مهرجان الحواس

كل عمل من أعمال الهندي البريطاني أنيش كابور مهما كان حجمه هو مهرجان للتوابل.
الاثنين 2021/04/26
أعمال أنيش كابور تجمع الفكرة بالصورة

لا تخطئ العين أعمال الهندي البريطاني أنيش كابور الفنية. لا لشيء إلاّ لأن رائحتها الوهمية تسبقها وتبلّغ عنها. تلك الأعمال لا تخفي موادها التي تُرى باعتبارها عناصر تكوينها الأساسية.

لا شيء من مواد الفن الغربي يمكن العثور عليه فيها. أعمال يحار المرء في تصنيفها فنيا. هي ليست منحوتات. ذلك مؤكّد. ولكن ما هي إذن؟ سيُقال إنها نوع من التركيب. تلك حيلة تقفز بين المصطلحات. ربما يجد كابور مرجعيته في الطقوس الدينية الشعبية الهندية. ولكن المساحيق بألوانها الخارقة يمكن أن تبهر الأبصار وتحلق بالمخيلة. أعتقد أن النظر إلى أعمال كابور المولود عام 1954 تجعل اللسان يتحرّك بطريقة تلقائية. هناك شعور عارم بأن التوابل تخلق محيطا لا يمكن الفكاك منه. أنت في المطبخ الهندي وسيسبقك جوعك إلى أن تعترف بحاجتك إلى أن تستعيد حواسك.

يعرف كابور أنّ ما حدث لبصرك هو عبارة عن وهم. أنت تشم وتتذوّق وتلمس ولكنك ستسمع أيضا. تسمع ما الذي تقوله التوابل بعضها للبعض الآخر. كل عمل من كابور مهما كان حجمه هو مهرجان للتوابل. جغرافيا الهند وتاريخها يضعهما الفنان على المنضدة أمامه وهو يتخيل خارطة غربته وغرابة الوجود. تحضر بلاده كلها. بذاكرتها التي تتألف من ملايين الذرات الملونة على هيئة مسحوق. يمكن لذلك المسحوق أن يقيم بلادا لوحده. ألم تشنّ من أجله الحروب؟

يغزو كابور الصالات الفنية بالتوابل. غير أن هناك إيحاء بالذكريات يستحضر المادة بكل حالاتها. صلبة وغازية وسائلة. ما يحدث حين رؤية أعمال كابور يتخطى الحواس المباشرة ليحرّك في أعماق النفس خيوطا نائمة.

تلك الخيوط التي تقود إلى أماكن غامضة تجمع الفكرة بالصورة كما لو أنهما الشيء نفسه، فيتحوّل العمل الفني بخفة تأثيره إلى شيء أشبه بالأجسام المحلقة التي لا يعرف المرء من أين تأتي وإلى أن تذهب؟ شيء لا يُمسك بالحواس لكي يتم وصفه.

يلعب كابور مثل طفل بمواد الطبخ فيضع بلاده كلها على المنضدة. لا يملك المرء حين يقف أمام تلك الأعمال سوى أن يغلق عينيه على شبه القارة التي لا تزال تعجّ بأسرارها.

16