مهرجان بيروت للأفلام اليونانية يكرس منطق الفن لأجل الحياة

تشهد مدينة بيروت سنويا جملة من المهرجانات السينمائية التي تستمر من بداية من شهر سبتمبر حتى نهاية شهر مارس، لتترك مكانها للمهرجانات الفنية الأخرى لا سيما مهرجانات الموسيقى والطرب والعروض المسرحية، ومن المهرجانات التي انطلقت خلال شهر ديسمبر الجاري ودامت بضعة أيام في صالات “أمبير”، حيث تُعرض معظم الأفلام ذات الطابع الثقافي والفني، مهرجان بيروت للأفلام اليونانية.
الثلاثاء 2017/12/12
أفلام عذبة تحكي المشاعر الإنسانية المشتركة

بيروت – يكرس مهرجان بيروت للأفلام اليونانية المنتهية فعاليات دورته العاشرة حديثا، منطق الاشتغال على الفن لأجل الحياة، وهو منطق حضر أيضا وبقوة في المهرجانات السينمائية التي سبقته حيث حملت على عاتقها كل هيئة، أو بلد منظم جذب انتباه الجمهور إلى ما يجمع كل البشر مهما تنوعت الحضارات والهموم، ولكن دون أن تنسى أن تسلط الضوء على خاصية ما، أو هاجس ما يعيشه هذا البلد أو ذاك، ومن وجهات نظر مختلفة.

ولم يكن مهرجان بيروت للأفلام اليونانية، هذه السنة خارج هذه المنظومة، حيث جاءت الأفلام على مستوى مضامينها، لتؤكد ذلك المنحى.

ومن الواضح أن الأفلام التي قُدمت للجمهور في صالات “أمبير” البيروتية تحت رعاية وزارة الثقافة في لبنان والسفارة اليونانية وبالتعاون مع مركز توطيد العلاقة الثقافية بين البلدين، تمّ اختيارها بعناية لكي توازن ما بين الرؤيا السينمائية اليونانية التي قدمها مخرجون يونانيون مكرسون من جهة، ومخرجون لبنانيون من جهة أخرى، تخرجوا من جامعات اليونان وحافظوا في أعمالهم السينمائية على “نكهة” لبنانية بارزة، ولكن مع تأثر كبير بالسينما اليونانية المعاصرة التي سطع نجمها في النصف الثاني من القرن الماضي.

ومن الأفلام التي قُدمت خلال المهرجان، والتي تستجيب إلى منطق التعددية الحضارية والصراعات الإنسانية المتمثلة في حق الحصول على اعتراف الآخر به وتقديره، نذكر فيلم “أميركا سكوير” للمخرج اليوناني يانيس ساكاريديس، ويتمحور الفيلم حول فكرة الصراع ما بين طاقات إنسانية مختلفة داخل يونان اليوم.

وتجسد هذا الصراع التنافسي من خلال ثلاثة نصوص سردية متداخلة أبطالها مواطن يوناني ضاق ذرعا بالوافدين اللاجئين إلى الحيّ الذي يسكن فيه، ورجل اسمه طارق، وهو طبيب عسكري وسوري الجنسية، وامراة باسم تيريزا، وهي مغنية أفريقية تحاول الهروب عبر البحر، وحصل هذا الفيلم سنة 2016 على جائزة أفضل مونتاج في مهرجان إيلينيك فيلم، كما رُشّح بطله فاسيليس كوكالاني لجائزة أفضل ممثل.

ومن الأفلام اللافتة أيضا، حضر فيلم “جام” (إنتاج 2017) وهو للمخرج اليوناني طوني غاتليف، والذي يحكي عن قصة صبية يونانية أرسلها عمها إلى إسطنبول كي تحضر له قطعة نادرة لمحرك قاربه، وبعد وصولها تلتقي بفتاة فرنسية اسمها ‘أفريل’ تبلع ثمانية عشرة سنة، جاءت إلى إسطنبول كمتطوعة لمساعدة اللاجئين السوريين. وهو فيلم عذب يغلب عليه تجلي المشاعر الإنسانية المُشتركة.

ومن الأفلام التي تحمل إمضاء مخرجين يونانيين أيضا، نذكر فيلم الختام “سترينغلس” (إنتاج 2017) وهو للمخرج أنجليس كوفوستوس، ويتحدث عن قصة حميمية لخمس نساء أخذن القرار بعد أن استفحلت الأزمة الاقتصادية في بلادهن، الدخول إلى عالم المسرح عبر تقديم حفلات غنائية من دون الاستعانة بأي فرقة موسيقية.

فيلم فيه الكثير من البساطة الفنية التي اعتمدها المخرج، مع قليل من المرح، كي يجعل شخصيات الفيلم قادرة على تمثيل كل معاناة اقتصادية يختبرها أي شخص كان، هذا وحضر مخرج الفيلم ليلة العرض ليستمع ويتلقى أسـئلة الجمهور ويجيب عليها.

الأفلام المقدمة في المهرجان تستجيب إلى منطق التعددية الحضارية والصراعات الإنسانية وحق الاعتراف بالآخر

وبمناسبة الاحتفال بالسنة العاشرة لتأسيس المهرجان أعلن المنظمون إدراج مسابقة سينمائية اشترك فيها المخرجون اللبنانيون واليونانيون الذين تخرجوا من جامعات اليونان، واعتبر القيمون على تنظيم المهرجان أنه “أعطى فرصة يستحقها الشباب كي يتمكنوا من التعبير عن ذواتهم ورؤاهم الإخراجية، فضلا عن إقامة صلة وصل مع الجمهور ممّا يمكنه حتما من استيعاب أعمق لما يمكن أن يشكل فيلما سينمائيا في عالم يغص بالمشاكل والأزمات”.

وفي سياق هذا الكلام، شهدت صالات “متروبوليس، أمبير” في نهاية المهرجان، وللمرة الأولى منذ عشر سنوات، مسابقة “الأفلام القصيرة” التي جاءت تحت عنوان “دور المرأة في المجتمع اليوناني واللبناني”، وشارك في هذه المُسابقة عدد كبير من المتخرجين، وقامت اللجنة المؤلفة من اختصاصيين لبنانيين ويونانيين على السواء باختيار جملة من تلك الأفلام وعرضها أمام الجمهور اللبناني.

ومن الأفلام المنتقاة من اللجنة نذكر فيلم “دانتيل” للمخرج اللبناني بيدرو حاصروني، وفيلم “عيد ميلاد” لليوناني ديميتري كاستيميريس، وفيلم “إليّ” للمخرج اليوناني أيضا ملتياديس كريستيديس، ويحكي قصة امرأة تحاول طلب الإنقاذ بعد أن دخل رجل مقنّع إلى منزلها بهدف سرقتها.

أما الأفلام التي تنتمي إلى هذه المجموعة والتي لاقت استحسان المشاهدين، نذكر فيلم “حلّق يا حُبي”، وهو فيلم للبناني إيلي سلامة، ويدور حول إشكاليات العلاقة بين الأم وابنها، وأيضا فيلم “ربما اليوم” للبنانية نادين أسمر، والتي تناولت فيه بحساسية عالية قصة سيدة في الستين من عمرها اعتادت أن تصنع فطائر اللحم مرة كل أسبوع.

وأيضا فيلم “الصيد من البحر” للبنانية هالة الكوش، والذي يصور مأزقا وجوديا يترتب عنه إما اختيار اليأس من كل شيء وإما المُضي قدما رغم الصعوبات، أما فيلم “استعادة” للمخرج اللبناني مالاجيان، فيعرض القلق العميق الذي تعيشه سيدة شابة لدى عودة زوجها من غياب طويل، اعتقدته نهائيا.

ويقع “مهرجان الأفلام اليونانية” في منتصف الرحلة السينمائية/السنوية البيروتية، حيث تتحضر بيروت إثره لاستقبال مهرجانين مهمين أحدهما “مهرجان السينما الأوروبية” الذي سيقام بين 26 يناير و6 فبراير المقبلين، وكذلك مهرجان “أيام بيروت السينمائية” المتخصص في السينما المُستقلة، من وإلى العالم العربي.

16