مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي لا يزال يبحث عن صالة عرض

جدل يصاحب اختتام مهرجان عنابة المتوسطي بسبب شح الموارد المالية الموجهة للفعل الثقافي والافتقاد إلى صالات عرض في مستوى مهرجان إقليمي.
السبت 2018/03/31
"إلى آخر الزمان" فيلم عن فلسفة الحياة

الجزائر - انتقد مختصون وسياسيون استمرار وزارة الثقافة الجزائرية في ممارسة الدعاية الفلكلورية للفعاليات الفنية والثقافية وتوظيفها في أغراض لخدمة أجندات ضيقة على حساب العمل الإبداعي والجهد الفني، بدل الاهتمام بالمرافق والهياكل الضرورية.

واستند هؤلاء إلى استمرار تنظيم مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي في المسرح الجهوي بالمدينة، بسبب افتقاد عنابة بكاملها لصالة عرض سينمائي بمقاييس محترمة، لاحتضان العروض والمحاضرات ومختلف الأنشطة، فرغم مرور ثلاث دورات على التظاهرة التي انتهت فعاليتها مؤخرا، لا يزال المهرجان يبحث عن صالة عرض.

وأعاب نواب برلمانيون، على وزارة الثقافة الجزائرية العجز عن ترميم وبعث صالات العرض وقاعات السينما، التي باتت تعد على أصابع اليد الواحدة على المستوى الوطني، بينما كانت خلال سنوات الاستقلال الأولى تعد بالعشرات، بسبب غياب التهيئة والتسيير الناجع، ولم تتمكن حتى من تأهيل صالة واحدة لتكون في مستوى مهرجان سينمائي بمدينة عنابة.

ورغم الرسائل التي حاولت الوصاية ترويجها عن المهرجان، إلاّ أن الدورة الثالثة لمهرجان عنابة جاءت مخيّبة لعشاق الفن السابع والمختصين، بسبب الغياب اللافت للنجوم والنقاد وحتى الإعلاميين، الناجم عن تواضع الإمكانيات المالية لإدارة المهرجان، بعد انتهاج الحكومة لسياسة تقشف عصفت بالتظاهرات والمهرجانات الفنية والثقافية، فضلا عن غياب الدعاية المحترفة التي تسوّق لصورة المهرجان في المحافل المختصة ولدى الجمهور المتوسطي.

ياسمين شويخ انطلقت في فيلمها المتوج من معادلة فلسفية تقوم على بعث الأمل من الموت
ياسمين شويخ انطلقت في فيلمها المتوج من معادلة فلسفية تقوم على بعث الأمل من الموت

بين موت وحياة

توج الفيلم الجزائري “إلى آخر الزمان” للمخرجة ياسمين شويخ، بجائزة “العناب الذهبي” لأحسن فيلم روائي في فعاليات المهرجان، إلى جانب جوائز أخرى تنافس عليها أكثر من عمل سينمائي من 17 دولة تنتمي لحوض المتوسط، وبحضور شرفي لدولة بلجيكا.

وحصل الفيلم على هذه الجائزة بعد أن وفّقت المخرجة ياسمين شويخ في طرح معادلة فلسفية تقوم على بعث الأمل من الموت، فالفيلم الذي تنطلق أحداثه من مقبرة ومن جنازة تبث معالم اليأس، ينتهي إلى قصة حب وتجديد الحياة بين حارس المقبرة وشقيقة المتوفاة.

وحصلت الممثلة الجزائرية جميلة عراس على جائزة أحسن دور نسوي عن بطولتها في فيلم “إلى آخر الزمان”، بعد أن وفّقت في تقمّص شخصية فقدت الأمل بعد وفاة أختها، إلاّ أن تردّدها على المقبرة ولقاءاتها المتكرّرة مع حارس المقبرة، المنطوي على مأساة إنسانية أخرى، فتحا المجال لبناء تجربة حب وأمل في هذه الحياة.

وفي حيّز زمني يناهز ساعة وثلث الساعة، حبكت ياسمين شويخ، أحداث الفيلم التي تجري داخل مقبرة “سيدي بولقبور”، حيث بدا كل شيء جاهزا لاستقبال العائلات الوافدة إليها بمناسبة الزيارة الموسمية للترحّم على أرواح موتاها.

وداخل الحافلة، التي تقل العائلات إلى المقبرة، توجد “جوهر” البالغة من العمر 60 عاما، حيث قرّرت بعد فقدان زوجها الذهاب لأول مرة إلى مقبرة “سيدي بولقبور” لزيارة قبر شقيقتها.

وتحت مفعول الذاكرة تستعيد جوهر أحداث الماضي مع شقيقتها، ومع مرور الزمن تصبح البطلة أقرب إلى حياة الموتى أكثر من حياة الأحياء، لتفاعلها المستمر مع ذكريات مشتركة مع شقيقتها، ويزداد احتكاكها وارتباطها أكثر مع شقيقتها، إلى أن تطلب من حارس المقبرة وحفار القبور، أن يجهّز لها قبرا يضمها إلى الأبد لتصبح فعلا من العالم الآخر، وتتمكن من لقاء شقيقتها.

إلاّ أن مشروع الاستعداد للعالم الآخر وتجهيز القبر، سرعان ما يتوقفا فجأة، حين تقع جوهر في حب علي حفار القبور، بعد أن سرد لها تفاصيل حياته البائسة وعدم زواجه رغم بلوغه الستين، وتنقلب مشاعر البطلة من النقيض إلى النقيض، خاصة حين تكتشف أن علي يبادلها نفس الشعور، الذي يدفع بهما إلى صناعة رؤية جديدة للحياة.

وذكرت مصادر مطلعة لـ”العرب” أن خلافا حادا نشب بين البطلة جميلة عراس والشركة المنتجة للفيلم، المملوكة لعائلة شويخ، بسبب تهميشها في مهرجان عنابة، والظروف التي جرى فيها تصوير الفيلم في مدينة مستغانم، حيث تعرّضت إلى ما أسمته بـ”الإهانة ” خلال عملية التصوير.

وقالت جميلة عراس “طردت من غرفة الفندق، بسبب عدم تغطية الشركة لنفقات الإيجار، ولم تتكفل بي خلال الوعكة الصحية التي تعرّضت لها، ولولا فاعلي الخير والناشطين في مدينة مستغانم لتشرّدت ورميت في الشارع، ولم أكن حتى مؤمّنة”.

وتابعت “اطلعت على جائزة أحسن دور نسائي وأنا في مطبخ البيت، ومن خلال اتصال صديقة لي، ولم أكن حاضرة في مهرجان عنابة، لأن شركة الإنتاج لم تتكفل بنقل طاقم الفيلم، وما علمته أنه لما تم الإعلان صعدت إحدى الزميلات لاستلام الجائزة”.

عز الدين ميهوبي: تفاعل الجمهور مع مهرجان عنابة حول المدينة إلى عنوان سينمائي ثابت
عز الدين ميهوبي: تفاعل الجمهور مع مهرجان عنابة حول المدينة إلى عنوان سينمائي ثابت

هيمنة جزائرية

على هامش حفل اختتام مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، كشف وزير الثقافة الجزائري عزالدين ميهوبي أن دائرته الوزارية بصدد استحداث مؤسسة للتوزيع واستغلال قاعات السينما، وقد تم تكليف فريق عمل بوكالة الإشعاع الثقافي لوضع شبكة وطنية لقاعات السينما قصد تأهيلها واستغلالها لفائدة السينما والجمهور.

وأشاد بتفاعل الجمهور مع مهرجان عنابة، الذي حول “جوهرة المتوسط إلى عنوان من عناوين السينما ببلدان المنطقة، وأن احتضان الجمهور والسينمائيين وهواة الفن السابع، لهذا الموعد الثقافي والفني يمثل خطوة كبيرة في مسعى لاستعادة جمهور الفن السابع ورد الاعتبار للسينما الجزائرية، بينما تحدثت مصادر محلية عن غضب رواد القاعات من مشاهد خادشة للحياء في بعض الأعمال المعروضة.

وثمّن وزير الثقافة الآثار الهامة للمهرجان في مجال التكوين، قياسا بما تتيحه مثل هذه الفرص من إمكانيات لتنشئة جيل من السينمائيين يحمل المشعل من الذين قدّموا ما عليهم للسينما الجزائرية.

وكان محافظ المهرجان سعيد ولد خليفة، قد هوّن من مخاوف فشل المهرجان في استقطاب الأسماء والأعمال الفنية والسينمائية، بسبب تقلص موازنته إلى أكثر من النصف، وشدّد على أن الإمكانيات المالية لا تؤثر على جودة ونوعية الأعمال المبرمجة للعرض أو المنافسة في الطبعة الثالثة، ولو أنه لم ينف تأثير ذلك على وزن الشخصيات والفنانين الذين وجّهت لهم الدعوة للحضور.

وقال “لقد تداول على حيازة صفة ضيف المهرجان كل من دولة تشيلي وإيران ثم بلجيكا في طبعات المهرجان الثلاث، وهي دول من خارج حوض المتوسط، وذلك وفق ما تمليه النصوص الداخلية للمهرجان ولجنة التحكيم، وكان الحضور البلجيكي بفيلم ناطق باللغة العربية، وتؤدي فيه دور البطولة الممثلة الفلسطينية هيام عباس، ويتناول الوضع الراهن في منطقة الشرق الأوسط، وقد حاز على 15 تتويجا في مختلف المحافل الفنية والسينمائية”.

وأمام الهيمنة الجزائرية على جوائز المهرجان، عادت جائزة “العناب الفضي” للفيلم الإسباني الطويل “صيف 93” للمخرجة كارلا سيمون، أما جائزة أحسن دور رجالي فقد كانت من نصيب الممثل المصري أحمد الفيشاوي عن دوره في فيلم “شيخ جاكسون” للمخرج عمر سلامة، فيما حاز الإيطالي جوناس كابينيانو على جائزة أحسن مخرج عن فيلمه “في كامبيريا”.

وفي المنافسة الوطنية الخاصة بالأفلام القصيرة التي تم إدراجها لأول مرة في المهرجان، فقد عادت جائزة العناب الذهبي للفيلم القصير “ما أحلى أن نعيش” للمخرج الجزائري إسكندر رامي علوي، وعادت جائزة العناب الفضي لمواطنه محمد بن عبدالله عن فيلم “دهميس”.

وفيما يتعلق بالأفلام الوثائقية الطويلة، فقد عادت الجائزة الكبرى للفيلم الفرنسي “مربع 35” للمخرج إيريك كارافاكا، وجائزة الجمهور للفيلم الفلسطيني “اصطياد الأشباح” للمخرج رائد أندوني، كما حظي كل من الفيلمين الوثائقيين الجزائريين “كباش ورجال” لكريم صياد و”اهتم بحالك” لمحمد لخضر تاتي، بتنويهين خاصين من قبل لجنة التحكيم الخاصة بالأفلام الوثائقية.

13