مهرجان روتردام يفتح ملف سينما ما قبل الثورة الإسلامية

"فيلمفارسي" و"النساء حسب نظرة الرجال" فيلمان يكشفان التجربة الكبيرة للسينما الإيرانية بين ثلاثينات وسبعينات القرن الماضي قبل أن تقمع المرأة خلف الحجاب.
الأربعاء 2020/02/05
المرأة كمخرجة سينمائية في إيران الماضي

من الأفلام التي عرضت في الدورة 49 من مهرجان روتردام السينمائي، شريطان من الأفلام التسجيلية الطويلة يشتركان في كونهما يهتمان بصناعة السينما الإيرانية في زمن الشاه، أي قبل انقلاب الخميني الذي يعرف بـ"الثورة الإسلامية" عام 1979 الذي غيّر وجه السينما الإيرانية وفرض عليها رقابة صارمة.

"فيلمفارسي" للمخرج إحسان كوشباخت، و"النساء حسب نظرة الرجال" للمخرج سعيد نوري. فيلمان يكشفان لنا التجربة الكبيرة للسينما الإيرانية العريقة التي قُضي عليها أن تقبع “خلف الحجاب”، بسبب القواعد الرقابية الصارمة التي فرضتها سلطة رجال الدين منذ الإطاحة بنظام الشاه، وتأسيس نظام دكتاتوري كاد يقضي على صناعة السينما، بل واضطهد السينمائيين ودفع الكثيرين منهم، إما إلى الهجرة للخارج، وإما التوقف عن العمل في الداخل.

هناك علاقة وثيقة بين الفيلمين، فكلاهما يعتمد على مقاطع كثيرة من الأفلام الإيرانية التجارية التي أنتجت في إيران في الماضي. الفيلم الأول يُبحر في تاريخ السينما الشعبية الإيرانية منذ أول فيلم إيراني ناطق عام 1932، والفيلم الثاني يركّز أكثر على الأفلام التجارية من الخمسينات إلى نهاية السبعينات.

حنين إلى الماضي

مخرج فيلم “فيلمفارسي” إحسان خوشباخت باحث وسينمائي ومؤسّس مهرجان للأفلام الكلاسيكية، من مواليد 1980 ويقيم في العاصمة البريطانية. ويعكس فيلمه بالتالي تحرّره من سطوة النظام، وتقديمه لأفلام الماضي التي كانت تحظى بشعبية كبيرة، من خلال نظرة مشبعة بالحنين والحب والتقدير، بل إنه يعقد أيضا مقارنات ذكية بين ماضي السينما الإيرانية وحاضرها، ويتوقف أمام ما يطلق عليه “الشيزوفرينيا” أو حالة الفصام التي صبغت المجتمع الإيراني لسنوات طويلة في عهد الشاه الثاني، محمد رضا بهلوي، الذي أدخل الحداثة الأوروبية إلى البلاد، وكيف أن المجتمع كان يغرق في الحداثة ويستمتع بكل مزاياها، ولكنه كان في الوقت نفسه، حسب الصورة التي يقدّمها إحسان خوشباخت في فيلمه، يرتد عليها وينكص على عقبيه رافضا إياها، وهو ما يرى إحسان أنه أتاح أرضية لما حدث في ما بعد بالفعل، وتمثّل في التخلّي الجماعي عن مظاهر الحداثة وعودة المرأة إلى الشكل الريفي.

"فيلمفارسي" يعقد مقارنات ذكية بين ماضي السينما الإيرانية وحاضرها، عبر نظرة مشبعة بالحنين والحب

ورغم أنه يلمس فكرة الاستعداد المجتمعي للنكوص عن الحداثة والذي سمح بتقبل فرض نمط حياة مختلف بعد قفز الخميني وزمرته على السلطة، إلاّ أنه لا يتجاهل الفرض والجبرية والاضطهاد والترويع الذي وقع على نجوم السينما ومخرجيها وفي مقدّمتهم أشهر الممثلات، فقد تمّ منعهنّ من العمل، وحوكم البعض الآخر، وسجن، كما دفع بعضهنّ إلى الانتحار.

يصف إحسان خوشباخت ما يصوّره فيلمه في مقال نشره بصحيفة الغارديان البريطانية (في 11 يوليو 2019)، فيقول “إنها قصة مأساة، سينمائية وحقيقية. لقد كانت إحدى نقاط التحوّل في الثورة الإيرانية، ولحظة حاسمة أعلن فيها موت السينما، عندما أشعل الإسلاميون النار في سينما ريكس في جنوب غربي إيران (في ميناء عبدان في 18 أغسطس 1978) عندما كانت السينما مليئة

 بجمهور يشاهد العرض الثاني لفيلم “الغزال” للمخرج مسعود كيميائي، وهو أحد أفضل الأفلام الشعبية الإيرانية وكانت الرقابة قد منعته لفترة من العرض، وقد قتل في الحادث 420 شخصا.  ولكن من الرماد عادت السينما الإيرانية مجددا”.

خوشباخت اختار لفيلمه اسم “فيلمفارسي” في كلمة واحدة، كوصف معبّر عن السينما التجارية أو الأفلام الشعبية الرخيصة التي تشبه أفلام “حرف ب” التي كانت تنتج في هوليوود أو في مصر في زمن القطاع العام السينمائي في الستينات، وهي تصوّر عادة قصصا ميلودرامية تمتلئ بالمبالغات والجريمة والعنف ومشاهد الرقص وقصص الحب والخيانة والشرف، وتصوّر المرأة في صورة نمطية.

 أفلام النوع

من “فيلمفارسي” كيف كانت تبدو المرأة الإيرانية
من “فيلمفارسي” كيف كانت تبدو المرأة الإيرانية

يعرض الفيلم نماذج عديدة من هذه الأفلام، التي مضت وأصبحت أيضا تحاكي الكثير من أفلام “النوع” genre في السينما الأميركية والإيطالية والمصرية بل وسينما بوليوود أيضا. فلم يكن المخرجون يعرفون حدودا، بل صنعوا أفلاما على شاكلة أفلام الويسترن الأميركية، واقتبسوا القصص من هوليوود واستعانوا بالموسيقى الأصلية من أفلام سيرجيو ليوني، وخلقوا أنماطا من الممثلات والممثلين كأبطال لتلك الأفلام بحيث تحاكي أبطال الأفلام الشعبية في سينما الغرب. واستعانوا بالرقص الشرقي في مشاهد تدور في علب الليل والكباريهات على غرار الأفلام المصرية.

إن “فيلمفارسي” بشكل عام، ينعى تلك السينما الغاربة التي كانت مزدهرة، والتي رغم كل ما يمكن أن يقال عن نمطيتها، كانت تعكس أنماط الحياة في المجتمع الإيراني، بل وكيف أصبحت المرأة قادرة على تأكيد حضورها، والتعبير عن قوتها، وكيف كان الرجال يستغلونها ويميلون لفرض السيطرة عليها أو حتى المساعدة في إنقاذها من السقوط في وهدة الخطيئة من خلال النوع السينمائي الذي ابتكره المخرجون الإيرانيون وأطلقوا عليه أفلام “الجاهل” jaheli. أو الرجل الخشن الغليظ العنيف ولكن طيب القلب، الذي يتشاجر في الملاهي الليلية في تنافس على قلوب المغنيات والراقصات، لكنه يرغب في تخليصهنّ من نمط الحياة المتدني في هذه الأماكن والنجاة بهنّ من الأشرار. وهي “ثيمة” كانت موجودة أيضا في الأفلام المصرية في الخمسينات.

ويتوقف الفيلم أمام ظهور المرأة من غير حجاب أو غطاء الرأس والتخلص من الشادور التقليدي بعد صدور قانون في زمن الشاه الأول رضا شاه، عام 1936 عرف بقانون “كشف الحجاب” يحظر ارتداء الحجاب. ونرى انعكاس هذا على عدد من الأفلام.

ويتوقف “فيلمفارسي” أيضا أمام ظاهرة تركز هذا النوع من الأفلام في المدن الكبرى، وذهاب الفتيات من الريف إلى المدينة للبحث عن العمل، ويصوّر المدينة مكانا حديثا عصريا، يعجّ بالأماكن الجذابة، وهي صورة كانت تتسق مع الرغبة الرسمية في الترويج للحداثة التي أدخلها نظام الشاه إلى إيران.

ومن أهمّ ما يذكره الفيلم ويدلل عليه بالصور، ما تعرّض له الكثير من السينمائيين بعد الثورة الإسلامية من تعنّت وعنف، فبعد وصول الخميني للسلطة في 1979، نشرت الصحف القومية في إيران استدعاء يطالب العاملين في صناعة الأفلام الشعبية الإيرانية (فيلمفارسي) ونجومها المشهورين، بالمثول أمام محكمة ثورية للتحقيق معهم. وقد صدرت عليهم أحكاما بالمنع من العمل وتعرّض البعض منهم للسجن.

نظرة سلبية

أمام هذه النقطة تحديدا يتوقف الفيلم الثاني “النساء حسب نظرة الرجال”. وهو ينقسم إلى أقسام عدة تحمل عناوين مختلفة، كلها تعبّر عن النظرة السلبية لصناع السينما للمرأة: كأم أو كزوجة مغلوبة على أمرها، أو كعاهرة، أو كقروية باحثة عن العمل في المدينة، أو كأم يجب أن تبقى في المنزل ترعى الأبناء.. وغير ذلك من الصور النمطية التي يستعرضها ويعلق عليها من خلال مقاطع من 120 فيلما من الأفلام الإيرانية التي لم يعد لها وجود، فالفيلم يعترف بأن النظام الإيراني الجديد الذي استولى على السلطة في 1979، قام بحرق وإتلاف مئات الأفلام. ويتوقف في البداية أمام صورة تظهر علب الأفلام التي يعلوها الصدأ، ويذكر أنه استعان بالكثير من شرائط الفيديو من نوع VHS التي طبعت عليها هذه الأفلام.

مخرج الفيلم هو سعيد نوري، من مواليد 1974، درس السينما في جامعة طهران، ثم ذهب إلى فرنسا حيث واصل دراساته السينمائية وحصل على درجة الدكتوراه في السينما عام 2013 وعاد إلى إيران. وفيلمه التسجيلي الطويل الأول هو خلاصة مشاهدة مئات الأفلام الإيرانية القديمة الممنوعة تماما في إيران منذ الثورة الإسلامية، ومن واقع المتوفر على شرائط الفيديو وقد شاهد نحو 10 آلاف ساعة، تمكّن من إعداد فيلمه الذي يوثّق لصورة المرأة في السينما التجارية. ورغم أنه أجرى مقابلات مع عدد كبير من السينمائيين الذين عملوا في السينما في إيران، إلاّ أن فيلمه يخلو من المقابلات المصوّرة ويعتمد على التعليق المباشر بصوته.

الفيلم يقدّم صورة شديدة السلبية عن الأفلام التجارية الشعبية الإيرانية، فهو من البداية يتعامل معها من منطلق رصد النظرة الذكورية لصناعها “الرجال” إلى المرأة الإيرانية، فهو يختار مشاهد محددة قصيرة من 120 فيلما تصوّر 70 موضوعا تتعلق بالمرأة منذ بدايات السينما الناطقة في إيران، إلى حين توقف هذه السينما عام 1979 بموجب التعليمات التي أصدرها الخميني بأن السينما يجب أن تعكس قيم المجتمع الإسلامي، وفرضت بالتالي رقابة مشدّدة على الإنتاج الإيراني وعلى جميع الأفلام الأجنبية التي يتم استيرادها.

تجسيد الحداثة والتقليد في فيلم إيراني قديم
تجسيد الحداثة والتقليد في فيلم إيراني قديم

لكن الفيلم لا يقول ذلك، ولا يبدو نقديا كما يتوقع المرء، بل يميل إلى عرض صورة لماضي السينما الإيرانية لكي يدين نظرتها المتدنية للمرأة،
حسب رأيه. يصوّر الفيلم خلال استعراض صورة المرأة، أفلام الماضي التجارية، كيف كانت تمتلئ بالقصص الميلودرامية والمطاردات وجرائم القتل والمخدرات والجنس والعنف والزواج القسري والحمل والإجهاض وتمزق المرأة الإيرانية بين الحداثة والتقاليد.

الفيلم من إنتاج شركة خاصة إيرانية بالتعاون مع أرشيف السينما في إيران، أي أنه أنتج بمباركة السلطة الرسمية. وقد ذكّرني الفيلم الذي شهد مهرجان روتردام عرضه العالمي الأول، بحوار دار بيني وبين الممثل الإيراني الشهير أحمد نجفي في عام 2012 عندما تزاملنا في عضوية لجنة تحكيم مهرجان طهران للأفلام التسجيلية والقصيرة.

كان أحمد نجفي (مواليد 1948) من كبار نجوم السينما في إيران. وقد وجدته متفتحا، وعلمت أنه درس في الولايات المتحدة، وأخبرني أنه متزوج من أوكرانية، وأنه يتمتع بحرية السفر للخارج، وكان يدخن كثيرا ويتحدث كثيرا، ويلقي بالنكات، على العكس من زميله في اللجنة، الذي كان مخرجا إيرانيا شديد التزمت يميل إلى التشكك في الغرباء بشكل عام.

هروب جماعي

بعد صعود الخميني إلى سدة الحكم غادرت الممثلة شهرت أغداشلو إيران إلى لندن ثم إلى الولايات المتحدة حيث عملت في هوليوود
بعد صعود الخميني إلى سدة الحكم غادرت الممثلة شهرت أغداشلو إيران إلى لندن ثم إلى الولايات المتحدة حيث عملت في هوليوود

سألت أحمد نجفي عن الرقابة على السينما، وقلت له إن السينما لكي تكون “طبيعية” يجب أن تتضمن أنواعا مختلفة من الأفلام، وليس نوعا واحدا، وأنه لا يجب أن تخضع لمعايير “أخلاقية”، وذكّرته بالسينما الإيرانية القديمة في زمن الشاه التي كانت تتمتع بالحرية في التعبير وبالسينمائيين الإيرانيين المرموقين أمثال مسعود كيميائي وسوهراب شهيد سالاس ودريوش مهروجي وبهرام بيزالي.

وقد انبرى أحمد نجفي الذي أصبح من “أهل الثقة” وتولّى منصبا رسميا، يدافع بشدة وحماسة عن الوضع السينمائي القائم، ويبدي تقزّزه ورفضه للأفلام الإيرانية التي كانت تصنع قبل الثورة، ويتهمها بالتعفّن والسقوط في النمطية التجارية ويردّد نفس ما يتردّد في فيلم “النساء حسب نظرة الرجال”، أي أن هذه الأفلام كانت تصوّر الجنس والعنف والمخدرات والجريمة، ولم تكن لها قيمة فنيه!

ولم يكن ما قاله بالطبع مفاجئا لي كونه صدر عن مسؤول رسمي في الدولة يتمتع بما لا يتمتع به المواطنون الإيرانيون العاديون البسطاء أو السينمائيون الراغبون في تجاوز قيود الرقابة.

ورغم أن الفيلم الذي أشرتُ إليه يدين بشكل واضح، أفلام ما قبل الثورة إلاّ أنه في الوقت نفسه، يعترف بأن هناك من نجوم السينما الإيرانية ومشاهيرها من أرغم على التوقف عن العمل. ومن بين هؤلاء ممثلة انتحرت. أما النجمة الشهيرة بوري بانياي التي قامت ببطولة 85 فيلما، فقد توقفت تماما عن العمل بعد 1979، وظهرت ككومبارس صامت في لقطة واحدة من فيلم “شيرين” لعباس كياروستامي (2008).

وغادرت الممثلة شهرت أغداشلو إيران إلى لندن ثم إلى الولايات المتحدة حيث عملت في هوليوود، وفرّت سوزان تسليمي من إيران بعد ثورة الخميني إلى السويد، وغيرهن كثيرات، بل وغادر أهم مخرجي إيران محسن مخملباف البلاد لكي يتمتع بالحرية حيث يقيم مع عائلته في فرنسا.

15