مهرجان الفيلم العربي بفاماك الفرنسية: السينما في خدمة الثقافة

جاءت فكرة تنظيم مهرجان الفيلم العربي بفاماك، حينما بادر شابان من منطقة فاماك العمالية الفرنسية التي تضم عددا كبيرا من العمال المغاربيين، والواقعة بوادي فينش القريب من مدينة “ميتز” الجميلة، والمتاخمة بدورها للوكسمبورغ والحدود الألمانية، بإطلاق دورة للتعريف بالثقافة العربية بين عامي 1989 و1990، والاهتمام بالسينما بشكل خاص، فأثمرت الفكرة، وكانت أول دورة عام 1990 بالمجمع الاجتماعي في المدينة، وبدعم من فيدرالية الأعمال اللائكية ومركز “جون موريت” بفاماك.
الثلاثاء 2016/11/01
رجال من طين" المغربي يتوج بجائزة لجنة التحكيم الشابة"

كانت الدورة الأخيرة من مهرجان الفيلم العربي بفاماك الفرنسية فرصة لالتقاء المئات من الشخصيات الثقافية والسينمائية المنحدرة من بلدان المغرب العربي، والبلدان العربية الأخرى، للتواصل عبر السينما مع سكان المنطقة لمناقشة بعض الهموم، الخاصة والعامة، المشتركة بغية توطيد أواصر التثاقف وإدامتها لتعويد عشرة آلاف شخص على الاستفادة من خدمات المهرجان.

وتضم منطقة فاماك المتاخمة للوكسمبورغ الفرنسية والحدود الألمانية، عدة مجموعات إثنية تتجاوز 15 ألف شخص، جاؤوا من المغرب وتونس والجزائر للعمل بمصانع الفولاذ بمنطقة اللورين، إلاّ أن الاقتصاد والعمل ساهما في اغتصاب البعد الثقافي في حياة أولئك السكان الوافدين، فجاءت فكرة المهرجان لتعزز ذلك الإرث، وهذا ما جعلها تتحول إلى بؤرة إشعاع ثقافي بشرق فرنسا بعد أن تمكن الشباب بفضل السينما من التعرف على جذورهم، واستعادتها وتطويرها.

وعرض المهرجان خلال دورته الـ27 أكثر من أربعين فيلما روائيا طويلا وقصيرا ووثائقيا، من بينها العروض الأولى لبعض الأفلام، وذلك بهدف تشجيع بعض التجارب السينمائية الناشئة، فقد عرفت البرمجة قرابة مئة وعشرة عروض فيلمية لعدد من الدول العربية منها المغرب ومصر وتونس والجزائر وموريتانيا وسوريا وفلسطين ولبنان والعراق وغيرها، فضلا عن برنامج خاص تحت عنوان “انفتاح على العالم” يتضمن بعض الإنتاجات المنفتحة على الثقافة العالمية كالسينما الإيرانية أو الأفغانية.

ينتصر المهرجان لعرض التجارب السينمائية العربية الجديدة والمُجَدِّدَة، ورفدها ببعض العروض الفنية، والمعارض، والصناعات التقليدية، وفن الطبخ، والفلكلور، والكتاب، لتحقيق رؤية متكاملة حول الثقافة، وإرساء فكرة التكامل بين مختلف أنواع الإبداع خاصة وأن السينما كفن حديث وحداثي تستطيع الجمع بين كل هذا، وتقديمه وفق تصور أصيل يجعل من الصورة السينمائية، باعتبارها أكثر استعمالا بين الشباب، وسيلة ناجعة لترويج الثقافة.

واحتفت دورة هذا العام بالسينما المغربية؛ إذ حرص المنظمون على حضور عدة وجوه للمشاركة في الندوات ولجان التحكيم وتقديم الأفلام سواء تلك التي كانت مبرمجة ضمن المسابقات أو العروض الموازية، مما أعطى صورة عامة عن واقع الممارسة السينمائية بالمغرب، وتقريبهم من مواضيعها ومشاكلها ضمن حراك ثقافي مدعوم من قبل الدولة باستثناء بعض المبادرات التي تجد لها أفقا آخر بالخارج، وخاصة بفرنسا.

المهرجان ينتصر لعرض التجارب السينمائية العربية الجديدة والمُجَدِّدَة، ورفدها ببعض العروض الفنية، والمعارض، والصناعات التقليدية، وفن الطبخ، والفلكلور، والكتاب، لتحقيق رؤية متكاملة حول الثقافة

ناقشت الموائد المستديرة للمهرجان عدة قضايا تتعلق ببعض المواضيع التي تتناولها الأفلام، والتي تشغل الرأي العام العربي والدولي كالحرية واستقلالية الصحافة، إضافة إلى لقاءات المهنيين التي جمعت بين متدخلين معنيين بالتعاون المغاربي الفرنسي في قطاع السينما، كما هو الحال بالنسبة إلى المائدة التي شارك فيها المغاربة مراد بوسيف ومحمد العيادي وعبدالرزاق الزيتوني والفرنسية بريجيت أكنين والمخرج الجزائري كريم طرايدية.

وعرف المهرجان لقاء مفتوحا مع الكاتب الفرنكو مغربي الطاهر بنجلون، الحائز على جائزة الكونكور سنة 1987 عن روايته “ليلة القدر”، وعضو لجنة تحكيمها؛ إذ تحدث عن السينما التي اعتبرها “مرآة للمجتمع، لأنها تقدم معلومات عن تطوره”، كما خاض في قضايا الهجرة والسياسة والتطرف والإرهاب أيضا والدين الذي بات يفسره في كتبه الأخيرة بطريقة قد نختلف أو نتفق معه حولها، مما جعل اللقاء يتميز بنوع من النقاش الذي لم يسلم من الجدل.

ومنحت لجان التحكيم الخمس جوائزها لعدة أفلام عربية، فحصل فيلم “اشتباك” للمخرج المصري محمد دياب على جائزة لجنة التحكيم التي ترأسها الكاتب المغربي الطاهر بنجلون، وحاز فيلم “ثلاثة آلاف ليلة” للمخرجة الفلسطينية مي المصري على جائزة الصحافة التي ترأسها الناقد السينمائي الفرنسي باسكال بينيتروي.

وحصل فيلم “رجال من طين” للمخرج المغربي مراد بوسيف على جائزة لجنة التحكيم الشابة المتكونة من عدة تلاميذ بثانوية “سنت إيكسوبيري” بفاماك، ونال جائزة الفيلم الوثائقي “ضد القوى” للمخرج الجزائري مالك بن إسماعيل، كما حصل فيلم “في راسي رونمبوان” (في رأسي دوّار) للمخرج الجزائري حسن فرحاني على تنويه خاص من لدن؛ لجنة التحكيم التي ترأسها المخرج الفرنسي ألان كريتيان.

ونال فيلم “حديقة التجريب” للمخرجة الجزائرية الفرنسية دانيا رايمون جائزة لجنة تحكيم الفيلم القصير، وعادت جائزة الجمهور لفيلم “حظ سعيد للجزائر” للمخرج فريد بن التومي.

وتفاعل الجمهور بشكل إيجابي مع الأفلام والضيوف وحفلات توقيع كتب أو الدروس حول سينما بعض المخرجين المغاربيين كسينما هشام العسري التي نشطها المخرج والممثل علي الصميلي، وهي فرص حقيقية للانفتاح على رؤى صناع السينما الجدد وربطها بما أنجزته الأجيال السابقة، وبالتالي، مناقشة ما هو كائن بناء على ما تحقق، واستشراف القادم الذي قد يتخلص من كافة أشكال الارتهان إلى الرقابة الداخلية أو التبعية الخارجية.

16