مهرجان الحمامات الدولي يعيد الاعتبار للفن الرفيع

الفنان يتعامل بشيء من الحذر وهو ينتج أعماله الفنّية أو يقدّمها إلى الجماهير في الشاشات والمسارح والمهرجانات، فمثلما يمكنه تحفيز العقول ودفعها إلى التفكير والنقد يمكنه أيضا تقويض سلوكها التحرّري والزجّ بها في المبتذل وتدجينها. وهو ما نراه جليا في الكثير من المهرجانات التي تكرس السطحيّة.
الاثنين 2017/07/10
فن خارج مقاييس السوق

كيف يمكن التفكير مع تيودور أدورنو ونحن نعلم على حدّ قوله كون “الثقافة لم تعد تتخذ لها مكانا في بنية مستقلة نسبيا، وإنما أخذت ترضع من البنية الاقتصادية وتتحوّل إلى بضاعة”؟

هل علينا التسليم براهنها الحاليّ القائم على الصناعة والتبضيع والتشيئة بما هي عوامل لا تجد تسييرها إلا من قبل المجتمع الرّأسماليّ أم هل علينا البحث مجدّدا عن تلك الهالة والفرادة وأصالة الفنّ المفقودة؟ وإذا ما اعتبرنا الثقافة الجماهيريّة بوصفها قائمة على التسليع نوعا من السموم التي تحقن الفنون الرفيعة، كيف يمكن نحت كيان فنّي يبقي على أصالة الفنّ دون ترفّع عن الجماهير؟

نشغّل هذه الأسئلة ونحن بصدد تسليط الضوء على مهرجان الحمامات الدولي في دورته الثالثة والخمسين، بما هو أحد أهمّ المهرجانات وأكبرها، دون أن نغفل أنّ مشروعيّة إشكاليتنا هذه تندرج في سياقنا الثقافي السائد، حيث ليس ثمّة غير تطاحن الأصوليات وخيام اليأس وخيبة الانتظارات الجماهيرية بعد نزعتها التحرّرية طيلة السنوات الماضية، ما يجعل من ضرورة الحدّ من افتقارنا إلى ثقافة مغايرة أمرا لا مناص لنا منه، أو لنقل بشكل علنيّ وصريح: لقد آن الأوان لحركة ثقافيّة تكنس هذا السائد من “الخردة الفنّية” و”الكيتش” و”المبتذل” الذي كرّسته منابر الشاشات التلفزيونية وانحراف الفنون المسرحية والسينمائية والموسيقية إلى سلطة السوق أو وقوعها طريدة سهلة ضمن سياسات تشغيل المقدّس فتحوّلت إلى أسلحة محض، بقدر ما تتهكّم على الواقع هي تخون الفنّ وتقصي عمقه الإنسانيّ.

محتوى برنامج مهرجان الحمّامات الدولي في دورته الـ53 جعل المهرجان إحدى أهم المحطات الثقافية الحالية

بهذا الشكل، وحتّى يكون منظورنا أقرب إلى الموضوعيّة، باعتبار أنّ هذا المهرجان لم تنطلق فعالياته بعد، فإنّنا سننحاز ضرورة إلى قراءة برنامجه وعروضه المبرمجة التي تمّ الإفصاح عنها مؤخرا في ندوة صحافيّة بالمركز الثقافي الدولي بالحمامات من قبل المدير معزّ مرابط، أمّا أن نحاول إلقاء نظرة نقدية على الجانب التنظيميّ للمهرجان فهذا أمر استباقيّ ويبقى محلّ قراءة أخرى مستقبلية في المدى القريب.

الفن الجليل

يبحث الإعلاميّ دائما عن لغة الأرقام وعدد العروض المبرمجة كمقياس لنجاح المهرجان من عدمه، لكن ذلك يظلّ مجرّد عامل بسيط، إذ كان من الأجدر النظر إلى تلك العروض بوصفها نتاجا ثقافيّا استهلاكيا يكرّس الاغتراب ويدافع عن سلطويّة الثابت، دون تثبت مما إذا كانت تسعى إلى زرع ثقافة مغايرة رغم محنة المصاعب والمتحوّل.

سيحقّ لنا الآن ونحن ننظر إلى محتوى برنامج مهرجان الحمّامات الدولي في دورته الثالثة والخمسين، الإفصاح عن كونه يمثّل أهمّ المحطّات الثقافية الحاليّة أو لنقل: لقد حقّق تميّزا بالمقارنة مع عدة مهرجانات أخرى، ولأنّ الجدل يقام أساسا على التناقض لا على المقارنات، فإنّنا سنقصي من دائرة إشكاليتنا هذه منطق التفاضل بين هذا المهرجان وذاك، وبقدر ما سنقول إنّه علاوة على أكثر من أربعين عرضا سيشملها مهرجان الحمامات من فنون مختلفة كالموسيقى والمسرح والندوات والمحاضرات والسينما.

ثمّة أكثر من نسبة ثمانين بالمئة منها عروض لا يمكن تصنيفها إلا من حيث الإقامة في مسلك الجليل الفنّي والفرادة الثقافية، إذ هي بقدر ما تنتسب إلى الأعمال الفنّية الملتزمة بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية معبّرة بذلك عن آلام جماهيرها ترفض أيضا أن تكون أسلحة أيديولوجية في قبضة اقتصاد السوق بما يؤهل إقامتها خارج صالونات المبتذل.

ربّما من بينها نذكر عرضي الافتتاح والاختتام للمسرحي توفيق الجبالي والموسيقي أنور براهم، وتواجد عروض أخرى، أفريقية وعربية ودوليّة، كثيرا ما تشوّقت الجماهير إلى متابعتها بعد أن تمّ اكتشافها عبر مواقع التواصل الاجتماعي والوسائط الافتراضية، منها على سبيل المثال لا الحصر عرض الفنان ثامر أبوغزالة والمجموعة الموسيقية الماليّة “تيناريوين” ولينا شماميان والعرض الكوريغرافي “عروق الرمل”.

سيكون ثمّة أكثر من فضاء ومساحة لاشتغال العروض الفنّية وهو ما سيخلق ديناميكية ثقافية واحتفاليّة

التناسج الثقافي

إضافة إلى ذلك، تعدّ برمجة عروض عربية وعالمية على غرار العروض التونسيّة، وتشغيلها في الفضاء نفسه والتوقيت ذاته مع بعضها البعض أمام الجمهور، نوعا من تكريس التفاعل الثقافي وتناسجه بما يؤهل للحديث عن مراكمة ثقافية بقدر ما تتجاوز مغالطات “المثاقفة” القائمة على استثمار ثقافة لأخرى تحاول الإقامة ضمن ما اصطلحت عليه الناقدة والباحثة الألمانية إيركا فيتشر على غرار إدوارد سعيد بتناسج ثقافات الفرجة، وهو ما يقوّض ظاهرة التمركز الثقافي الذي تكرّسه السياسات الكولونيالية ويخلق نوعا من التناص والتفاعل والتشارك حيث أمميّة الجوهر الإنساني بعبارة المفكّر هومي بابا في كتابه “موقع الثقافة”.

وعلى غرار الندوات التي سيسيّرها عدد من الفنانين والأكادميين والباحثين، سيكون ثمّة أكثر من فضاء ومساحة لاشتغال العروض الفنّية من بينها الانفتاح على الشارع أو بعض المناطق الأخرى من محافظة نابل كمدينة قربة، وهو ما سيخلق ديناميكية ثقافية واحتفاليّة بقدر ما تجذب الجماهير إليها تحاول أيضا ملء فراغ شاسع يكرّس سلوكا مواطنيّا قد يفضي إلى سحب البساط من تحت أقدام الأفكار العدميّة والتوجّهات الأصولية التي تحاول باستمرار تكريس التجهيل وزرع الخرافة في عقول تلك الجماهير.

ما نستنتجه في ختام إشكاليتنا هذه، هو هذا التوجّه نحو الجليل من الفنّ وفرادته وهالته التي أعلن والتر بنيامين عن أفولها، كما ثمّة انحياز إلى الجماهير من حيث محاولة تحفيزها نحو فرجة تحقّق لها نوعا من التحرّر خارج السائد من معطى الرّاهن، لكن هل فعلا سينجح مهرجان الحمامات في تشغيل فعالياته وفقا لهذه الانتظارات الأيام المقبلة؟ وهل فعلا سينجح في زرع نواة تأسيسيّة تراكم لسياسة ثقافيّة مغايرة نرى نتائجها مستقبليّا؟ وحده الزّمن سيجيب على هذه الأسئلة، وليس ثمّة مستحيل يقوّض نجاحا مستقبليّا نحن نرنو إليه، فلتكن ثمّة الإرادة رغم حجم الغوائل والصعوبات.

14