مهرجان القاهرة السينمائي الـ36 نجح جماهيريا وفشل تنظيميا

الجمعة 2014/11/21
الحضور الجماهيري المكثف كان نقطة قوة المهرجان هذا العام

القاهرة - لا شك أنها دورة مختلفة، هكذا يجزم الجميع بشكل إيجابي في نهاية فعاليات الدورة السادسة والثلاثين لمهرجان القاهرة، حيث تردّد في فضاء الأوبرا أن وزير الثقافة المصري، قام بتجديد التعاقد مع سمير فريد كرئيس للدورة القادمة بعد النجاح غير المتوقع الذي حققته هذه الدورة، ولكن ماذا يقصد بالنجاح غير المتوقع؟

المقصود ليس النجاح الباهر، وثمة بالفعل نجاح كبير في تحقيق الكثير من أهداف أي مهرجان في العالم، وهو عرض أفلام جيدة في توقيت مضبوط وشاشات صالحة، مع إقبال جماهيري يعكس اهتماما حقيقيا بالسينما، واستمتاعا كاملا بألوانها الدرامية المختلفة التي بذلت مجموعة المهرجان جهدا لا بأس به في محاولة ضمها خلال برامج الدورة المتعددة.

أما المقصود بالنجاح غير المتوقع، فهو تحديدا إنجاز هذه الأهداف في ظل كمّ هائل من العراقيل والمعوقات، بدءا من السمعة الدولية السيئة على المستوى السياسي والأمني التي تشعر أيّ أجنبي قادم من الخارج، بأن مصر بلد تعاني من حرب أهلية.

والسمعة المهرجانية المتواضعة التي تسببت فيها تخبطات وسياسات الإدارات السابقة التي نفذت دورات كاملة لسنوات طويلة، مع محاربة كل إدارة مختلفة، أو مغايرة حاولت أن تقدّم فكرها الخاص، أو نموذجها المخالف للنموذج المصري العتيق، الذي أثبت فشله لسنوات طويلة وأضرّ بقيمة المهرجان، كأحد أقدم المهرجانات السينمائية في المنطقة العربية.

هذا النجاح غير المتوقع جعل من رئيس المهرجان سمير فريد في مؤتمر صحفي يعلن بفخر، أنه تمكن من بيع 4200 تذكرة خلال أسبوع المهرجان، وهو عدد ضخم لم يتمّ تحقيقه من قبل، ويعكس إقبالا كبيرا لو تذكرنا أن هذه التذاكر متاحة للجمهور فقط، إلى جانب كمّ هائل من الدعوات المجانية.

بالإضافة إلى حضور الصحفيين والنقاد والضيوف وطلبة السينما ببطاقات تسمح لهم بمتابعة كل الفعاليات سواء منها المشروطة بتذاكر أو التي تسمح بالبطاقات فقط.

ندوة (كيف تصبح ناقدا، ولماذا؟) على أهميتها لم تتم تغطيتها من قبل المركز الصحفي لا بالكلمة ولا بالصورة

هذا الإعلان يقابله في الجهة الأخرى موقف مضاد يتمثل في أن هذه التذاكر مثلت عبئا ماليا على ميزانية محبي السينما وجمهور المهرجان، لأن سعر التذكرة العادية هو عشرين جنيها يسمح بتخفيضها إلى عشرة جنيهات في حال إبراز بطاقة الطلبة.

وهذا معناه أن متوسط المشاهدة اليومية التي تبدأ من العاشرة صباحا وحتى العاشرة مساء -موعدي أول عرض وآخر عرض-، هو خمسة أفلام، بما يعادل 100 جنيه في اليوم وما يقرب من 1000 جنيه في أيام المهرجان العشرة، فهل هذا معقول في ظل محاولة اجتذاب أكبر عدد من المتفرجين والمتابعين!

وماذا يعني توزيع بطاقات الدعوة المجانية بهذا الشكل العشوائي، الذي جعل من عروض الأفلام المصرية جحيما لا يطاق بالنسبة للجميع دون استثناء، بمن فيهم ضيوف المهرجان الأجانب الذي من المفترض أن لهم الأولوية والأفضلية المطلقة في أي عرض، كما في كل مهرجانات العالم.

يعني أن إدارة المهرجان لم تضع في حسبانها أن الإقبال سوف يكون بهذا الشكل، فأفرطت في الدعوات دون تحديدها بعدد معين للمقاعد في كل عرض.

إدارة المهرجان بذلت جهدا كبيرا في دعوة كبير من الضيوف الدوليين

بمعنى أن يكتب على الدعوة اسم الفيلم أو حتى البرنامج المسموح للدعوة بمتابعته فقط، ولهذا وجدنا جمهورا كبيرا يشتري بطاقات لأفلام مثل “ذيب” و”باب الوداع″ و”ديكور”، ولا يتمكن من الدخول لأن أصحاب الدعوات والبطاقات احتلوا كل المقاعد، ومعهم كل الحق بالطبع.

ولكن الجمهور الذي وقف لساعتين على شباك التذاكر له أيضا حق في المطالبة بأن يكون له مقعد بعد أن دفع ثمن التذكرة!

النجاح غير المتوقع والمتمثل في الإقبال الكبير الذي كان مشكوكا في حدوثه، هو ما جعل إدارة المهرجان تساهم في ظاهرة الاضطراب والازدحام، وأيضا رجال الأمن الذين تعددت اشتباكاتهم مع الضيوف خاصة الأجانب في غياب وجود أفراد من إدارة المهرجان على باب كل مكان للعرض وفي كل الحفلات.

لا شك أن إدارة المهرجان بذلت جهدا كبيرا في دعوة عدد لا بأس به من الضيوف الدوليين، خاصة من لديه علاقة مباشرة بالأفلام المعروضة أو فعاليات الندوات وحلقات البحث.

ولكن في مقابل هذا بدا المركز الصحفي للمهرجان في شغل عن الترويج لوجود كل هؤلاء، كل حسب مكانته وسبب دعوته والفعالية المشارك فيها ويكفي أن نضرب مثالا لذلك، بتواجد أرملة المخرج الراحل الكبير ثيو انجيلوبولوس التي تمت دعوتها لحضور ثلاثة من أهم أفلامه، ضمن فعاليات برنامج “تكريم السينما الوطنية” الذي احتفل بمرور 100 عام على السينما اليونانية.

في المقابل لا نجد أيّ خبر يخص حضور السيدة الكريمة عروض البرنامج اليوناني ووجودها بشكل يومي عقب عرض أفلام زوجها، وحديثها مع الجمهور القليل عن كواليس الأفلام وكيفية تعاطي المخرج الكبير مع أفكاره ورؤاه قبل وأثناء وبعد التصوير، فيما يعدّ درسا مجانيا في السينما لم تستفد منه سوى مجموعة متواضعة من الجمهور.

النجاح غير المتوقع والمتمثل في الإقبال الكبير الذي كان مشكوكا في حدوثه، هو ما جعل إدارة المهرجان تساهم في ظاهرة الاضطراب والازدحام

الحقيقة لا نجد أي تنويه أو بيان صحفي أو متابعة جادة من المركز الصحفي، عن فعاليات البرنامج الموازية التي لا تقل أهمية عن عروض الأفلام.

ويكفي أن واحدة من أكثر الندوات المتخصصة التي أقيمت خلال الفعاليات، وهي ندوة جمعية نقاد السينما التي أقيمت ضمن فعاليات أسبوع النقاد الدولي -أحد أنجح برامج المهرجان في العروض والتنظيم والمطبوعات- وهي ندوة “كيف تصبح ناقدا، ولماذا؟”، استطاعت أن تستقطب عددا غير متوقع من المهتمين والراغبين في التعرف على عوالم النقد الواسعة، هذه الندوة لم تتمّ تغطيتها من قبل المركز الصحفي لا بالكلمة ولا بالصورة.

أسئلة كثيرة نرجو أن تلتفت إليها إدارة المهرجان خلال الدورة القادمة، على الأقل التي نأمل أن تستغل كل نجاح الدورة الحالية، وأن تعالج كل هفواتها وسلبياتها ومشاكلها التي كان غيابها كفيلا بزيادة حجم النجاح وتحقيق إقبال أوسع وأرقى.


إقرأ أيضا:



الفيلم الإيراني"ميلبورن" يفوز بالهرم الذهبي للقاهرة السينمائي

16