مهرجان بيروت للأفلام الفنية الوثائقية يعتني بالتراث

انتظم مهرجان بيروت للأفلام الفنية الوثائقية هذه السنة في العاصمة اللبنانية بيروت في نسخته الثالثة التي حملت عنوان "الحرية". وكانت مسؤولة المعارض اللبنانية أليس مغبغب قد أنشأت هذا المهرجان الطموح في 2014 بهدف مواكبة عمل عدد من اللبنانيين واللبنانيات من باحثين ومخرجين ومنظمات غير حكومية وفنانين وعلماء آثار وأيضا للمساهمة في زيادة وعي الشباب وتوجيههم نحو التراث أينما كانوا في لبنان.
الخميس 2017/11/23
السينما فضاء الفنون وحماية الإرث الإنساني

أطلقت أليس مغبغب للسنة الثالثة “مهرجان بيروت للأفلام الفنية الوثائقية”، من 6 إلى 25 نوفمبر مع توجهات جديدة تنم عن رغبة مؤسسة ومديرة المهرجان في نشر جوّ ثقافي تفاعلي عبر مجموعة كبيرة من الأفلام المُختارة تخاطب الجيل القديم والمخضرم والحاضر على السواء.

وهدف هذا المهرجان أيضا كما في السنوات السابقة إلى ملاقاة الجمهور الفتي في أكثر من 60 مدرسة لبنانية خاصة ورسمية وفي جامعات متعددة عبر سلسلة عروض من أفلام مُنتقاة من صلب المهرجان سيتم عرضها مجانا داخل صالات تلك المؤسسات التربوية الخاصة والمجهزة لاستقبال عرض الأفلام.

وتزامنا مع المهرجان أطلق منظموه وبدعم من رعاتهم مسابقة أفضل لافتة، شارك فيها طلّاب السنة الثالثة في الإعلان والفنون التشكيلية في بيروت.

توجهات دورة 2017

يهدف المهرجان هذه السنة إلى التركيز على عنصرين محوريين، فهو من ناحية يتناول مظاهر من الثقافة العالمية المؤثرة في ثقافة كافة الدول الأجنبية منها والعربية، ومن ناحية أخرى يريد أن يقدم للجمهور سردا بصريا فنيا ووثائقيا عن مناطق ومواقع عربية ولبنانية تستحق أن يسلط عليها الضوء.

المهرجان ركز على مظاهر من الثقافة العالمية المؤثرة وقدم سردا بصريا فنيا ووثائقيا عن مناطق عربية ولبنانية

حول هذا التوجه تقول السيدة مغبغب “أكثر ما يهمني من مهرجان هذه السنة هو أن نثير اهتمام الجمهور بالتراث، لأن التراث مهما تحول الزمن وتغيرت المعايير يبقى هو القاسم المشترك بيننا جميعا ووحده المعول عليه بناء مجتمع مدني متماسك يزيح النزاعات الفردية التافهة لصالح الوطن. فالوطن لا يزال في وعي العديد منا مجرد فكرة لم تتبلور بعد كليا أو أمنية لم تتحقق بعد”.

وتُضيف السيدة مغبغب أنها اختارت بالتشاور مع لجنة المهرجان مجموعة أفلام ذات طابع وثائقي مشغول بالهاجس الفني وجمالية التحقيق على السواء.

تؤكد السيدة مغبغب ضرورة عرض هكذا أفلام “لأننا في مرحلة تاريخية بلغت خلالها عمليّة التدمير الشامل الذي لحق بالتراث في المنطقة مرحلة خطرة”.

الشعار الذي تبناه المهرجان في دورته هذه السنة قد يبدو للوهلة الأولى خاليا من قيمة حقيقية لكثرة ما استخدم في السنوات العشرين الأخيرة وهو “الحرية”، غير أن الحرية التي قصد بها القيمون على هذا المهرجان أشير إليها بأنها “حرّية الإدلاء بالشهادة، حرّية الاستعلام، حرّية الابتكار وحريّة العيش!”.

إنها الحرية التي تشرعن من ناحية، حق الجميع في المعرفة والثقافة والابتكار، ومن ناحية أخرى تقر بحق منظمي المهرجان في حرية تسليط الضوء على المخاطر المحدقة بالتراث ومسؤولية لفت النظر إليها وإلى ما يمكن تسميته بـ”مناطق الضوء”، علّها لا تنطفئ.

من الأفلام المعروضة التي تتعلق بالتراث العربي بشكل عام نذكر “في عيون الفراعنة” وفيلم “سوريا، حصون التراث الأخيرة”، وفيلم عن كوكب الشرق أم كلثوم.

أما الأفلام الوثائقية التي تتعلق بتراث لبنان فنذكر فيلم “جعيتا”، وفيلم “صيدون، عاصمة الشرق”، وفيلم اعتبرته مديرة المهرجان لفتة تقدير للمخرج اللبناني ومعد الأفلام الوثائقية هادي ذكاك الذي ألقى الضوء بحساسية وبراعة كبيرة على الرابط الذي يجمع اللبنانيين بتاريخهم، بقدر ما يستعرض نظرة سينمائيّيهم إلى الحروب اللبنانية، أو حتى نظرة المفكّرين إلى التغيّرات التي مرّ بها لبنان بشكل عام وبيروت العاصمة بشكل خاص.

الأفلام الوثائقية المعنية بالتراث متنوعة جدا وقادرة على خلق هيكل واحد يؤكد أن الفن واحد كالبحر الذي تصب فيه الملايين من الروافد

الخلطة السحرية

اعتبرت السيدة أليس مغبغب أنها قد تكون نجحت هي ولجنة المهرجان في أن تقدما إضافة إلى الأفلام الوثائقية المعنية بالتراث “مجموعة أفلام متنوعة جدا ولكن في نفس الوقت غير اعتباطية وقادرة على خلق هيكل واحد يؤكد أن الفن واحد كالبحر الذي تصب فيه الملايين من الروافد”.

يكفي أن يطلع الفرد على برنامج المهرجان المفصل ليدرك أن مجموعة الأفلام المختارة، وهي تصل إلى خمسين فيلما، تساهم بشكل كبير، وفي أيام معدودة، في تشكيل نظرة عميقة إلى الفن (سينما، وشعر، وكتابة، ورقص، وتراث وتشكيل، وعمارة، وغناء) كمؤثر عميق في شتى المجتمعات المعاصرة العربية منها وغير العربية.

خلطة سحرية يجترعها الجمهور على دفعات لتبث في نفسه الدفء وتنقله إلى عالم لا تقول فيه الحروب والنزاعات كلمتها الأخيرة.

نذكر من الأفلام “مايكل أنجلو، الحب والموت” الذي يقدم نظرة على سنوات أنجلو الـ89، وهو عبارة عن رحلة سينمائية تمرّ في كنائس وكاتدرائيات ومتاحف فلورنسا وروما والفاتيكان، وتغوص في أرشيف وأماكن عرض رسومه في كلّ أرجاء أوروبا لاكتشاف حياته الصاخبة. ومن خلال تعليقات الخبراء، وأقوال مايكل أنجلو ذاته، يحتفي هذا الفيلم بكلّ فصل من فصول حياة عبقريّ من أبرز عباقرة عصر النهضة.

ونذكر أيضا فيلم “تان تان” الذي يتناول الشخصية الكرتونية المحببة وذلك بمناسبة العيد الخمسين لولادة “مغامرات تان تان” التي ابتكرها “إيرجيه”، وقد دعا منظّمو المهرجان الناقد الفني ميشال بودسون ليعطي شهادته حول تلك الشخصية المصوّرة ومغامراتها الدورية.

واندرج أيضا في المهرجان عرض فيلم “بلاسيدو دومينغون رجل بألف حياة”، وفيلم “لبيتلز، 8 أيام في الأسبوع، سنوات الجولات”، وفيلم “دايفد هوكني، وقت مستعاد”، وفيلم “أنا كلود مونية”، وفيلم ” في حبّ فنسنت”، وفيلم “مانيفستو” لجوليان روزفلت، تجسد فيه الممثلة الأسترالية كايت بلانشيت 13 شخصيّة في سلسلة من المونولوجات المرتكزة على تصريحات لفنّانين مشهورين.

وردا على سؤال إن كانت الأوضاع غير المستقرة في البلاد جعلتها تفكر في إلغاء المهرجان، ابتسمت السيدة أليس مغبغب قائلة “نحن في لبنان، البلد الذي اعتاد الأمل واعتاد التعالي على الجراح”.

14