مهرجان حماس ووجهتها

خطر الوجهة الحمساوية المتوقعة، يكمن في كون محصلتها ستكون انفصال غزة عن الضفة. وهذا تخطيط إسرائيلي، ساعد أيضا عباس عليه، لأنه المتكفل هو ومن معه، بإقصاء حماس عن السلطة وإقصاء غزة عن نفسها وعن الضفة.
الأربعاء 2018/12/19
السر يكمن في السياسة

خلال الأحد الفائت، شهدت إحدى ساحات غزة الكبرى، تظاهرة أو احتشادا من نوع مختلف، في الذكرى الحادية والثلاثين لانطلاقة حركة حماس. وقد تجاوزت عروض المهرجان، الذي سخرت له حماس إمكانيات تحشيدية غير مسبوقة، كل ما جرى في مهرجانات الفصائل. بل إن اللغة التي صيغت بها الكلمة الرئيسة المدوية، أي كلمة رئيس الحركة إسماعيل هنية، قد تجاوزت الغرض السياسي أو الفصائلي لمثل هذه الاحتفالات، وأقصاها أن لهذه الحركة جماهير من المؤيدين.

فقد تشبّعت المناسبة وفقراتها، باستعراض عناصر قوة المقاومة العسكرية شبه النظامية، وبالحديث عن قدراتها الاستخبارية، وإنجازاتها وجاهزيتها الميدانية، وظهر شعار ضخم، باللغتين العربية والعبرية، على امتداد قاعدة المنصة الشاسعة، يقول في صيغة مخاطبة الغائب الإسرائيلي “إن زدتم زدنا”، بمعنى أن اعتداءاتكم كلما زادت، فإن ضرباتنا لكم سوف تزداد طرديا معها!

وفي الحقيقة، كان هناك ما ينعش مشاعر الفلسطينيين المتحشدين في الساحة، لا سيما بعد سنوات من الهوان والحصار والاستقواء على غزة والمقاومة فيها، وبعد العديد من حروب القصف والتدمير، وبعد أن حل البؤس، وانسدَّ الأفق، واضطرت مجموعات من الشباب إلى الهجرة وارتياد الصحاري والبحر، وتُرك الباقون يائسين.

لا يصح أن تمر وقائع مثل هذا المهرجان، دون أسئلة يطرحها الفلسطينيون على أنفسهم. فعلى صعيد لغة الخطاب المركزي، كانت المفردات المستخدمة ترسم للاحتفال سمات الانتصار التاريخي، بعد حرب قد اختتمت فصولا، أو إن فصلا مهما منها قد طُوي، ودخل الطرفان المتحاربان مرحلة اختبار النوايا ومقاربات  للتسوية، إذ أدرك كل طرف استحالة القضاء على الطرف الآخر، وهذا كله ليس واردا على الإطلاق، وليست له علاقة بالواقع.

صحيح إن التمظهر المسلح، جمع لنفسه بعض عناصر الجدية، إذ ظهرت في سماء المهرجان، الطائرات المسيّرة، التي غنمتها حماس، وحضر المغاوير المسلحون بصواريخ حديثة مضادة للدروع، بخوذاتهم المموهة، يستعرضون بكامل عدتهم، وشوهدت طوابير سيارات وكتائب وما تيسر من مظاهر القوة الأخرى. وفي الخطاب المركزي زُفت البشرى عن امتلاك المقاومة الحمساوية كنزا من المعلومات، هو محصلة وقائع انتصارات في حرب الأدمغة، لكن هذا كله، جرى على بعد نحو ثلاثة كيلومترات من المواقع الإسرائيلية على حدود غزة الشرقية، وعلى مساحة من الأرض ذات سماء مفتوحة، وغير ذات بُعد يُذكر، في حال الهجوم من الجو أو من البحر!

في وسعنا أن نجزم، أن هناك مسكوتا عنه في موضوع المهرجان وفعالياته، وهو في أقل التقديرات، يتعلق بتفاهمات سيكون لها ما بعدها. ولكي ندلل على ما نقول، ينبغي أن ندحض بسرعة بعض الفرضيات التي يسهل دحضها.

فإسرائيل، كما نعرفها، غادرة وتتدخل في الحال إن استفزها شيء، وهي قناصة فرص ولا ينكشف لها عدو، إلا وتبادر إلى مهاجمته، لا سيما عندما يكون صراعها مع هذا العدو تناحريا، بمعنى ألا ينتهي إلا بزوال أحد الضدين. وقد علمتنا التجربة أن إسرائيل شديدة الحساسية حيال تمظهرات القوة البعيدة للعرب، ويمكن أن تبدأ حملة للنيْل من حق موريتانيا البعيدة في امتلاك واستعراض سلاح دفاعي مؤثر إن كان مشفوعا بخطاب عدائي لها، فما بالنا باستعراض قوة معادية، شبه نظامية، على بعد أمتار، وعرض طائرات مسيّرة غُنِمت منها.

ثم إن الهدنة الأخيرة التي توصل إليها المصريون بين إسرائيل وحماس، ستظل هشة كسابقاتها الكُثر، ما لم يكن وراء هذه الأخيرة، ما يحمل ملفا لتدابير جديدة تتجاوز موضوع وقف إطلاق النار، وتمس مستقبل غزة السياسي ومستقبل القضية الفلسطينية تاليا وأساسا.

وبالطبع، لن ينطلي على أحد، أن إسرائيل التزمت الصمت على ما جرى في المهرجان، خشية أن تطال صواريخ حماس تل أبيب حسب ما ألمح إسماعيل هنية. فموضوع الأمن واحتمالات الموقف الميداني، يشكل بالنسبة لإسرائيل مسألة حياة أو موت، وليست فوعة إسرائيل السياسية، إلا لعلمها، بأن لا خطر من أي نوع وبأي حجم يتهددها في الإقليم، أو حتى يعيق عدوانها على أي بلد في الإقليم!

لم يمر دون تفاهمات
لن يمر دون تفاهمات

كان لافتا أن ما حدث في المهرجان، لم يستفز إسرائيل ولا صحافتها، وما حدث في اليوم التالي على المهرجان، أن صادق “الكنيست” على تسلم بنيامين نتنياهو وزارة الجيش، وأصبح السر كله في حقيبته.

لا نقول إن السر يتعلق بخيانة أو تواطؤ، وإنما يتعلق بما تراه حماس- وهي مخطئة- مخرجا ولو مرحليا، من مأزق عميق، يُرادُ الإجهاز عليها في سياقه. ولا نزعم أن فعاليات المهرجان كانت خداعا بحتا.

ما نقوله إن فعاليات المهرجان حصلت على ضمانات لتمريرها، بموجب تفاهمات حصلت، وأن السر يكمن في السياسة. وكانت الأطراف الوسيطة ومعها إسرائيل نفسها، تتفهم أن حماس في حال سلكت طريق السياسة، ستحتاج إلى عملية انتقال تحفظ ماء الوجه، بحيث لا تنتقل من حال انكسار، وإنما من حال التسلح حتى النواجذ، وفرضيات انتصار على الأرض، وإنجازات في حرب الأدمغة وامتلاك لكنوز من المعلومات، على نحو ما قيل.

الطريف في هذا كله، يتعلق برئيس السلطة محمود عباس والذين معه. فقد راهن هؤلاء على أن الجذر “الإخواني” لحماس، كفيل وحده بتصنيفها بأنها كانت، وستظل، خارج السياسة، وأنها تنتمي إلى الفضاء الأيديولوجي الذي أنتج الإرهاب ويرفض السياسة، وأنها بالتالي منبوذة في محيطها الإقليمي.

وقد ظل عباس ومن معه، على افتراضهم هذا، على الرغم من البراغماتية التي أظهرتها حماس في غزة بالتصالح والتعاون الأمني مع مصر، على النقيض أو الاستهجان من جانب “الإخوان” في الإقليم. بل إن أداء عباس ولغته وموقفه من غزة، أصبحت الآن، تساعد حماس على الذهاب إلى خطوات سياسية تتعلق بغزة، دون أن تخشى لائمة لائم. فهو يفعل ما يفعل من موقع الانكسار، وهم يفعلون من جنس العمل، ولكن من موقع عنفوان المهرجان، الذي لا فحوى اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا له في غزة.

أما السياسة التي يظن أن حماس تجهلها، فسيكتشف أنها تفوقت فيها عليه، وأنه ساعد على تفوقها، لأنه لم يستوعب الموقف ولم يتبنَّ عملية مصالحة حقيقية، تحمي الورقة السياسية الفلسطينية الواحدة، وظل يشترط التمكين الذي يطال السلاح.

إن خطر الوجهة الحمساوية المتوقعة، يكمن في كون محصلتها ستكون انفصال غزة عن الضفة. وهذا تخطيط إسرائيلي، ساعد أيضا عباس عليه، لأنه المتكفل هو ومن معه، بإقصاء حماس عن السلطة، وإقصاء غزة عن نفسها وعن الضفة.

8