مهرجان "الواحة" السينمائي البلجيكي يفتح ملفات الهم العربي الراهن

أعلن منظمو مهرجان “الواحة” السينمائي في بلجيكا عن قائمة أفلام دورته الثانية، والتي ستبدأ فعالياتها من 17 إلى 21 من أكتوبر الجاري في ثلاث مدن بلجيكية هي بروكسل وأنتويرب وتورنهاوت، وكشف القائمون على المهرجان أن دورة هذا العام ستضم عددا من الأفلام السينمائية العربية والأجنبية التي تعالج الكثير من الأزمات العربية الراهنة.
السبت 2017/10/07
"صائد الأشباح" آلام لا تزال حية

بروكسل- تدور ثيمة مهرجان “الواحة” السينمائي في بلجيكا هذا العام حول الانهيارات السياسية والثقافية التي يعاني منها عالمنا العربي اليوم، ومن ثم تسلط الدورة الثانية للمهرجان المزيد من الضوء على عدد من الأفلام التي تناقش النزاعات المسلحة، والعلاقات السياسية والثقافية الراهنة بين بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من جهة وأوروبا من جهة أخرى.

وقال علي نزير علي مدير مؤسسة “أومنس” المنظمة للمهرجان “من بين أبرز الأزمات التي تتناولها أفلام المهرجان هذا العام، الأوضاع الحالية في سوريا ومصر والجزائر وفلسطين وتونس”، ومن هذه الأفلام يعرض المهرجان الفيلم التونسي “على كف عفريت”، من إنتاج 2017 وإخراج الفرنسية التونسية كوثر بنت هنية، والفيلم الجزائري “تيمجاد”، من إنتاج فرنسا 2016 وإخراج فابريس بنشوشة، والفيلم المصري السويدي “حادثة هيلتون النيل” للمخرج المصري طارق صالح، والفيلم الفلسطيني “صائد الأشباح” للمخرج الفلسطيني رائد أندوني، والفيلم الإسرائيلي الفلسطيني “بر بحر” للمخرجة الفلسطينية ميسلون حمود، والفيلم الجزائري “البحث عن الجنة” للمخرج مرزاق علواش من إنتاج 2016، وأخيرا يعرض المهرجان فيلم “إنسيرياتيد” للمخرج البلجيكي فيليب فان ليو.

وأكد نزير علي أن اختيار الأفلام المشاركة هذا العام “جاء نتيجة العمل لأشهر طويلة من الانتقاء والاختيار بين أحدث الأفلام العربية والأجنبية، المرتبطة براهن الأحداث في عالمنا العربي”، وأضاف “نقدّم هذا العام برنامجا متعدد التخصصات في فنون السينما، مع حرصنا على تقديم صورة واضحة عن الواقع الذي نشهده في العديد من مناطق العالم التي تعاني من صراعات مسلحة كما في فيلم “إنسيرياتيد” للمخرج البلجيكي فيليب فان ليو، والذي يسرد مأساة أسرة سورية محاصرة في دمشق، كما نعرض فيلم “بر بحر” للمخرجة الفلسطينية ميسلون حمود، والذي تسرد علينا من خلاله قصة ثلاث فتيات يتشاركن سكن إحدى الشقق بقلب القدس، لتظهر التباينات بينهن في ما يتعلق بمسائل مثل الحرية الشخصية والالتزام بالتقاليد والعادات المتوارثة في عالمنا العربي، وغيرها من الأفلام ذات الإنتاج المشترك والتي تستعرض أمامنا الأوضاع الراهنة في مصر وتونس والجزائر”.

"حادثة هيلتون النيل" قصة حقيقية على الشاشة الفضية

وجدير بالذكر أن مهرجان الواحة السينمائي يمنح فيلما واحدا من الأفلام المشاركة جائزة الجمهور، والتي تأتي نتيجة استفتاء بين رواد المهرجان على أفضل فيلم، كما سيقام على هامش المهرجان احتفالية خاصة بأصناف الطعام العربي، ليتمكّن روّاد المهرجان من الاطلاع على فنون المطبخ من سوريا إلى شمال أفريقيا ومن المحيط إلى الخليج.

يدور فيلم “إنسيريتد” الذي تقوم ببطولته الممثلة الفلسطينية هيام عباس، وأخرجه البلجيكي فيليب فان ليو، حول أسرة سورية تسجن في بيتها بإحدى ضواحي دمشق، بسبب أعمال العنف والحرب الدائرة هناك بين الجيش السوري والجماعات المسلحة، والفيلم هو التجربة الروائية الطويلة الثانية للمخرج البلجيكي فيليب فان ليو، ويظهر المخرج عبر فيلمه الجديد المأساة التي تعاني منها عائلتان سوريتان تسجنان في بيتهما بسبب الحرب.

ويدخلنا فيليب فان ليو إلى الحرب السورية من خلال أزمة هاتين العائلتين، وعلى الرغم من أن الفيلم صوّر بالكامل داخل أحد بيوت لبنان، إلاّ أن أحداثه المشوقة تجعلنا نحيط بالتراجيديا السورية الراهنة في مجملها، دون أن ننسى معاناة المحاصرين في الداخل السوري.

والفيلم من إنتاج بلجيكي لبناني فرنسي مشترك، وعرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي الدولي، الذي أقيم في شهر فبراير الماضي، وحصل على جائزة الجمهور من المهرجان.

وتجسّد هيام عباس في الفيلم، الذي لا تتجاوز أحداثه 24 ساعة فقط، شخصية “أم يزن” التي تقرر النجاة بأسرتها من هذه الحرب المجنونة، على الرغم من انتشار القناصة في الخارج، وسقوط القنابل المستمر في محيط البيت، والفيلم من إنتاج 2017 وتصل مدته إلى 85 دقيقة.

ويفتتح المهرجان أعماله بعرض فيلم “على كف عفريت” للمخرجة التونسية الفرنسية كوثر بن هنية، والفيلم من إنتاج تونس 2017، وعلى مدى 100 دقيقة من أحداثه، يدخلنا صنّاعه إلى حياة الشابة “مريم” ذات الواحد والعشرين ربيعا، والتي تسهر في حفل جماعي مع أصدقائها، وخلال وجودها على شاطئ البحر مع شاب تعرفت عليه في الحفل، يهاجمهما رجال أمن تابعين للشرطة ويقومون باغتصاب الفتاة، وتحاول مريم بعد ذلك أن تثبت حالتها طبيا والتقدم ببلاغ عما حدث لها إلى رجال الشرطة، ولكنهم يرفضون تصديقها ويتهمونها في شرفها، وحين ترفض اتهاماتهم يبدأون في إثنائها بشتى الطرق عن استكمال شكايتها لما قد تسببه من ضرر للشرطة التونسية.

ويستمد الفيلم أحداثه من قصة واقعية تعرضها المخرجة التونسية الفرنسية الواعدة من خلال تسعة أجزاء، كل جزء هو لقطة مستمرة، تنتهي بمفاجأة تغيّر مجرى أحداث الفيلم إلى منحى غير متوقع.

الجزائر في فيلمين

“تيمجاد” هو فيلم من إنتاج فرنسا سنة 2016، للمخرج الفرنسي ذي الأصل الجزائري فابريس بنشوشة، وخلال أحداثه التي لا تزيد عن 101 دقيقة، نتعرف على عالم الآثار “جميل” الذي يسافر إلى الجزائر للتنقيب في المدينة الرومانية القديمة المسماة “تيمجاد”.

وفي أحد أيام إقامته بالمدينة يقرر جميل أن يصبح مدربا لفريق “يوفنتوس” وهو ناد محلي لكرة القدم بالمدينة، وفي فترة تدريبه للفريق يعتمد جميل على 11 طفلا بعمر 12 عاما، فنرى الأطفال يلعبون الكرة بحماس شديد، إلاّ أنهم في حالة رثة، لا يملكون قمصانا أو حتى أحذية للعب، لكنهم مليئون بالطاقة ومفعمون بالموهبة، ليتبين لاحقا أن أفضل لاعب في الفريق هو فتاة صغيرة تنكرت في صورة ولد لتمارس هوايتها المفضلة وهي لعب الكرة.

وبين الأنقاض العتيقة لآثار مدينة تيمجاد الجزائرية يكتشف جميل منعطفات وتقلبات غريبة في تاريخ بلده الجزائر، فيلم بسيط عن المساواة بين الجنسين والتسامح الديني، إلاّ أنه مضحك ويتحوّل في كثير من مشاهده إلى كوميديا سوداء.

ومن الجزائر أيضا يحضر في المهرجان الفيلم الجريء “البحث عن الجنة” وفيه يعود المخرج الجزائري مرزاق علواش إلى موضوعه القديم، ألا وهو معالجة قضية التطرف الديني التي ابتليت بها بلاده منذ ما يقرب من أربعة عقود، وصبغت عقد التسعينات من القرن الماضي بالدماء.

“لكل رجل في الجنة نبيذ خرافي لا ينتهي و72 عذراء!”، من هذا المنطق الذي يشيعه شيوخ الإسلام المتطرفون، ينطلق علواش في البحث عن إجابة للسؤال “أين الجنة، وكيف الوصول إليها؟”.

هو أيضا أحد التصوّرات المذهلة للحياة ما بعد الموت، حسب ما جاء على لسان أحد الشيوخ السلفيين عبر شريط مصوّر على موقع يوتيوب، وتقوم الصحافية “نجمة” بتحقيق مصوّر حول تصوّرات شرائح مختلفة من الجزائريين عن الحياة الأخرى، والتي تؤثر بشكل كبير على حياتهم اليومية.

ويمزج الفيلم بين الوثائقي والخيالي، من خلال المقابلات ذات المحتوى الحقيقي التي تجريها الصحافية المحايدة نجمة داخل الفيلم، كما يطرح علواش العشرات من الأسئلة من خلال الحوارات الحيّة التي تجريها نجمة مع شرائح مختلفة من المجتمع الجزائري.

والفيلم من إنتاج الجزائر 2016، وتصل مدته إلى 136 دقيقة، وقد عرض مؤخرا بقسم “بانوراما” بمهرجان برلين السينمائي، وجدير بالذكر أن هذا الفيلم هو التسجيلي الأول للمخرج الجزائري مرزاق علواش، منذ بدايته القوية مع فيلمه الأول “حومة باب الواد” (1994).

"صائد الأشباح" و"بر بحر"

حصد الفيلم التسجيلي “صائد الأشباح” للمخرج الفلسطيني رائد أنضوني، والذي عرض مؤخرا ضمن قسم البانوراما التسجيلية في مهرجان برلين السينمائي الدولي الـ67، على جائزة أفضل فيلم تسجيلي بالمهرجان.

"إنسيرياتيد" أحداث تدور في 24 ساعة

وبعد مشاهدة الفيلم ينتاب المتفرج عدة أسئلة من أهمها، على سبيل المثال، هل هؤلاء الممثلون الذين يظهرون في الفيلم ممثلون يؤدون الأدوار المسنودة إليهم أم هم معتقلون حقيقيون يعيدون ما جرى معهم في السجون الإسرائيلية بعد اعتقالهم؟

خاصة سجن “المسكوبية” بالقدس، وسنندهش حين نعرف أنهم جميعا ممثلون وهواة، لكن سبق لهم خوض تجربة السجن في السجون الإسرائيلية، وشاركوا في الفيلم تلبية لإعلان نشره مخرج الفيلم رائد أنضوني في الصحافة الإسرائيلية، يبحث فيه عن سجناء سابقين، خاصة وأنه نفسه عانى من ويلات التعذيب في هذه السجون بعد اعتقاله، وبالتالي فالفيلم وثائقي يحاكي ذكريات اعتقال هؤلاء في السجون الإسرائيلية، من خلال إعادة بناء جدران زنزاناتهم لتمثيل ما تعرّضوا له داخلها.

ويكشف الفيلم عن آلامهم التي لا تزال حية بداخلهم، وتشوّهات نفسية يحاولون هزيمتها بإعادة معايشتها والحديث عنها، لنطالع الكثير من مشاهد الانهيار والدموع والألم في رحلة بناء السجن، وهو ما تطلب وجود طبيب نفسي مع الممثلين خلال التصوير، كما قال أنضوني في أحد حواراته الصحافية الأخيرة، وواقعية الأحداث وطريقة صناعة العمل الفني، التي مزجت بين الفيلم التسجيلي والفيلم الروائي، تجعل منه فيلما ذا قالب جديد، والفيلم من إنتاج فلسطين 2017 وتصل مدته إلى 94 دقيقة.

ومن فلسطين أيضا يعرض المهرجان فيلم “بر بحر”، وهو الأول للمخرجة الفلسطينية الشابة ميسلون حمود، وفيه تسرد حمود قصة ثلاث شابات فلسطينيات من مدن مختلفة، يتقاسمن المنزل ذاته خلال دراستهنّ وعملهنّ في تل أبيب، رغم تباين طريقة تفكيرهنّ وأسلوب حياتهنّ، سلمى (سناء جمالية) وليلى (منى حوا) فتاتان متمردتان على قيم الأسرة والمجتمع، أما نور (شادن قنبورة) فهي فتاة متدينة وملتزمة بتعاليم دينها.

ويدافع الفيلم عن حق المرأة الفلسطينية بالحرية والكرامة والحق في تقرير مصيرها، عبر طرح تناقضات أساليب العيش بين الشابات الثلاث، حيث تسهر ليلى وسلمى حتى مطلع الفجر، مقابل إقدام نور على الصلاة وعدم الاختلاط.

وعبر هذا الإطار الدرامي الشيّق تعرض المخرجة الفلسطينية ميسلون حمود صورة عن واقع جيل الألفية الثالثة من الشباب الفلسطيني، بمشاهد جريئة دون رتوش. كما يستعرض الفيلم تناقضات الأسر الفلسطينية المحافظة وصراع الأجيال، في قالب درامي مع الكثير من الكوميديا. الفيلم من إنتاج إسرائيل 2016 وتصل مدته إلى 96 دقيقة.

ومن مصر يأتي فيلم “حادثة هيلتون النيل” من إنتاج السويد 2017، وعبر مدته التي لا تتجاوز 111 دقيقة، يعرض علينا مخرجه المصري السويدي طارق صالح جريمة قتل حقيقية، من خلال الضابط نورالدين الذي يعمل في مدينة القاهرة، ويتقاضى رشاوى من النشالين والمحلات الصغيرة والبسطاء، وفي أثناء نوبته الليلية أوكلت إليه مهمة التحري في جريمة قتل، بعدما عثر على جثة الضحية في فندق “هيلتون النيل”.

وفي اللحظة الأولى يبدو مشهد الجريمة على أنه جريمة شرف، ليتبيّن لاحقا تورط متنفذّين مقرّبين لقيادات سيادية وفقا للدلائل، فيبدأ في التلاعب بالجريمة لإخراج المجرمين الحقيقيين منها.

موضوع الفيلم المصري يقترب بشدة من موضوع الفيلم التونسي “على كف عفريت”، وقد نال “حادثة هيلتون النيل” الجائزة الكبرى من مهرجان “ساندانس” الدولي العام الماضي، والذي يعتبر أكبر مهرجانات السينما المستقلة في الولايات المتحدة الأميركية.

15