مهرجان الحكي يدعم التراث المصري ويرسخ الفنون الشعبية

اختتمت في محافظة قنا (600 كلم جنوب القاهرة) مؤخرا فعاليات مهرجان “فن الحكي” في دورته الثانية التي استمرت 5 أيام، سعى خلالها المهرجان الذي نظمته مؤسسة “دوم” الثقافية المصرية وشاركت فيه 21 فرقة، إلى الحفاظ على هذا الفن الذي يهتم بالتوثيق الشفهي للتراث العربي، مع تطويره ليمتد إلى تغطية أحداث معاصرة في تاريخ مصر إلى جانب قصص التراث والأبطال الشعبيين.
الجمعة 2015/05/15
المهرجان يهتم بالتوثيق الشفهي للتراث العربي

جاء اختيار محافظة قنا المصرية لإقامة مهرجان الحكي انعكاسا لتميزها بوجود عدد كبير من الحكائين الذين توارثوا هذا الفن جيلا بعد جيل، كما قال اللواء عبدالحميد الهجان محافظ قنا لـ”العرب”، مضيفا أن أهل المحافظة يحبون هذا النوع من الفن بالفطرة، لما له من دور محوري في حياتهم.

ورصد المهرجان، حسب كلام الهجان، تقدم وازدهار الحركة الأدبية والثقافية، وقدرتها على مواكبة العصر مع الحفاظ على الهوية المصرية، فضلا عن تقبل الأفكار الجديدة.

وكشف الهجان أن المحافظة ساعدت في إنجاح المهرجان بدعم الفرق وتوفير كل ما تحتاجه من مسارح، لإقامة عروضها التي تحوّل تفاصيل الحياة اليومية إلى مادة للحكي.

المهرجان في دورته الثانية لم يحقق سوى 5 بالمئة فقط من أهدافه المطلوبة، باعتراف خالد الخميسي الروائي ورئيس مجلس إدارة مؤسسة “دوم” الثقافية.

وقال لـ”العرب” إن هذا النوع التراثي المهم من الفنون يحتاج إلى دعم إعلامي أكبر لنشره، في ظل انخفاض أعداد رواة السيرة، كما أن فن الحكي في مصر غير معروف للقاعدة الكبيرة من الجمهور، إذ كان شبه مقتصر على ممارسيه من حكائين وموثقين للسير الشعبية، إضافة إلى أعداد قليلة من المتلقين.

وكشف الخميسي عن أن الحفاظ على هذا الفن وتسليط الضوء عليه كان هدف إطلاق مهرجان الحكي قبل عامين، لخلق جسور حقيقية بين الفنانين والجماهير بتنشيط الحركة الثقافية المصرية، من خلال تجميع فرق مختلفة في أنحاء مصر لنشر الثقافات المختلفة.

خالد الخميسي: طورنا الحكايات لتصبح معبرة عن الحالة الثقافية القائمة في مصر اليوم

واستطرد قائلا إن فن الحكي شهد طفرة كبيرة خلال الفترة الأخيرة، حيث تم الخروج من الشكل التقليدي إلى حكي يومي يتوافق مع الحالة النفسية والاجتماعية للمستمع، وأصبحت الحكايات معبرة عن الحالة الثقافية القائمة في مصر.

حسن الجريتلي مؤسس فرقة الورشة المسرحية، أقدم فرق الحكي المعاصر، والذي تم تكريمه بالمهرجان لدوره وعطائه، قال لـ”العرب” إن التدريب على الحكي فردي بطبيعته، حتى لو تم جزء منه في إطار جماعي، حيث يمكن أن يستفيد الكل من خبرة وتقييم وتطور كل واحد بمفرده، فآليات الحكي قليلة والأساس في التدريب أن ينجح الحكاء في التواصل شخصيا مع الآخرين، من خلال تخيله لتفاصيل القصة التي يحكيها وقدرته على تقديمها للمتلقين وكأنها شريط سينمائي.

وأكد الجريتلي على ضرورة أن يخلق الحكاء إيقاعا أساسيا مطمئنا للمتلقين تتوالى على سطحه أمواج للحكي تتميز بالهدوء حينا، وتكون ثائرة أحيانا، وأن ينجح في تحقيق الهدف الأبعد الذي يمكن أن نسميه بالتواصل العيني “آي كونتاكت”.

وأضاف أن الحكاء يلعب دورا مركزيا في حياة الشعب المصري، بقدرته على تحويل تفاصيل الحياة اليومية بمرها وحلوها إلى قصص تتواصل من خلال كثافتها الشفهية مع الآخرين.

رشا عبدالمنعم، مديرة المهرجان، أوضحت لـ”العرب” أن المهرجان يضم 21 فرقة، تعيد كلها كتابة التاريخ المعاصر وتسرد أحداثا جديدة، مضيفة أن الحكواتي في التراث العربي هو الشخص الذي يسرد قصصا شعبية أمام مجموعة من الأشخاص تخلد التراث وتحفظ التاريخ، يبدأها بعبارته الشهيرة “كان يا مكان” التي يستهل بها حكاياته، ليعود بآذاننا الصاغية آلاف السنين، من خلال الإلقاء الشيق والغناء تارة والتمثيل طورا آخر.

سلمى أشرف التي شاركت في مهرجان هذا العام روت لـ”العرب” أن سر حرصها على المشاركة، ما يظهره هذا الفن من جوانب ثقافية واجتماعية لعصر محدد وينقله بقالب لغوي شعـبي يصــل إلى الــحاضرين بسلاسة.

وحول قدرة عروض الحكي على التأثير في المجتمع، قالت إن كل ما يتم تنفيذه بشكل صادق وجيد يمكن أن يؤثر في المجتمع، والحكي يستطيع تغيير أفكار الفرد، لما يحمله من قصص واقعية حدثت بالفعل.

حسن الجريتلي: التدريب على الحكي فردي بطبيعته، حتى لو تم في إطار جماعي

وأضافت أن الحكواتي سمي أيضا بالمحدث، أما الحكاواتية في مصر فكانوا من العناترة، وهم محدثون اشتهروا برواية سيرة عنترة بن شداد وغيرها، وكانوا يستعينون بالكتب، ولا يروون من الذاكرة، كما كانوا ينشدون الشعر، ولكنهم يقرأون النثر بالطريقة الدارجة، ولا يستعملون الربابة.

يذكر أن فن الحكي معروف في بعض الدول العربية خاصة في مصر وسوريا والعراق، وهو مرتبط في مصر تحديدا بآلة “الربابة” الموسيقية التي يستخدمها الحكّاء.

ويرتبط تراث هذا الفن بالملاحم والسير الشعبية والبطولات التي يتغنى بها الشعراء وكان أشهرها السيرة الهلالية السردية، وعنترة بن شداد، وسيف بن ذي يزن، والظاهر بيبرس، والأمير حمزة البهلوان، ودلهمة “ذات الهمة”.

وتعدّ تلك السير من أهم الفنون القولية التي تحافظ على تراث الصعيد وثقافته وخصوصيته في مواجهة انتشار ألوان من الغناء الهابط، وإلصاق صفة الشعبية بها.

اللافت أن المهرجان هذا العام تعدّى حدود الإلقاء على خشبة المسرح، بعد أن قرر منظموه تنظيم جولات للفرق المشاركة إلى عدد من مدارس المحافظة، لتقديم فنونها على الطلاب هناك، في محاولة لتوسيع التأثير المجتمعي لفعاليات المهرجان.

كما أقامت الكاتبة ومدربة فنون الحكي هبة بركات ورشة تحت عنوان “بطلي المفضل” بإحدى المدارس القناوية، لتعليم الأطفال “فن الحكي” من خلال إتاحة الفرصة لهم لسرد حكايات حول أبطالهم المفضلين.

17