مهرجان "العنصرة" في المضيق المغربي يحتفي بالتراث الإفريقي

الأربعاء 2014/08/20
المهرجان الدولي العنصرة: إحتفاء بالخصب في المغرب

الرباط- تحتضن مدينة المضيق المغربية على مدى أربعة أيام، انطلاقا من اليوم الأربعاء 20 أغسطس الجاري، فعاليات الدورة الثانية للمهرجان الدولي العنصرة الذي تنظمه “جمعية المهرجان الدولي العنصرة” بمدينة المضيق.

العنصرة، هي احتفالية متأصلة في جذور التاريخ تقام بمجموعة من الممارسات والطقوس الاحتفالية في الساحل الغربي من مناطق شمال المغرب، يشارك فيها كافة سكان المنطقة للتعبير عن ابتهاجهم بنهاية الموسم الفلاحي وانتهاء عملية الحصاد وجمع الغلال.

يشارك في هذا المهرجان عديد المنتمين إلى مجال الموسيقى التراثية، خاصة الفلاحين منهم والبحارة الذين يتقدمون الموكب الغنائي التقليدي الذي يقيمه السكان، والذي يضم الفنون الشعبية التي تتميز بها هذه المنطقة، كـ”العيوع” وغيرها.

لعل الهدف الأساسي من المهرجان حسب نوفل مخناس الرئيس المنتدب للجمعية، يكمن بالأساس في إبراز التراث اللامادي لمنطقة المضيق- الفنيدق، من خلال تقديمه صورة ثقافية وحضارية وجمالية، لها بعد وطني ومتوسطي وأفريقي ودولي، وذلك بآليات وأدوات اشتغال منظمة ومحترفة بغية تسويقه كمنتوج قابل للمساهمة في التنمية السياحية والثقافية.

كما يهدف، حسب نفس المتحدث، إلى مدّ جسور التلاقح والحوار بين الثقافات والحضارات، ونشر قيم التسامح والتعايش والتضامن خصوصا مع الشعوب التي نتقاسم معها طقوسا فنية وثقافية.

ويستقبل مهرجان العنصرة في دورته الحالية تنوعا موسيقيا متميزا يجمع ما بين الموسيقات التقليدية التراثية والموسيقات العصرية للمغرب والعالم. وتتضمن البرمجة الفنية فنانين من تيارات مختلفة، يشتركون في استحضار التراث والحفاظ عليه، ونقل وإبراز مكونات الهوية الثقافية والذاكرة المشتركة بين الجنوب.

فعلى مدى ثلاثة أيام سيعيش جمهور المضيق على إيقاعات موسيقى العالم التي تستمد روحها من موروث ثقافة وهوية بلدها، وستكون الهوية الأفريقية، التي يكون المغرب جزءا منها، محتفى بها على مدى أيام هذه الدورة، حيث سيشارك نخبة من الفنانين الأفارقة في هذا المهرجان، تتقدمهم الموريتانية معلومة بنت الميداح، والفنان المالي الكبير باسيكو كوياتي الذي سيقيم مزجا فنيا بينه وبين الفنان المغربي الأصيل حميد القصري، والفرقة السينغالية فرافينا دربي، وسيدة الغناء الحساني رشيدة طلال.

"العنصرة" احتفالية، يشارك فيها كافة سكان المضيق للتعبير عن ابتهاجهم بنهاية الموسم الفلاحي

وإلى جانب الحضور المكثف للعروض الفنية التراثية، سيستقطب المهرجان عدة نجوم سطعت في سماء الأغنية العربية والمغربية، يتقدمهم الفنان التونسي لطفي بوشناق بقيادة المايسترو نبيل أقبيب، والفنانة المغربية سميرة بنسعيد.

ولم يفوّت المهرجان فرصة فتح المجال على الكفاءات الشبابية الواعدة في مجال الأغنية المغربية والعربية والتراثية، تتقدمهم الفنانة مريم شقرون خريجة برنامج أستوديو دوزيم، والفنان بدر إلياس، والفنان نبيل أشغف، والفنان خليفة منصور، والفنانة الفائزة بجائزة مواهب العنصرة يسرى أحدوثن، والفنانة هاجر، ومجموعة أصوات سجية من المضيق وآخرون.

لن يغيب الجانب التراثي طيلة الليالي الأربع للمهرجان، من خلال البرمجة الفنية لهذا الجانب عبر الاحتفاء بالتراث الجبلي في شتى مظاهره، حيث ستقدم في كل ليلة استعراضات ورقصات بهدف استحضار الموروث الثقافي الشعبي الذي تتميّز به احتفاليات العنصرة، وذلك بمشاركة مكثفة لفرق شعبية في فن العيطة الجبلية وأخرى في تراث المنطقة الشمالية، متمثلة في رقصات الحصادة وركوب البحر والأهازيج الجبلية والبواردية.

وبالموازاة مع كل هذه العروض الفنية سيفتتح المهرجان بموكب العنصرة، والذي سيتم خلاله تقديم لوحات استعراضية لطقوس العنصرة يشارك فيها عدد من جمعيات المجتمع المدني والقروي، الذي يحج عادة للمشاركة في عرض إنتاجات المنطقة، وكذلك حضور الليلة الصوفية حسب عادات وتقاليد رسخت عبر الزمن.

المهرجان لم يفوّت فرصة فتح المجال للكفاءات الشبابية

وفي تصريح للمديرة الفنية للمهرجان، الفنانة المغربية سميرة القادري أكدت على أن إدارة المهرجان “تريد لمهرجان العنصرة طابعا خاصا يختلف عن المهرجانات الأخرى”، لأن فكرة إقامته بالمضيق، تضيف الأستاذة القادري، “مستمدة من الوفاء لتقليد العنصرة عبر العصور في المدينة وعالمها القروي”.

فروح المهرجان “كائنة في كل فضاءات لؤلؤة المتوسط المضيف التي أصبحت وجهة سياحية بالمغرب، احتفاء بروح أفريقيا، والتقريب بين ثقافاتها”، تبيّن نفس المتحدثة.

وترى القادري أن احتفالية العنصرة هي ترسيخ لقيم وتعاليم تربوية واجتماعية وأخلاقية، تبقى أهمها التربية على الصبر والتشبث بالأرض كمصدر للعطاء، واعتبار الماء كمصدر للحياة، وهو ما يفسر حضور الماء بقوة في هذه الاحتفالية من خلال طقس ركوب البحر. أما مصطفى العوزي، الباحث في السوسيولوجيا، وعضو جمعية المهرجان الدولي للعنصرة، فيرى ضرورة التأكيد على أن احتفالية العنصرة بما تزخر بها من طقوس وعادات وتقاليد ومراسيم يشترك فيها الرجال والنساء، أطفالا وكبارا، من أهالي المدينة والقرية،

هي أحد أبرز تجليات التنوع الثقافي كظاهرة إنسانية كونية، فحينما نتأمل هذه الاحتفالية -يضيف العوزي- نلاحظ كيف تلتقي أشكال مختلفة من الممارسات الفنية وأنماط خاصة ومتنوعة من التعبيرات المادية واللامادية على شكل فنون، رقصات، أهازيج، لباس، نتاجات تقليدية وغيرها في قالب فني متجانس يعبر عن هوية جماعية خاصة.

وكسابقة في التراث الفني المغربي الجبلي، سيتم تكريم عدد من رواد وشيوخ العيطة، كما سيقام عمل مشترك تحت قيادة شيخ العيطة الحبيلية عبدالمالك الأندلسي.

16