مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عربي بلا أفلام عربية

رغم الاجتهاد الواضح من إدارة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي لتقديم دورة مميزة تعوض سنوات الأداء الباهت للمهرجان في الفترة التي تلت ثورة 25 يناير 2011، إلاّ أن غياب بعض التفاصيل الصغيرة مع حدّة المزاج العام في مصر، بسبب الظروف السياسية غير المواتية، دفعا الكثيرين إلى الوقوف طويلا أمام سلبيات الدورة الـ37 للمهرجان التي تختتم اليوم الجمعة.
الجمعة 2015/11/20
نيللي كريم تحصل على جائزة فخرية خلال حفل افتتاح المهرجان

عرفت الدورة الـ37 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي التي تنتهي فعالياتها اليوم الجمعة، بعض السلبيات رغم اجتهاد إدارة المهرجان في تعويض ما فات غداة ثورة 25 يناير 2011، من ارتجال في البرمجة وأداء باهت كما ونوعا.

أولى السلبيات التي تم رصدها هي قلة عدد الأفلام العربية، ففي حين يشهد مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عرض أكثر من 100 فيلم تمثل 64 دولة، هناك 15 فيلما عربيا من 11 دولة، ربما بسبب الظروف الراهنة التي قلصت الإنتاج السينمائي العربي بوجه عام، فضلا عن تفضيل عدد من صانعي الأفلام لمهرجانات أخرى مثل قرطاج ودبي طمعا في المقابل المادي وقيمة الجوائز التي تفوق ما يقدمه مهرجان القاهرة.

هذا الأمر أرجعه الناقد أحمد عاطف في تصريحات خاصة لـ”العرب” إلى أن الأفلام العربية المهمة اتجهت إلى مهرجان قرطاج مثل فيلم “يا طير الطاير” من إخراج هاني أبوأسعد وبطولة المطرب الفلسطيني محمد عساف، وفيلم “دعهم يعوضون” من إخراج سالم الإبراهيمي، ويتناول فيه ظاهرة الإرهاب في فترة التسعينات بالجزائر، وفيلم “قبل الصيف ما يهل” للمخرج محمد خان.

نقد ونقد مضاد

أشار الناقد أحمد عاطف إلى أن هناك 7 أفلام مصرية فقط ضمن المهرجان، بين تسجيلية وروائية وقصيرة، منها فيلمان فقط في المسابقة الرسمية، وثمانية أفلام من دول عربية، بينها فيلم واحد في المسابقة الرسمية، لذلك فإن الأفلام العربية شبه غائبة، وبالتالي فإن القضايا العربية لم تكن ممثلة بالقدر الكافي، لافتا إلى أن فيلم “على حلة عيني” الذي عرض في مهرجان فينيسيا لم يقدم في مهرجان القاهرة.

بشكل عام تضمنت مجموعة الأفلام المشاركة، سواء في المسابقة الرسمية أو غيرها عددا كبيرا من الأعمال السينمائية الأوروبية، مع غياب لسينما أميركا اللاتينية وأفريقيا، وهو ما دفع البعض إلى القول إن ماجدة واصف رئيسة المهرجان طبقت عليه نفس المعايير التي اتبعتها خلال فترة رئاستها لمهرجان الأقصر للسينما الأوروبية، بل إن معظم الأفلام التي تعرض غلبت عليها اللغة الفرنسية فقط، لارتباط واصف الذي لا تخفيه بمهرجان كان بعدما قضت 30 عاما من عمرها في باريس، فضلا عن أن اللغة الفرنسية هي السائدة في تعاملاتها الشخصية.

الإدارة الحالية تجني سمعة سيئة التصقت بمهرجان القاهرة على مدار السنوات العشر الماضية

في المقابل، قال عصام زكريا مسؤول لجنة المشاهدة إن المهرجان لا يصنع الأفلام، كما أن معظم الأفلام العربية المهمة التي أنتجت في 2015 توجهت نحو مهرجانات مثل برلين وكان وفينيسيا، ولا سيما أن معظم صناع السينما يتسابقون نحو المهرجان الذي يجدون فيه مقابلا ماديا أو جوائز مغرية، ولا ننكر أن الإنتاج العربي عموما يعاني من مشاكل، لذلك فإن إدارة المهرجان اختارت الأفلام في حدود ما وصلها من المشاركات. وأكد زكريا أنه تم استحداث مسابقة تسمى “آفاق عربية” لا تعرض فيها إلا أفلام عربية، من ثمّ فما يقال إن المهرجان قد تم تفريغه من المحتوى العربي غير صحيح، لافتا إلى أنه عندما يتمّ الاهتمام بالأفلام العربية في دورة ما سيهاجمه النقاد بدعوى تحوّل المهرجان من دولي إلى إقليمي، وعند الاهتمام بالأفلام العالمية يقال إن المهرجان لا يكترث بالقضايا العربية، لذلك أرى أن من ينقد دون مشاهدة أفلام المهرجان صاحب مصلحة شخصية في ما يقوله.

قصة ومناظر

ربما يتذكر كثيرون أفلام مهرجان القاهرة السينمائي بجملة للنجم عادل إمام في أحد أفلامه، حينما ذهب مع أصدقاء له لمشاهدة فيلم معروض في المهرجان فسأل قبل دخوله النجم محمد هنيدي “الفيلم المعروض قصة ولّا مناظر” في تعبير عن مساحة الحرية التي تتمتع بها الأفلام المعروضة في المهرجان، بخصوص المشاهد الجريئة بعيدا عن مقص الرقابة الحاد في مصر.

في هذا العام عرض المهرجان عددا من هذه الأفلام التي تصنف ضمن خانة أفلام “المناظر” والتي تضمنت مشاهد جنس وعري صريحة، وإن كان أغلبها لا جدوى من وجودها في سياق الأحداث باستثناء فيلم واحد هو “الشمس الساطعة” الذي يرصد الصراع الدائر بين كرواتيا وصربيا خلال ثلاثة عقود منذ بداية الكارثة في التسعينات من القرن الماضي.

وبعد معاينة الأفلام المشاركة من قبل جهاز الرقابة على المصنفات الفنية تقرر اختيار 12 فيلما تكون مشاهدتها مقتصرة على النقاد والصحفيين فقط، لتضمنها جرعة مشاهد جنسية أعلى منها: “العاشق اللاتيني”، “مادونا”، “بروكلين”، “الغرباء” وغيرها، الأمر الذي أثار ضجة كبيرة في وسائل الإعلام ودافعت عنه إدارة المهرجان بأن جميع مثيلاتها في العالم تعرض مثل هذه الأفلام دون حذف، لأن هذا من القواعد الأساسية في المهرجانات.

"أنا نجوم بنت العاشرة ومطلقة" يعرض ضمن آفاق السينما العربية

وأوضح عصام زكريا أنه في كل عام يصادف وجود مشاهد من هذه النوعية في فيلم أو أكثر، وهي في الأصل أفلام مهرجانات لا تتدخل الرقابة على المصنفات فيها، وأكد أن هناك معايير تتحكم في عرض الأفلام، منها ارتباط صناع الفيلم بمهرجانات أخرى أو المقابل المادي الذي يطلبه صانع الفيلم، إلاّ أنه أكد وجود لجنة مشاهدة تتفحص الأفلام المشاركة قبل اختيارها، ويكتب كل عضو في اللجنة تقريرا عن كل فيلم ويمنحه درجة ما، وبالتالي يتمّ الاستقرار على الفيلم الذي تمّ الإجماع عليه ومراسلة صانعيه لعرضه في المهرجان.

وأشار زكريا إلى أن الإدارة الحالية تجني سمعة سيئة التصقت بمهرجان القاهرة على مدار السنوات العشر الماضية، وهذا يعود إلى المتغيرات التي تمرّ بها المنطقة العربية ومصر على وجه الخصوص، والتي جعلت معظم صناع السينما يتعاملون مع مهرجان القاهرة بنوع من التعالي، لكن عندما يمكن استعادة ثقتهم وسمعة المهرجان سيعودون لعرض أفلامهم دون شروط.

واعترف زكريا بأن ظهور مهرجانات في دول المنطقة مثل دبي والدوحة ومسقط، قد أثر بالفعل على مهرجان القاهرة باستقطاب الأفلام العربية الجيدة، مشيرا إلى أن أي مهرجان هو عبارة عن تمويل وملتقى للموزعين وصناع الأفلام، كما أن المهرجان لا بد أن يساهم في التوزيع المحلي للفيلم لجذب الصناع، وهو أمر غير متاح في مهرجان القاهرة على مدار تاريخه.

وشهدت قاعات دار الأوبرا المصرية التي تعرض أفلام المهرجان ضعفا ملفتا في الإقبال الجماهيري، والأمر ذاته مع مندوبي الصحافة العربية والعالمية الذين أعرب عدد منهم عن الاستياء من تقليل مدة استضافتهم إلى 4 أيام فقط بعكس ما كان في الماضي، عندما كانوا يستمرون حتى نهاية المهرجان.

كذلك امتدّ سوء التنظيم إلى الندوات التي تقام للأفلام، حيث خصص أغلبها لقسم “مهرجان المهرجانات”، وهو خارج المسابقة الرسمية التي لم تنظم أي ندوة لأفلامها سوى الفيلم المصري “الليلة الكبيرة”، والفيلم المجري “طفلة الأربعاء”. وحتى الندوات الخاصة بـ”مهرجان المهرجانات” تم إلغاء بعضها، بسبب عدم حضور أيّ أحد من طاقم العمل في الفيلم المعروض.

وفي خصوص الندوات العامة فقد أقيمت اثنتان منها فقط، الأولى خاصة بصناعة السينما ولم يحضرها إلاّ أفراد لم يتعدّ عددهم العشرة، جراء عدم الإعلان المسبق عن إقامتها، والأخرى عن ترميم الأفلام، وحلقة بحث حول المخرج صلاح أبوسيف والمخرج كامل التلمساني.

الصراع الدرامي و"الحواديت" داخل فيلم "ليلة كبيرة" أقل من مستوى الطموحات، حيث لم تكن الحكايات كلها ذات صلة وثيقة بالمولد

حضور عربي خجول

عرضت مسابقة “آفاق السينما العربية” 7 أفلام عربية، هي الفيلم اليمني “أنا نجوم بنت العاشرة ومطلقة”، للمخرجة خديجة السلامي، ويتناول قضية زواج القاصرات، وهو مقتبس من قصة حقيقية للفتاة اليمنية نجوم، وحصل الفيلم على جائزة أفضل فيلم روائي في الدورة الـ11 لمهرجان دبي السينمائي الدولي.

وعرض أيضا الفيلم الفلسطيني “حب وسرقة وأشياء أخرى” للمخرج مؤيد عليان، ويدور حول شاب من مخيم فلسطيني يعمل في بناء المستوطنات الإسرائيلية، ويسعى إلى الهروب من واقعه بسرقة سيارة للحصول على مبلغ يتيح له السفر إلى الخارج، لكن العثور على جندي إسرائيلي مخطوف في صندوق السيارة يدخله في دوامة جديدة وتعقيدات أكبر.

وشاركت البحرين للمرة الأولى بفيلم “الشجرة النائمة” للمخرج محمد راشد بوعلي، وهو العرض الثاني للفيلم بعد مشاركته في الدورة السابقة لمهرجان دبي السينمائي، وتتناول قصة الفيلم حكاية عائلة بحرينية على وشك الانهيار، بسبب ابنتها المريضة، إلاّ أن حياة العائلة تتغيّر بعد زيارة شجرة الحياة الأسطورية التي تمنح كل أفرادها السعادة.

أما المغرب فشارك بفيلم للمخرجة تالا حديد “إطار الليل”، الذي عرض بمهرجاني لندن ودبي، وحصل على الجائزة الكبرى من المهرجان الوطني للفيلم بمدينة طنجة المغربية.

7 أفلام مصرية فقط ضمن المهرجان

وشارك العراق بفيلم للمخرج قاسم حول، بعنوان “بغداد خارج بغداد”، ويتعرض لغربة المثقف من خلال أحداث حقيقية أو متخيلة عاشها مثقفو العراق في حقب تاريخية قبل وبعد تأسيس الدولة العراقية.

وتشارك سوريا على هامش المهرجان بفيلم “بانتظار الخريف” للمخرج جود سعيد، من بطولة سلاف فواخرجي، ويروي الفيلم حكاية فريق كرة طائرة نسائي، تبحث لاعباته عن الحياة، والفرح، والنصر في قلب الموت.

وفي برنامج عروض خاصة عرض الفيلم الإماراتي “سماني ملالا” وهو من إنتاج مشترك مع أميركا ومن إخراج الأميركي ديفيز جوجنهايم، ويتناول قصة الطالبة الباكستانية ملالا يوسفزاي، التي اشتهرت كناشطة تدعو إلى تعليم الفتيات في بلدها.

أما عن فيلم “الليلة الكبيرة” المصري المشارك في المسابقة الرسمية، فلم يكن أفضل حالا من بقية أفلام منتجه أحمد السبكي، رغم الاستقبال الكبير الذي هيّئ لأبطال العمل قبل عرضه، والزحام والتدافع الكبير من الحضور الذي أدى إلى كسر إحدى بوابات المسرح الكبير بالأوبرا، جاء الفيلم باهتا لا يحمل رؤية واضحة، بل اعتمد فقط على وجود فنانين كثر كعادة مؤلفه أحمد عبدالله صاحب فيلمي “الفرح” و”كباريه”، الذي يعتبر هذا العمل مكملا لثلاثية التعاون بينه وبين المخرج سامح عبدالعزيز، الأمر الذي دفع أعدادا من الجماهير للانصراف عن مشاهدته، بسبب ما أصابهم من ملل طوال مدة عرض الفيلم.

الناقد خالد عيسى في تحليله للفيلم قال لـ”العرب” إن الصراع الدرامي و”الحواديت” داخل الفيلم أقل من مستوى الطموحات، حيث لم تكن الحكايات كلها ذات صلة وثيقة بالمولد، ورغم ذلك فإن المخرج سامح عبدالعزيز لم يعتمد على الإخراج الملحمي والحركة الدرامية السريعة بين محاور فيلمه فقط، بقدر ما ركز على رسالة واضحة تعكس الصراع الحالي الذي يواجهه المجتمع المصري منذ سنوات ليست بالقليلة.

بشكل عام يمكن القول إن الأفلام في دورة المهرجان للعام الحالي لم تسيطر عليها الهوية الأوروبية فقط، ولكن جاء أغلبها متواضعا لا يرقى إلى مستوى المشاركة في المسابقة الرسمية للمهرجان، سواء من حيث القصص المقدمة أو التصوير والإخراج باستثناء الفيلم الدنماركي “فيوسي” للمخرج داغور كاري.

وفيلم “فيوسي” حاز على إعجاب الجميع لعدة أسباب في مقدمتها أن مصر حاضرة في عقل البطل الذي يتحدث دوما عن انبهاره بالمعركة التي دارت في منطقة العلمين بين الألمان والبريطانيين خلال الحرب العالمية الثانية، هذا بالإضافة إلى تحقيق حلم البطل في نهاية الأحداث بزيارة مصر.

ومع ذلك أكد خالد عيسى أن الدورة لم تخل من الإيجابيات، أبرزها وجود مجموعة من الأفلام المهمة والمؤثرة ذات مستوى فني رفيع، سواء في المسابقة الدولية أو قسم مهرجان المهرجانات، وخص بالإشادة أفلام قسم “سينما الغد” الذي يتناول تجارب شابة من كل أنحاء العالم ومن مصر والعالم العربي، وأيضا قسمي “عروض خاصة” و”أسبوع النقاد”.

عمر الشريف في كتاب

أصدر مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الحالية كتاب “وجوه عمر الشريف” الذي ألفه الكاتب المصري محمود قاسم وقدم فيه بانوراما شخصية وفنية للشريف منذ الطفولة، حيث كان الملك فاروق يحل ضيفا على الأسرة وصولا إلى دخوله عالم التمثيل وزواجه من النجمة الراحلة فاتن حمامة، ثم عمله خارج مصر وكيف ينظر إلى نجوم التمثيل وفي مقدمتهم مارلون براندو وجيمس دين.

والشريف الذي توفي في يوليو الماضي -بعد إصابته بمرض الزهايمر في الفترة الأخيرة- غادر مصر نجما في بداية الستينات وعاد إليها نجما في منتصف الثمانينات، وحظي بتقدير في أغلب العواصم السينمائية في العالم وخصوصا في الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا، حيث بقي محتفظا بجاذبيته كنموذج لرجل الشرق الوسيم المحاط بالشهرة والنساء والأضواء.

16