مهرجان "الغوثيك" يعيد أجواء الرعب إلى مدينة وايتبي البريطانية

كثيرة هي الروايات التي تحكي عن تزاوج بين الجمال والرعب، لكن هذا التزاوج يجسده مجتمع الغوثيك في الواقع، من خلال اللباس والموسيقى ونمط الحياة، فهم جماعة من الناس يريدون أن يكونوا مختلفين عن ثقافة السائد دون أن تزعجهم الانتقادات والازدراء والتهم الاجتماعية التي تقلل من شأنهم، وقد اختاروا مدينة وايتبي البريطانية، التي تعرف بمدينة الرعب لتكون مسرحا للقائهم السنوي، فيأتون إليها من مختلف أنحاء أوروبا يعيشون فيها الصخب وهم يسيرون في الشوارع على خطى دراكولا.
الخميس 2016/09/08
ليست تقليعة بل قناعة

لندن- عندما يجري الحديث عن المجتمعات القبلية في العصر الحديث، تتبادر إلى الأذهان على الفور صورة “الغوثيك”: شباب يحملون أقراطا في مناطق مختلفة من أجسادهم التي تغطيها الوشوم، وجوههم شاحبة، ولا يرتدون سوى لونين فقط من الثياب؛ الأبيض والأسود من قمة رؤوسهم إلى أخمص أقدامهم، لكن الأمر ليس على هذا النحو تماما، فهو يحتاج إلى إعادة نظر. لم يعد الأمر حكرا على الشباب هذه الأيام، كما فقد الأبيض والأسود عرشيهما في ملابس مجتمع الغوثيك، الذي يضم الآن مختلف الأعمار، وثورة من الألوان تتوق إلى الاستعراض أمام الجميع، في جميع أوقات النهار وليس في الليل فقط.

مدينة وايتبي البريطانية على موعد كل عام خلال الفترة بين 4 إلى 6 نوفمبر من كل عام مع مهرجان الغوثيك حيث يستعرض محبو هذا النمط من الحياة أساليبهم في ارتداء الثياب المثيرة والموسيقى والألوان، ويعتبر مهرجان هذا العام، السابع عشر على التوالي في هذه المدينة الواقعة على الساحل الإنكليزي، المرآة العاكسة لشغف الغوثيك بالحياة الغريبة.

أسلوب حياة

يقول مؤسس مهرجان الغوثيك جو هامبشاير عن مدينة وايتبي “إن هذه البلدة هي قلب الحدث” حيث يرتدي عشاق هذا المهرجان العديد من الأزياء التي تعكس ثقافة الرعب القوطي، كما يعتمدون على أدوات تجميل خاصة، يبرز فيها استخدام اللون الأسود والأحمر الفاقع، وينطلقون في مسيرات عبر شوارع البلدة، بينما في المساء يرتادون الملاهي الليلية مع انطلاق الحفلات الصاخبة وتشغيل الموسيقى.

وخلف جمال مدينة وايتبي الطبيعي يقبع تاريخ مليء بالذكريات المخيفة، ذلك لأن روح دراكولا المرعبة ما زالت تجول في المكان خصوصا بعد غروب الشمس، فالكثير من المؤرخين يؤكدون أن المؤلف الشهير بارم ستوكر كان مفتونا وملهما بالمكان بعد بقائه في المنزل في وايتبي عام 1890، هذا المنزل الذي استخدمه ستوكر كثيرا في روايته خصوصا بعد أن شاهد الأسقف الحمراء المحيطة، ولقد عرض في أعماله الأسقف مع بلاطات الضريح، والطيور السوداء المحلقة حول الكنائس، فالقارئ للرواية يشاهد تطابقا كبيرا بين المنزل الذي سكنه ستوكر والمنزل الذي عاشه دراكولا مما جعل الزوار الحاليين يحرصون على زيارة هذا المنزل ليعيشوا جوا من الرعب يناقض طبيعة المدينة الساحرة.

اتصال المدينة بالرعب لم يتوقف عند هذا الحد، فوايتبي معروفة بكونها “العاصمة القوطية لبريطانيا العظمى”، وعلى هذا النحو يتجمهر الآلاف من الزوار المحليين والأجانب في مرفأ المدينة لكي يحتفلوا بالمهرجان. رعب المدينة لن يمنع السائح من الاستمتاع بأرصفة المشاة التاريخية والبهجة الثقافية حول وايتبي، فمنظر البحر وعبق التاريخ كفيلان بضمان رحلة لن تنسى لمدينة توفر للزائر ما يرغب فيه من فن ورعب ورومانسية.

ثقافة مختلفة

ظهرت حركة الغوثيك على خلفية الأجواء التي أنعشت موسيقى البانك- بوب أواخر سبعينات القرن الماضي، وظلت تنتمي إلى ثقافة الـ”أندرغراوند” بمعنى المهمشة أو ثقافة “تحت الأرض”، ولكن لم تقتصر على الموسيقى فحسب بل شملت مظاهر أخرى أدبية ومسرحية وسينمائية، لكن أبرز ملامحها كان “الستيمبانك”، المستوحى بحسب الاسم من اختراع ماكينات البخار في القرن التاسع عشر، وكانت أبرز تجلياته في سينما الفنتازيا والخيال العلمي وعروض الفيديوكليب التي تدور في نفس الأجواء الغرائبية.

تقول جاكي جونز، مالكة متجر لبيع المصنوعات الجلدية وإكسسوارات الغوثيك، “نحب أن ينظر إلينا الناس باعتبارنا الغوثيك والبانكيز الأصليين. نحن نريد أن نتميز عن غيرنا، نودّ القيام بأمور مختلفة، دون قواعد، ولمختلف الأعمار”.

بالرغم من ذلك، هناك العديد من الغوثيك المتشددين الذين يزعجهم اتساع شعبية ثقافتهم المهمشة، ويرون في هذا نذيرا على اندثارها، لهذا يزدادون انغلاقا على أنفسهم ويغرقون في عالم أكثر غموضا. لهذا تأتي جماعات “ستورمتروبرز″ و”ستيمبانك”، يرتدون أزياءهم المميزة؛ قرصان بعين واحدة يحمل ببغاء على كتفه، أو راقصات باليه غريبة الانطباع.

إمبراطور من الخيال

لكن ميسي مورو من كندا تؤكد أن الكثير من جمهور الحاضرين القادمين من مختلف الأماكن، يسعون فقط إلى التقاط صورة تذكارية لتأكيد مشاركتهم في الحدث، فيما تعتبر أن هذا الحدث فرصة حقيقية لها ولرفيقتها جودي بورتر لكي تعيش الحياة التي تفضلها طوال ساعات اليوم خلال عطلة نهاية الأسبوع “هكذا تبدو هيئتنا طيلة الوقت”.

وتمتلك مورو متجرا لبيع ملابس وإكسسوارات الغوثيك في تورنتو، في أول مشاركة لها في فعاليات مهرجانات البانك والغوثيك قبل 22 عاما شعرت أنها عثرت أخيرا على العالم الذي تنتمي إليه، لكن بكل أسف، يذوب الغوثيك التقليديون حاليا، وسط جموع الغوثيك الجدد، الذين يطلق عليهم “زوار عطلة نهاية الأسبوع″، وهي تسمية لها دلالة غير إيجابية وسط هذا المجتمع القبلي في عاداته رغم انتمائه لحضارة القرن الواحد والعشرين.

بالرغم من هذه الانتقادات والصراعات الداخلية بين القديم والحديث في هذا العالم، تبقي حماسة الوافدين الجدد على جذوة هذه الثقافة المهمشة مشتعلة، فقد جلبوا فعاليات ومظاهر جديدة، كما ساعدوا على اندماج أجيال أكبر سنا من المعتاد في هذه النوعية من الثقافات، وبالتالي بدأت عائلات بالكامل تمارس هذه الطقوس بلا خجل، وبهذا وسعوا مفهوم هذه الحركة من منطلق طبيعتها الأصيلة لتكون أسلوبا لحياة بديلة.

مايكل يونغ، أحد عشاق فعاليات وايتبي، اعتاد المشاركة في المهرجان مرتديا زي “بليد”، أحد الأبطال الخارقين في عالم مارفيل، الذي يطارد مصاصي الدماء ويقتلهم، وهي الشخصية التي جسدها النجم الأسمر ويسلي سنايبس “لأنني أسمر، ظننت أنني لن يكون بمقدوري الانتماء إلى عالم الغوثيك، فقررت ارتداء ثياب تتعلق بتاريخ وايتبي. الكونت دراكولا كان مصاص دماء، وبالمثل بليد”، حسب قوله. جدير بالذكر أن المهرجان الذي يقام على الساحل الشرقي لمدينة يوركشاير، أصبح يحتفل به مرتين سنويا كل عام الآن.

عشاق الغوثيك

تعرف لين باريت وزوجها تيم على أنهما من عشاق الغوثيك خلال عطلة نهاية الأسبوع، ومن ثمّ فهما لا ينتميان إلى تيارات الغوثيك المتطرفة، والذين يتشاركون في هموم وجودية رومانسية مثل جماعة جوثيك ما بعد نهاية العالم؛ الغوثيك الحضريين والغوثيك الافتراضيين والغوثيك التكنو.

تقول لين “من اللطيف أن نرى وجهة نظر الآخر، وسطنا يمكنك مشاهدة مختلف الأعمار من أطفال وحتى شيوخ في سن الثمانين، حفيدتي في الثامنة ترافقنا إلى وايتبي منذ أن كانت في الثالثة أو الرابعة من عمرها”.

مصاص دماء أم قس

أما براين وبرسيلا فيأتيان للمهرجان خلال عطلة نهاية الأسبوع بصحبة كلبهما “تروقنا حفاوة ودفء المهرجان، المشهد بالكامل رائع، الناس يجتهدون بالفعل في إخراج العروض بهذا الشكل. نحن جوثيك موسميون، ولكن لدينا أصدقاء يعتنقون هذا التيار باعتباره أسلوب حياة، ويرتدون أزياء إكسسوارات الغوثيك طول الوقت وفي جميع المناسبات”.

لكن جونز تؤكد أنه يجب أن تتغلب على خجلها والدفاع عن ثقافة الغوثيك الحقيقية “تحت الأرض”، محذرة أن أكثر من 80 بالمئة من رواد المهرجان يأتون لقضاء وقت لطيف خلال عطلة نهاية الأسبوع. لكن أجواء الغوثيك قد تمتد لواقع الحياة، هناك مديرون لشركات كبرى يرتدون الأسود، ويعشقون السترات الجلدية أو السلاسل المعدنية، ربما يكونون جوثيك متطرفين أو من الموسميين ولكنهم يستعرضون ثقافة تيارهم في أجواء العمل بجرأة.

مارك أندري، يحب ارتداء زي الشخصية الرئيسية في سلسلة أفلام قراصنة الكاريبي القرصان “جاك سبارو”، حيث يرسم عينيه بكحل ثقيل ويتحلى بالكثير من القلادات والسلاسل المعدنية، فضلا عن ثياب الشخصية، وهو ما يترك انطباعا عن الغوثيك بأنهم مجانين، مهووسون بالجوانب الغامضة من الحياة، أو أصحاب الأفكار السوداوية عن نهاية العالم، وجمال الليل الحالك والكائنات الميتة والطيور الكئيبة مثل البوم والغربان.

عن توجهه لهذا التيار يقول أندري “لا أعتقد أن أحدا يولد جوثيك؛ كلما نضج الإنسان كلما اتخذ قرارات تؤثر على أسلوب حياته. البعض لا يحبون لفت الأنظار، لكن أشخاصا أمثالي يحبون الظهور والاستعراض، أحب تكرار ذلك كل يوم”.

الصحبة والجو العام اللطيف الذي يلف الناس في وايتبي، يظهر ثقافة مهمشة، لا تسعى فقط نحو الانغلاق على نفسها، بل تطلع إلى العالم الخارجي أكثر، لتصبح أكثر ودا وجذبا من المظهر العدائي والمنفر الذي اتسمت به في بدايتها إلى درجة أنها أصبحت مظهر فخر لمن ينتمون إليها. تقول جونز “إنها ثقافة تسعى إلى جذب ودمج كل من يشعرون بأنهم مختلفون أو يسعون إلى أن يكونوا على طبيعتهم وتحقيق ذاتهم”.

20