مهرجان الظفرة.. الخليج العربي على قلب رجل واحد

الثلاثاء 2013/12/17
مدرجات الجمهور تتحول بعد كل مسابقة إلى مسرح للرقصات التراثية

يحتار المرء في وصف الثراء الذي تتمتع به فعاليات الدورة السابعة من مهرجان الظفرة في مدينة زايد بالمنطقة الغربية من 14 إلى 28 ديسمبر الجاري، فقد تحولت تلك المنطقة الصحراوية التي تبعد عن مدينة زايد 60 كيلومترا والمقامة على ما يزيد عن عشرة كيلومترات مربعة، إلى مدينة عربية تحمل كل مفردات وعناصر التراث العربي الخليجي بدءا من الزي وإعداد القهوة وانتهاء بالـ"الخيام".

أتاح المهرجان للمشاركين اختيار المواقع التي تتناسب معهم وبالمساحات التي يطلبونها، فتمت إقامة خيامهم أو عزبهم وعلى مقربة منها خيام الخدمة والحظائر الخاصة بالإبل والأعلاف التي تحتاجها والسيارات.

تملك المدينة كل مقومات الحياة وجمالياتها الفكرية والثقافية والاقتصادية، وكأن الأمر ليس مجرد مهرجان سينتهي خلال فترة محددة، الإبل تمضي في مواكب سواء تلك المشاركة في السباقات أو الفائزة لتوّها في الأشواط أو التي تعرض للبيع، ومحال الأطعمة والحلوى والمقاهي ومكبرات الصوت "السماعات" ومستلزمات وأعلاف الإبل والصقور والكلاب السلوقي وتأجير السيارات، وأخشاب التدفئة ومستلزمات التدخية والمغسلة وغيرها على طول الطريق يحيط بالمدينة/ المهرجان ويتخللها. وفضلا عن ذلك كله هناك مسجدان يتسع الواحد منهما إلى ما يقارب ألفي مصلّ، ومستشفى يضمّ عددا من الأقسام الطبية.

يتوزع المشاركون على مسابقات المهرجان، فمسابقة مزاينة الإبل يدخلها يوميا ما يتراوح بين 300 إلى 500 متسابق، الأمر الذي يعني وجود 7 آلاف متسابق تقريبا في الخمسة عشر يوما هي مدة المهرجان، ويشارك في سباق الإبل التراثي 200 متسابق، وفي مسابقة الصقور 1000 متسابق، وفي مسابقة السلوقي العربي 180 متسابقا، وفي مسابقة الخيول العربية الأصيلة 36 متسابقا، وفي مسابقة التمور 600 متسابق، وفي مسابقة السيارات الكلاسيكية 50 متسابقا، وهناك مشاركون في مسابقات أخرى، الأمر الذي يؤشر إلى أن المهرجان يستقبل مشاركين من دول الخليج يتجاوز عددهم الـ20 ألف متسابق، لذا حين نطل من أعلى نرى المدينة مترامية الأطراف.

ويتمتع مشاركو مسابقات المهرجان وكذا جمهوره بحالة من البهجة تتجلى من خلال حركتهم وتنقلاتهم، فالإبل المشاركة في السباقات تزف إلى ميدان السباق بالأغاني والأهازيج الشعبية ومن حولها أصحابها، فيما يشبه زفة العرس، وفي حال الفوز تتحول مدرجات الجمهور إلى مسرح للرقصات التراثية كالعيالة وغيرها، لينتقل الأمر بعد ذلك إلى الطرقات، حيث تتجول السيارات تتقدمها الإبل الفائزة ومكبرات الصوت تشدو بالأغاني الشعبية في مسيرات.

ويحرص المشاركون من مختلف الدول الخليجية على اصطحاب أطفالهم سواء كانوا أحفادا أو أبناء، لنشهد صورة رائعة تتجلى فيها أواصر الترابط بين مختلف الأجيال، الشيوخ والشباب والأطفال، وهو الأمر الذي يؤكد وحدة النسيج الوطني الخليجي، خاصة أنه ما أن يحل الليل حتى تلبى دعوات بعضهم لبعض وتمدّ الموائد وتدور أقداح القهوة، وترقص وتغني فرق العيالة رقصاتها التراثية.

إنه دفء العائلة والأخوة والمحبة يسري، فتتجلى معاني الضيافة والكرم العربيين خاصة في المساء حيث تفتح العزب ـ الخيام أبوابها على مصراعيها لاستقبال الضيوف والمدعوين، لا منغصات هنا ولا انقسامات ولا تحزبات، لكنها جلسات الودّ والتواصل بين أصلاب قبائل وعائلات تمتدّ بطول الخليج العربي، بعضها من بعض تحافظ وتحفظ كل ما من شأنه دعم تماسك وحدتهم، لا عماني ولا قطري ولا سعودي ولا كويتي ولا بحريني ولا إماراتي هنا، الجميع أبناء وطن واحد، في رسالة واضحة من أبناء دول مجلس التعاون الخليجي إلى قادتهم، إننا وحدة واحدة فتوحدوا وكونوا على قلب رجل واحد.

وطن واحد يجمع أبناءه على تراثهم، تراث أبنائهم وأجدادهم، لكل منهم خصوصيته التي يحميها، لكن دون أن يؤثر ذلك في علاقته بشقيقه، هكذا تمضي الحياة في مهرجان الظفرة، الذي يستحق أن يطلق على المنطقة التي يقام فيها "مدينة العرب"، فمن يريد أن يرى التراث العربي إنسانا وعادات وتقاليد ومفردات حياة فليأت إلى هنا.

لقد نجح القائمون على المهرجان في تقديم الروح العربية الأصيلة بلا تكلف أو افتعال أو تصنع، وسط أجواء طبيعية على أرض مفتوحة وتحت سماء مفتوحة أيضا، وهو الأمر الذي يجعل الزائر يتوق إلى تصوير كل مشهد يمرّ أمام عينيه.

16