مهرجان القاهرة السينمائي الدولي يستعرض "الموت الرحيم" في فيلمين

تظل مسألة الموت الرحيم معقدة في أبعادها الاجتماعية والإنسانية والدينية والفلسفية والنفسية، وكل فيلم يعرضها من زاويته، ويترك لمشاهده حرية التأمل والتفكير، وليس هناك فن مثل السينما يستطيع أن يختبر البشر وأفكارهم في تلك المواقف الصعبة، حيث الحد الفاصل البسيط بين حب الحياة، أو اختيار الموت. ضمن هذا الإطار عرض مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته السابعة والثلاثين المنتهية مؤخرا، فيلمين من الدنمارك يناقشان فكرة الموت الرحيم، لأولئك المرضى الميئوس من شفائهم. جاء الأول تحت عنوان "قلب صامت" من إخراج بيل أوغست والثاني بعنوان "بين ذراعيك" لسامانو أشيشي ساهلستروم.
الثلاثاء 2015/11/24
"بين ذراعيك" ممرضة تشجع مريضها على الانتحار

قدم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ37، فيلمين من الدنمارك يطرحان فكرة الموت الرحيم، الفيلم الأول وعنوانه “قلب صامت” هو الأفضل والأهم في كل وجوهه، فمخرجه هو بيل أوغست صاحب الأفلام الهامة مثل “بيلي المنتصر” و”أفضل النوايا”، والسيناريو يجعل فكرة الموت فرصة لاكتشاف أفراد أسرة صغيرة لأشياء خفيت عنهم طويلا، وعن الآخرين، كما أن أوغست يقود فريقا من الممثلين الممتازين، وقد فازت الممثلة بابريكا شين بجائزة أحسن ممثلة عن دور هايدي في هذا الفيلم، وذلك في مهرجان سان سباستيان.

أما الفيلم الدنماركي الثاني الذي يناقش فكرة الموت الرحيم فهو بعنوان “بين ذراعيك”، وهو العمل الروائي الطويل الأول لمخرجه سامانو أشيشي ساهلستروم، وقد عرض فيلمه لأول مرة في مهرجان غوتنبرغ، وفاز بجائزتي “أفضل فيلم من شمال أوروبا”، وبجائزة النقاد الدولية “الفيبريسي”، ولكن العمل المميز بأداء بطله الرئيس، يعاني من مشكلة واضحة في السيناريو، وهي عدم وضوح الشخصية النسائية، التي تلعب دورا هاما وأساسيا في إنجاز فكرة الموت الرحيم لبطل الفيلم.

أسرار عائلية

في فيلم “قلب صامت”، والتعبير يمكن فهمه أيضا بمعنى السكتة القلبية الناجمة عن منع وصول الأكسيجين إثر تناول حبوب الانتحار، يقدم السيناريو أبطاله وأسرارهم وسبب لقائهم معا بصورة قوية ومؤثرة، ففي كل مشهد نكتشف جديدا، وتُنقل إلينا من خلال براعة الممثلين مشاعر معقدة ومركّبة تدعو إلى التأمل. لا تزيد القصة عن دعوة الأم إيستر وزوجها بول، لابنتيها ولحفيدها، ولرجلين مرتبطين بالابنتين، ولصديقة عمرها، الدعوة تستهدف وداع إيستر التي قررت، بموافقة كل هؤلاء، أن تنتحر في بيت الأسرة يوم الأحد، بعد أن أصيبت بشلل في ذراعها الأيسر، نتيجة مرض ميئوس من شفائه، يؤدي في مضاعفاته إلى ضمور العضلات، وعدم القدرة على البلع، وشلل في كل الأطراف. نحن إذن أمام عملية انتحار رحيم تتم بمباركة أفراد العائلة التي تجتمع في منزل كبير، وسط طبيعة صامتة، تشهد على نهاية الأم.

ماريا توافق، في فيلم (بين ذراعيك)، على مرافقة نيلز في رحلة اختار فيها الموت، بعد أن فقد كل قدراته الجسدية

ومع ذلك يبني السيناريو أحداثه، ويكشف عن أسراره شيئا فشيئا، وكأنه يرسم لوحة لشخصيات متنوعة، تتغير تصرفاتها بتغير ألوان المشاعر الإنسانية، ورغم كثرة الشخصيات إلاّ أنها قدمت بتفاصيل لا تنسى: الزوجة إيستر التي تبدو كسيدة رقيقة للغاية، تعشق أسرتها، ولكنها تعاني من خذلان الجسد، ورغم قوتها الظاهرة، إلاّ أنها تخاف الموت كلما اقتربت من ساعة الانتحار.

الزوج بول طبيب يوافق على قرار إيستر لمعرفته بأن حالتها ستتدهور سريعا، ولكنه يترك أمامها فرصة التراجع، والابنة الكبرى هايدي التي وافقت على قرار أمها، ولكنها تصارع في داخلها الرغبة في الاحتفاظ بالأم، والابنة الصغرى ساني، التي تبدو غير مستعدة على الإطلاق لكي تفقد أمها.

ساني مضطربة ومكتئبة وتعتمد على أمها في أدق شؤون حياتها، وعشيقها دينيس لا يمكن الاعتماد عليه، فهو يتعاطى الحشيش، ويبدو كطفل كبير، يحتاج إلى من يرعاه، أما مايكل زوج هايدي فهو يؤمن بحق والدة زوجته في اختيار الموت، ولا يعلن عن رأيه الخاص، وكأنه يشاهد حدثا يتعلق بأشخاص لا يعرفهم، ويتفهم الحفيد المراهق يوناثان قرار جدته، وينشغل بالتواصل مع عالم افتراضي إليكتروني، بينما تودع إليزابيث صديقة إيستر صديقتها بتأثر شديد، وكأنها ستفتقد جزءا من نفسها. وفي المقابل لا تظل الأمور ثابتة أو راكدة، فالمفارقة التي يلعب عليها بيل أوغست في أداء ممثليه هي ارتداء أقنعة الاحتفال، بينما يخيم على المكان شبح الموت.

إيستر نفسها تمتلئ بالحنان والطيبة، وهي تصر على أن يكون الاحتفال أقرب إلى عشاء عيد الميلاد الذي لن تحضره إذا انتحرت، بل إنها تقرر تدخين الحشيش، ومعها كل أفراد الأسرة، فتنحل عقدة الصمت، ويغني الجميع ويعزفون، وتبقى ساني وحدها رافضة للقرار، بل إنها تقول لعشيقها، إنها ستبلغ الإسعاف إذا تناولت أمها الحبوب القاتلة، وفي أحد أجمل مشاهد الفيلم، تحتضن إيستر ابنتها الباكية ساني مثل طفل صغير، ولكن الأم لا تتراجع أبدا عن القرار.

هناك المزيد من الأسرار: هايدي تشاهد والدها وهو يقبّل إليزابيث، فتشك في أنه غير عادل في موافقته على قرار زوجته إيستر، هنا فقط تتراجع هايدي عن دعم قرار انتحار الأم، في حين بدأت ساني في الرضوخ، ويبقى سر أخير قد يغيّر المواقف، عندما تقول إيستر إنها صاحبة فكرة تقارب زوجها مع أعز صديقاتها، حتى لا يعيش وحيدا بعد رحيلها.

ينتهي فيلم “قلب صامت” بمغادرة الضيوف للمنزل، لقد وافقوا تماما على قرار إيستر التي تتناول الحبوب من يد زوجها بول، ويبقى هو وحيدا خارج البيت.

"قلب صامت" انتحار رحيم لأم وسط مباركة العائلة

ينحاز الفيلم بالطبع إلى فكرة الموت الرحيم، ولكن القضية أعمق من ذلك بكثير، إنه عن جدلية الموت والحياة التي تحدّد مصيرنا، عن العائلة وأفرادها، وعن العواطف الإنسانية المتقلبة، وعن الإنسان الكائن المعقد والمركّب، وعن حرية الإنسان في أن يواجه ظروفه الخاصة، ورغم أن الكاميرا لا تخرج من البيت إلاّ في مشاهد قليلة، إلاّ أننا لا نشعر بأيّ لحظة ملل واحدة. ترتفع درجة التأثير بقوة أداء الممثلين جميعا، مع التوظيف الجيّد للموسيقى في لحظات محددة، وبطريقة مكثفة ومدروسة، بل إننا نظل حتى الدقائق الأخيرة في حالة من الشك حول تنفيذ قرار الأم الغريب.

ومثل بطاقة بريدية، تظل في ذاكرتنا صورة صامتة لأشجار دون أوراق، وكأنها حياتنا التي يعريها الموت، مثلما يعرّي النفوس، والقلوب الصامتة.

ملاك القتل

فيلم “بين ذراعيك” أتى أكثر خفة من فيلم “قلب صامت”، إذ أنه يحوّل ممرضة شابة من ملاك للرحمة، إلى ملاك يساعد شابا مريضا في التخلص من حياته، ولأن الدنمارك لا توجد بها مراكز للموت الرحيم، فإن الفيلم يصور رحلة تقوم بها الممرضة، لمرافقة الشاب إلى سويسرا، التي تسمح بمثل هذه المراكز.

الممرضة اسمها ماريا، جميلة وشابة في سن الخامسة والثلاثين، جاءت من بلدها السويد لتعمل في كوبنهاغن، وهي تعتني بمريض ميئوس تماما من شفائه يدعى نيلز.

الشاب يبدو غريب الأطوار، يعيش طوال الوقت مع صوت الموسيقى الصاخب، ثم يحاول الانتحار داخل حجرته في المستشفى، ولكن ماريا تنجح في إنقاذه.

مرض الشاب ميئوس منه، إنه جليس على مقعد متحرك، فقد حتى قدرته الجنسية، ومن الواضح أنه يعاني أيضا من الاكتئاب. تعرف ماريا من خلال أم نيلز وعن طريق شقيقه أنه يريد أن يسافر إلى سويسرا، حيث حصل على موافقة أحد مراكز الموت الرحيم على استقباله، لقد قرر أن يتخلص من حياته نهائيا، وبمساعدة آخرين، بعد أن فشل هو في تحقيق ذلك.

الأم والأخ يرفضان الفكرة، ولكن ماريا توافق على أن ترافق نيلز في رحلة اختار فيها الموت، بعد أن فقد تقريبا كل قدراته الجسدية، وتحوّل إلى بقايا إنسان.

تقود الرحلة الغريبة الثنائي نيلز وماريا إلى التوقف في مدينة هامبورغ في طريقهما إلى سويسرا. في المدينة الألمانية التي عاش فيها نيلز خمس سنوات عندما كان جسمه سليما، حيث كان يعمل في مجال إصلاح السيارات القديمة، ستكتشف ماريا أن نيلز له طفل صغير من صديقته الألمانية، وأن أم الطفل ترفض أن يعرف الابن الصغير والده الذي يقترب من الموت، ورغم فظاظة نيلز الواضحة، وميوله العدوانية ضدّ ماريا، وكأنه ينتقم منها جرّاء ما فعله معه المرض، إلاّ أن ماريا تتعاطف بشدّة مع نيلز، وتتيح له فرصة رؤية ابنه للمرة الأخيرة.

المفاجأة الأكبر هي انحياز ماريا إلى جانب نيلز في فكرته بالتخلص من حياته، بينما كنا نظن أنها وافقت على مرافقته، لكي تجعله يتراجع عن فكرته، وهو الأمر الأقرب إلى منطق الشخصية.

فيلم (قلب صامت) ينتهي بمغادرة الضيوف للمنزل، لقد وافقوا تماما على قرار إيستر التي تتناول الحبوب من يد زوجها بول، ويبقى هو وحيدا خارج البيت

في سويسرا، يدخل نيلز مركز الموت الرحيم، الأشخاص يتصرفون داخله ببساطة وكأنهم يستقبلون مريضا في مستشفى. من الواضح أن ماريا (الخارجة توّا من حياة عاطفية فاشلة) قد أحبت نيلز، الذي مازال مصمّما على الموت.

في مشهد طويل وهامّ، تجلس ماريا وهي تراقب نيلز الذي يشرب أولا سائلا يمنع مقاومة الجسم للدواء القاتل، ثم يشرب الدواء الذي سيجعله نائما، وبعد لحظات، ينسحب الأوكسيجين من الجسم، فيموت نيلز، كل ذلك يحدث على خلفية الموسيقى التي أحضرها نيلز معه.

في النهاية تظهر ماريا وهي تلقي بنفسها في الماء، فلا نستطيع أن نجزم بأنها تحاول الانتحار، أو أن ما فعلته هو محاولة رمزية للعودة إلى دوامة الحياة بعد أن تغيّرت، وبعد أن أصبحت قادرة على الفعل.

الحقيقة أن مشكلة سيناريو الفيلم هي أنه بينما تبدو شخصية نيلز المكتئب والعاجز واليائس والعدواني واضحة وقوية، فإن شخصية الممرضة ماريا غامضة وضبابية، وغير مفهومة التصرفات، إذ من الصعب أن تتحول ممرضة أنقذت مريضها من الانتحار، إلى مرافقة تحضر جلسة موته الرحيم، والتي يحرص القائمون على المركز على تصويرها صوتا وصورة.

لم تكن هناك أيضا مقدمات لتعلّق ماريا العاطفي بالمريض نيلز الذي يتعمد أن يكون شرسا وقاسيا معها، ولم نفهم بالضبط هل مشكلة ماريا في الوحدة، أم في الهجرة، أم في فشلها في حياتها الخاصة، أم في عجزها عن الفعل، في مقابل قدرة نيلز على الفعل، رغم عجزه البدني؟

وحتى لو استنتجنا بكثير من الجهد شيئا ما عن ماريا، فإن ذلك لا يكفي لتتحول من تشجيع نيلز على الصمود (بسبب ما قد يكتشف مستقبلا من أدوية لعلاج حالته) إلى مباركة ومشاركة في اختياره للموت.

ومع ذلك يمتلك الفيلم بعض العناصر الفنية المتفوقة حقا، مثل أداء ممثله الرئيس بيتر بلوغبرغ في دور نيلز الصعب والمؤثر، إنه شخصية عاجزة جسديا، ومعقدة نفسيا في نفس الوقت، كما أن ليزا كارلهد كانت رائعة في مشهد جلسة الموت الرحيم، ولكنها ظلت حائرة عموما بسبب الطريقة المشوشة التي رسمت بها الشخصية، كانت لها مشاهد جيدة، ولكنها لم تستطع أن تمنح الشخصية شكلا مفهوما ومتناسقا.

من العناصر المميزة أيضا التصوير، فقد اختار المخرج اللقطات القريبة جدا والتي تكشف عن أدق التعبيرات في وجوه منهكة ومتعبة، وقد غلب اللون الرمادي والأبيض على معظم المشاهد، بينما لجأ المخرج إلى اللون الأحمر في لحظات محاولة نيلز استعادة الحياة في شوارع هامبورغ الخلفية.

16