة أخرى، على رأسهم المخرج يسري نصرالله الذي يعتبر من القلائل في السينما المصرية الذين لهم رؤية ذات طابع خاص، وهكذا المخرج داوود عبدالسيد الذي تعاون معه أنسي في فيلم “رسائل البحر” وكان مختلفا.

أبوسيف استطاع أن يهيم بريشته على الجدران السينمائية مشكلا إبهارا فنيا عبر تفاعله مع قصة العمل وتأثيره على السياق الدرامي

وقدّم أبوسيف العديد من الأعمال التاريخية المهمة مثل فيلم “الكنز” بجزأيه، إضافة إلى عدد من الأعمال التي اهتمت بتاريخ الحضارة المصرية القديمة مثل “المومياء”، وغيرها التي تناقش هذه النوعية من الحقب الزمنية، وتقلل ندرة تقديم هذه الأعمال حاليا من فرص إبداعات مصممي المناظر لما تحتاجه من ميزانيات إنتاجية ضخمة.

وقال أنسي أبوسيف إنه لا يوجد عمل صعب في السينما، والفن هو من يصنع الصعب، وهناك أفكار تكون صعبة التنفيذ، لكن الإنتاج أمامه بدائل عديدة للخروج بالعمل إلى النور، مثل أن يجري تشكيل اتحاد بمشاركة عدد من المنتجين لتقديم هذه النوعية من الأعمال.

وأكّد في حواره مع “العرب”، أن المشكلة الحقيقية تكمن في السيناريو الذي تمت كتابته وتناول التاريخ أو الحياة الاجتماعية بشكل عام، وبالتالي تعدّ الفكرة والثقة في تقديمها عائقا أمام هذه الأعمال.

Thumbnail
16