مهرجان روتردام السينمائي الدولي ينتصر لثقافة الأقليات

الدورة الحالية للمهرجان حافلة بالأفلام والأسماء الكبيرة، وهي تتيح الفرصة لاكتشاف الكثير من التجارب الجديدة الشابة.
الثلاثاء 2019/01/22
شعار المهرجان "النمر" في كل مكان

تفتتح مساء الأربعاء 23 يناير الحالي الدورة الثامنة والأربعون من مهرجان روتردام السينمائي، أول المهرجانات السينمائية الأوروبية الكبرى في العالم، ويقام بالتوازي مع مهرجان سندانس الأميركي، ويخصص أقسامه ومسابقاته الرئيسية للتجارب السينمائية الجديدة للشباب السينمائيين في العالم، وتختتم الدورة في الثالث من فبراير القادم.

يقام مهرجان روتردام السينمائي الدولي في المدينة الهولندية التي تبلغ نسبة السكان ذوي الأصول الأجنبية فيها من الأتراك والعرب وغيرهم، أكثر من 47 بالمئة، وينظم مسابقتين رئيسيتين كما يخصص جائزة الجمهور بنظام التصويت عن طريق بطاقات اقتراع، ويمنح الاتحاد الدولي للصحافة السينمائية جائزة لأحسن فيلم.

ويراعى في برامج المهرجان عادة التمثيل الثقافي للأقليات (ذات الأصول الأجنبية) التي تقيم في المدينة بعرض أفلام من السينمات غير الأوروبية، وكان المهرجان تاريخيا يهتم كثيرا بالسينما العربية والمخرجين الشباب من فلسطين ومصر والعراق والمغرب، كما يحصل الكثير من مشاريع الأفلام العربية على دعم مالي من صندوق هيوبرتبالس للدعم السينمائي الذي يحتفل المهرجان هذا العام بمرور 30 عاما على تأسيسه، وهو يعتبر رائدا في مثل هذا النوع من دعم الأفلام الفنية للمخرجين الشباب من بلدان العالم الثالث على وجه التحديد. ويحمل الصندوق اسم مؤسس المهرجان هيوبرتبالس عام 1972، وقد تبع مهرجان روتردام مهرجانات أخرى شهيرة في الشرق وفي الغرب في تقديم الدعم للأفلام الفنية، ويرصد الصندوق أنواعا متعددة من الدعم لمراحل السيناريو والتصوير وما بعد الإنتاج.

وفي العام الماضي حصل 11 فيلما على 110 آلاف يورو، كما تقاسم فيلمان الدعم المقدم بالتعاون بين صندوق هيوبرتبالس وصندوق الدعم الأوروبي للإنتاج المشترك وحصل كل فيلم على 50 ألف يورو.

ويعرض المهرجان أكثر من 240 فيلما وهو مهرجان مفتوح للجمهور، يصل عدد بطاقات الدخول إلى عروضه اليومية التي تستمر حتى الثاني من فبراير، أكثر من 330 ألف بطاقة.

ويفتتح المهرجان بفيلم “الإله الظالم” Dirty God للمخرجة الهولندية ساشا بولاك، وهو فيلمها الروائي الثالث وأول فيلم هولندي يشارك في مسابقة مهرجان سندانس، وأول أفلامها الناطقة بالإنكليزية، وهو من الإنتاج المشترك بين هولندا وبريطانيا وأيرلندا وبلجيكا، وموضوع الفيلم يدور حول امرأة تتعرض لحادث بشع من جانب زوجها السابق عندما يقذفها بمادة حارقة (حمض الكبرتيك) ما تسبب لها في حروق بوجهها ورقبتها وصدرها، وتغادر المستشفى بعد أن تتلقى العلاج لكي تواجه بمفردها الحياة وتسعى للتعامل مع الواقع برؤية أخرى.

مسابقة النمر

"الإله الظالم" يفتتح الدورة الـ48 للمهرجان
"الإله الظالم" يفتتح الدورة الـ48 للمهرجان

تحمل المسابقة الأولى الرئيسية لأفلام الشباب شعار المدينة ورمزها، أي “مسابقة النمر”، وتمنح جائزة أحسن فيلم وقيمتها 40 ألف يورو يتقاسمها المخرج والمنتج، وجائزة خاصة للإنجاز الفني المتميز وقيمتها 10 آلاف يورو، وقد انخفض منذ العام الماضي تحت إدارة المدير الجديد للمهرجان بيرو بيير، عدد الأفلام التي تشارك في هذه المسابقة إلى 8 أفلام فقط.

والأفلام تمثل مخرجين من الدنمارك والبرازيل والبوسنة وهونغ كونغ وروسيا وتشيلي والسويد وإسبانيا، ومعظم هذه الأفلام كما جرى العرف،

من الإنتاج المشترك لكننا نلتزم هنا بنسبة الفيلم إلى مخرجه وليس إلى الأطراف الإنتاجية التي أصبحت متعددة بشكل يدعو إلى التشوش، وعرض هذه الأفلام في روتردام سيكون العرض العالمي الأول، باستثناء فيلم واحد فقط سيعرض للمرة الأولى خارج بلده عرضا “دوليا”.

وكان الفيلم الفلسطيني البديع “التقارير عن سارة وسليم” قد فاز في مسابقة العام الماضي بجائزة أحسن سيناريو، وهذا العام تغيب أفلام المخرجين العرب من العالم العربي، لكن في المسابقة فيلم “أبناء الدنمارك” للمخرج الدنماركي من أصل عراقي علا سليم، ويتناول موضوعا يدور حول تنامي اليمين المتطرف في الدنمارك بعد وقوع تفجير إرهابي، وكيف تصبح حياة الأسر المهاجرة مهددة، ثم كيف ينعكس الوضع المضطرب على مصير “زكريا” الذي يحاول إنقاذ عائلته من هجمات المتطرفين.

أما الفيلم البوسني “خذني إلى مكان جميل” للمخرجة إيما سندياريفتش، وهو فيلمها الأول، من نوع أفلام الطريق، فيتابع رحلة فتاة شابة من مهاجري البوسنة نشأت في أسرة بوسنية تبنتها، لكن عندما تعلم بمرض والدها الأصلي ودخوله المستشفى تقطع رحلة لكي تراه للمرة الأخيرة، وخلال الرحلة تكتشف حقيقة انتمائها وحقيقة نفسها وتكون قد ودعت الطفولة ودخلت مرحلة الأنوثة. وتقول المعلومات المتوفرة عن الفيلم إن مخرجته أعربت عن إعجابها بالأفلام التي يخرجها الأميركي جيم جارموش وأن الفيلم متأثر كثيرا بفيلمه الشهير “أغرب من الفردوس”.

وتتميز أفلام “مسابقة النمر” بالجرأة في اقترابها من المناطق الصعبة كما تفعل شنغزيزو مخرجة الفيلم الصيني من هونغ كونغ “الماضي التام” التي فحصت أكثر من 800 ساعة من شرائط الفيديو عبر عشرة أشهر، لكي تعثر على أبطال فيلمها (التسجيلي الطويل) الذين استغرقوا في التعامل مع مواقع البث عبر شبكة الإنترنت بحيث لم يعد بمقدورهم التفرقة بين الحقيقة والخيال، بتركيز خاص على نماذج من مدمني القرصنة وتحميل الفيديوهات من على موقع يوتيوب وغيره، من المهمشين والشخصيات المعزولة اجتماعيا.

وتصوّر المخرجة كيف أصبحت مشاهدة الشرائط الغريبة التي تمتلئ بالعنف والفظائع مادة للكسب التجاري، علما بأنّ عدد من يتابعونها بشغف في الصين بلغ 422 مليون شخص.

الشاشة الكبيرة

المسابقة الثانية في المهرجان هي مسابقة “الشاشة الكبيرة” ومثلها مثل المسابقة السابقة تشمل عرض 8 أفلام جديدة، ويحصل الفيلم الفائز فيها من خلال لجنة تحكيم خاصة، على جائزة قيمتها 30 ألف يورو تنقسم إلى 15 ألف يورو تمنح للموزع الهولندي الذي يعرض الفيلم الفائز في هولندا، و15 ألف أخرى تستثمر في المشروع القادم للمخرج.

ومن أهم ما يعرض في هذه المسابقة الفيلم الأميركي التسجيلي “مرحبا أيها الشيطان” للمخرجة بيني لين التي تعتبر من أشهر مخرجي السينما الأميركية المستقلة وقد اشتهرت بفيلمها “نيسكونا” Our Nixon.

وهناك أيضا فيلم “ملكة القلوب” للمخرجة الدنماركية من أصل مصري مي الطوخي وهو فيلمها الطويل الثاني، ويصور الفيلم علاقة غير شرعية تنشأ بين امرأة متزوجة ولديها طفلان وتبدو سعيدة مع زوجها، تقيم علاقة جنسية مع ابن زوجها من زوجة أخرى بعد أن ينتقل للإقامة مع الأسرة.

وإلى جانب المسابقتين الرئيسيتين هناك أيضا مسابقة الأفلام القصيرة، ومسابقة قسم “المستقبل المشرق” (20 فيلما)، أما قسم “المستقبل المشرق” نفسه فيشمل عرض 47 فيلما منها 19 فيلما تعرض عروضا عالمية أولى.

الحضور العربي

"ريح رباني" للجزائري مرزاق علواش عن التطرف
"ريح رباني" للجزائري مرزاق علواش عن التطرف

كما ذكرت من قبل هناك فيلم لمخرج عراقي الأصل “أبناء الدنمارك” وآخر لمخرجة مصرية الأصل “ملكة القلوب”، وهناك أيضا 7 أفلام أخرى لمخرجات ومخرجين ينتمون للعالم العربي والثقافة العربية، أولها فيلم “يوم فقدت ظلي” للمخرجة السورية سؤدد كعدان الذي سبق أن تناولناه بالنقد عند عرضه في مهرجان لندن في أكتوبر الماضي، وهو يدور حول مأساة السوريين في ظل النزاع المسلح القائم في سوريا.

كما تعرض المخرجة اللبنانية نادين لبكي فيلمها “كفر ناحوم” عن معاناة أطفال الشوارع في بيروت من زاوية إنسانية، وقد حصل هذا الفيلم على جائزة رئيسية في دورة مهرجان كان الماضية، طاف بعدها عددا من المهرجانات السينمائية.

ويعرض ضمن قسم “أصوات” أيضا الفيلم الفلسطيني “تل أبيب ع نار” للمخرج سامح زعبي وهو من فلسطينيي الداخل، والفيلم كوميدي ساخر مع الكثير من الإشارات والرموز السياسية، يدور حول المفارقات الغريبة التي تقع خلال تصوير مسلسل تلفزيوني فلسطيني وكيف يتعرض بطل الفيلم لضغوط من جانب ضابط إسرائيلي لكي يغير في المسلسل ويجعله يتفق مع وجهة نظر الاحتلال، وقد سبق أن قدمنا نقدا تفصيليا للفيلم عندما عرض في مهرجان فينيسيا.

"كفر ناحوم" لنادين لبكي يعرض معاناة أطفال الشوارع في بيروت من زاوية إنسانية
"كفر ناحوم" لنادين لبكي يعرض معاناة أطفال الشوارع في بيروت من زاوية إنسانية

وفي قسم “أصوات” أيضا يعرض “ريح رباني” وهو الفيلم الجديد للمخرج الجزائري مرزاق علواش، الذي يواصل فيه التعبير عن اهتمامه الكبير منذ سنوات بمسألة التطرف وجماعات العنف السياسي باسم الدين في الجزائر.

ويعرض في نفس القسم فيلم “صوفيا” للمخرجة المغربية مريم بن مبارك، الفائز عن استحقاق بجائزة أفضل سيناريو في قسم “نصف شهر المخرجين” بمهرجان كان.

وإضافة إلى الأفلام العربية الخمسة الطويلة هناك فيلمان قصيران، الأول هو “جدار بلا جدار” للمخرج الأردني لورانس أبوحمدان المقيم في بيروت وفيلمه يرتبط بمجال اهتمامه كخبير في دراسة تأثيرات الإنصات أو الاستماع من وراء الجدران، وهو يتناول هذا الموضوع في فيلمه الذي يقع في 21 دقيقة ومن الإنتاج الألماني. وقد صوره في أستوديو في شرق برلين، حيث يستعرض عددا من القضايا التي استمع خلالها الشهود إلى أصوات من وراء جدران.

أما الفيلم القصير الثاني، فهو “حفل في الكابس” Party on the CAPS للمخرجة المغربية الشابة مريم بناني، وموضوعه خيالي وتدور وقائعه في الكابس وهي جزيرة متخيلة يتم فيها تجميع اللاجئين غير الشرعيين تمهيدا لترحيلهم عن طريق تصدير طاقتهم، أي دون نقلهم جسمانيا، لكن مشاهدة الفيلم تبقى هي الأساس.

ومن الأفلام المنتظرة في قسم “أصوات” أيضا، فيلم “الأم السوداء”، وهو فيلم تسجيلي طويل للمخرج الأميركي من أصل جامايكي خليق الله، وفيه يقدم صورة دقيقة مثيرة عن التركيبة النفسية والتاريخية لسكان الجزيرة الجميلة، كيف ينظرون إلى أنفسهم وإلى تاريخ العبودية، وكيف يحلمون بالانطلاق من أسر العادات القديمة والتحرر من فكر العبودية والاستغلال، الذي أصبح مرتبطا بمشاق الحياة اليومية.

ومن إيران يشارك الفيلم الروائي الطويل “طهران: مدينة الحب” للمخرج علي جابر أنصاري، وهو فيلمه الطويل الثاني، ويدور حول ثلاثة أشخاص يبحثون عن الحب في المدينة الكبيرة، كل بطريقته الخاصة.

ويعرض المخرج الأرجنتيني ماريو أندريزي فيلمين من النوع التسجيلي الأول هو “توقف في دبي” (27 دقيقة) صنعه من الشرائط التي سجلتها كاميرات المراقبة الأمنية في دبي، ويعيد من خلالها عملية تسلل عملاء إسرائيليين لاغتيال القيادي في حركة حماس محمود المبحوح، أما فيلمه الثاني “مسألة القاهرة” (25 دقيقة) ففيه ينتقل من العراق حيث صور رؤيته للعدوان الأميركي عام 2003 إلى طهران ثم إلى القاهرة، حيث سجّل ردود الفعل على هجمات أسماك القرش على السياح ثم ما تردد عن مهاجمة بعض التماسيح للبشر على ضفتي نهر النيل، وهو يقدم فيلمه هذا في سياق أفلام الجاسوسية.

في البؤرة العميقة

في قسم تحت عنوان “البؤرة العميقة” يُعرض فيلم “رسالة إلى ثيو” (63 دقيقة) للمخرجة ألودي ليلو التي عملت كمساعدة للمخرج اليوناني الراحل ثيو أنجلوبولوس.

وكان أنجلوبولوس قد لقي مصرعه في حادث عندما كان يعبر الطريق في أثينا حيث كان يصوّر آخر أفلامه الذي لم يكمله، وبعد أن صدمته دراجة نارية في 24 يناير 2012، لم تصل سيارة إسعاف لإنقاذ المخرج المرموق، واعتبر هذا التقصير بمثابة جريمة قتل، ولكن هل قُتل أنجلوبولوس؟

المخرجة الفرنسية التي كانت وثيقة الصلة به وبأفلامه تصنع فيلما متبعة، كما تقول، المعلومات، نفس أسلوبه في التعامل مع الصورة، ولكن يبقى تقييم الفيلم مرهونا بالطبع بمشاهدته، والفيلم من النوع الذي يمكن وصفه بـ”التسجيلي الخيالي”، أي أنه خيالي مبني على تصور لما وقع.

ومن أهم ملامح مهرجان روتردام “دروس السينما” التي يقدمها هذا العام عدد من كبار السينمائيين وسيحضر منهم للحديث إلى الجمهور عن تجاربهم السينمائية في هذه الدورة المخرج المكسيكي الشهير كارلوس ريغاداس والمخرجة البولندية أنجيليكا هولاند، والمخرج الفرنسي فيليب بارينو، والمخرجة الفرنسية كلير دينيس، والمخرج الصيني جيا جانكي والمخرج السويسري فابريس أرانو، وكل هؤلاء يعرض المهرجان أحدث أفلامهم في برامجه المختلفة.

الدورة حافلة بالأفلام والأسماء الكبيرة والتجارب الشابة، وهي تتيح الفرصة لاكتشاف الكثير من التجارب الجديدة الشابة، بوجه خاص من سينما جنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية.

16