مهرجان فينيسيا يعرض فيلمين جديدين للإسرائيلي عاموس غيتاي

رسالة عاموس غيتاي تحمل اعترافا بمعاناة الفلسطينيين وإدانة لما تفعله إسرائيل في غزة عبر نسيج سعري سينمائي.
الجمعة 2018/09/07
ماتيو أمالريك وابنه يتعرضان إلى هرسلة في "ترام في القدس"

شاركت في الدورة الـ75 من مهرجان فينيسيا السينمائي التي تختتم في الثامن من سبتمبر الجاري ثلاثة أفلام من إسرائيل، وفيلمان من فلسطين أو على الأقل يمثلان مخرجيهما الفلسطينيين، أحدهما من الضفة والثاني من داخل الأرض المحتلة، أي إسرائيل.

 فينيسيا (إيطاليا) - قدّمت الدورة الـ75 لمهرجان فينيسيا السينمائي ثلاثة أفلام من إسرائيل، أولها الفيلم الإسرائيلي الروائي الطويل “تعرية” للمخرج أرون شاني، وهو فيلم من نوع الدراما النفسية لا علاقة له بالصراع العربي الإسرائيلي، ثم هناك فيلمان للمخرج الشهير عاموس غيتاي الذي عرف بأفلامه المثيرة للجدل والتي تنتمي إلى الموجة “النقدية” في السينما الإسرائيلية، أي تلك التي تعترف بالمأزق الذي تعيشه إسرائيل بسبب احتلالها الأراضي الفلسطينية، وما يترتب على هذا الاحتلال من تداعيات سياسية واجتماعية وسيكولوجية مدمرة تظهر الشخصية الإسرائيلية في عيون العالم كشخصية عدوانية تتبنى نفس السياسات العنصرية العنيفة التي عرفها اليهود وعانوا منها في أوروبا تحت الاحتلال النازي وفي ألمانيا النازية.

عاموس غيتاي الذي يتمتع بصداقة شخصية مع مدير مهرجان فينيسيا ألبرتو باربيرا، يعود إلى المهرجان ليشارك خارج المسابقة الرسمية، بل وخارج مسابقة قسم “آفاق” بفيلمين، أولهما فيلم قصير بعنوان “رسالة إلى صديق في غزة” (34 دقيقة)، والثاني الفيلم الطويل “ترام في القدس” (94 دقيقة) Tramway in Jerusalem.

ومن فلسطين حضر أولا فيلم “تل أبيب ع نار”، وهذا حرفيا اسمه بالعربية كما أراده مخرجه سامح زعبي، وهو من مخرجي الداخل (الإسرائيلي) من مواليد الناصرة، درس السينما في نيويورك ويقوم حاليا بتدريس السينما في جامعتها ويقيم في حي بروكين.

وفيلمه من تلك الأفلام التي يتعاون فيها الفلسطينيون والإسرائيليون وتحصل على تمويل إسرائيلي من الجهات الرسمية مثل صندوق الدعم السينمائي الإسرائيلي والمجلس الإسرائيلي للسينما، ويشارك فيها ممثلون فلسطينيون يسمونهم، بل ويطلقون هم أيضا على أنفسهم (عرب إسرائيل، وليس فلسطينيي الـ48 كما ينبغي)، لكن هذا موضوع آخر معقد.

أما الفيلم الفلسطيني الثاني، فهو من الإنتاج الفلسطيني ويمثل الضفة الغربية (رام الله) وهو فيلم “مفك” للمخرج بسام الجرباوي وبطولة زياد ركري.

تجريبية غيتاي

عاموس غيتاي ينتصر لفكرة أن يظل "الترام" يجمع الجميع من دون سؤال الهوية والانتماء العرقي، فهو يرى أن القدس يجب أن تكون هي الهوية
عاموس غيتاي ينتصر لفكرة أن يظل "الترام" يجمع الجميع من دون سؤال الهوية والانتماء العرقي، فهو يرى أن القدس يجب أن تكون هي الهوية

عاموس غيتاي المهموم دوما ببحث إشكالية العلاقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، هو خير من يعبر عن عقدة الشعور بالذنب التي تتجسد عند شريحة ما من مثقفي اليسار في إسرائيل تجاه التعامل الإسرائيلي الرسمي مع الفلسطينيين داخل وخارج الخط الأخضر، يصوّر في فيلم “رسالة إلى صديق في غزة” فكرة تجريبية خالصة تتسق مع أسلوبه الشكلاني، يريد من خلالها أن يصنع نسيجا شعريا سينمائيا، استنادا إلى مرجعية شعرية عند كل من الطرف الفلسطيني ممثلا في شعر محمود درويش أساسا، ورواية إميل حبيبي الشهيرة “المتشائل” ومن الطرف الإسرائيلي في أشعار يتسار سميلانسكي، ومقال للكاتبة الإسرائيلية أميرة هاس كانت قد نشرته في صحيفة “هاراتس” توجه فيه اتهاما إلى القوات الإسرائيلية التي تفرض حصارا على قطاع غزة، وتتعامل بقسوة مفرطة مع المحتجين الفلسطينيين.

يقرأ الأشعار والمقال في الفيلم أربعة من الممثلين: اثنان من الجانب الفلسطيني هما مكرم خوري وكلارا خوري، واثنان من الجانب الإسرائيلي هما هيلا فيدور وعاموس غيتاي نفسه الذي يظهر كثيرا في الفيلم في مقاطع أخرى، ينصت ويهز رأسه استحسانا لما يستمع إليه.

والمقاطع المختارة من شعر محمود درويش تصوّر الحالة الفلسطينية الوجودية، وتفضح العنف الإسرائيلي المجنون، والمقاطع من رواية إميل حبيبي تصوّر حالة العبث المجنون التي تعكس المأزق المشارك، ومقال أميرة هاس الذي يحمل عنوان “كنت فقط أنفذ الأوامر: ماذا ستقول لأبنائك؟”، يسخر من الفكرة المتكررة التي كان يستخدمها النازيون بعد سقوط النازية تبريرا لممارساتهم الإجرامية بدعوى أنهم كانوا فقط “ينفذون الأوامر”.

يمزج الفيلم بين مقاطع القراءات الشعرية والأدبية وبين صور من الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين في غزة، ولكن في سياق أسلوب غيتاي التجريبي الذي يرغب في جعل فيلمه يرتفع إلى مستوى القصيدة، فهو يستخدم الانتقال الناعم والمزج بين اللقطات، ويركز بوجه خاص على وجوه الممثلين لتقريب المتفرج من انفعالاتهم وإحساسهم بالكلمات وإيقاعها.

والفيلم الذي يتخذ شكل القصيدة التي تتداخل فيها الصور مع المعاني التي تعبر عنها مقاطع الأشعار (كثيرا ما نسمع صوت محمود درويش أيضا)، يتخذ عنوانه من الرسالة الشهيرة التي كتبها الكاتب الفرنسي ألبير كامي عام 1943، أي خلال الحرب العالمية الثانية بعنوان “رسالة إلى صديق في ألمانيا”، ولكن على حين كانت رسالة كامي تحمل إدانة للألمان، تحمل رسالة غيتاي اعترافا بمعاناة الفلسطينيين وإدانة لما تفعله إسرائيل في غزة.

ترام القدس

مكرم خوري وشاعرية فلسطينية في "رسالة إلى صديق في غزة"
مكرم خوري وشاعرية فلسطينية في "رسالة إلى صديق في غزة"

على غرار هذا الأسلوب نفسه يصنع غيتاي فيلمه الثاني “ترام في القدس” داخل الترام الذي يربط بين أحياء مختلفة من مدينة القدس، تتناوب على ركوبه شخصيات مختلفة من الإسرائيليين والفلسطينيين، يتوقف عند المحطات التي توجد في شرق المدينة وغربها، نسمع أسماءها تعلن من جهاز التسجيل الآلي داخل القطار.

وفي لقطة متوسطة يحصر غيتاي كل شخصية من الشخصيات التي تظهر، تتكلم، تغني، وأحيانا تتحاور أو تواجه مأزقا ما، ويستخدم غيتاي عددا من الممثلين، منهم من يقوم بدوره الحقيقي في الحياة في سياق تسجيلي، ولكن في قالب كوميدي ساخر يعكس عبثية التناقضات القائمة، وهوس الشك والتشكك، والرغبة المحمومة في إثبات التفوق وتبرير الذات، وإبراز الجرأة الفلسطينية والثقة التي تتحدى النسق الأمني الهش بصلابة مدهشة.

الكاميرا لا تكاد تتحرك كثيرا داخل الترام، بل تظل مركزة على الشخصية التي تواجهها بحيث ترصد انفعالاتها، ويبدو هناك نوع من الارتجال في الحوارات الطريفة التي تتردد على ألسنة الشخصيات بلغات عديدة مختلفة منها العبري والعربي والإنكليزي والفرنسي.

وفي أحد أفضل مقاطع الفيلم يظهر الممثل الفرنسي الشهير ماتيو أمالريك يقرأ أولا على ابنه الطفل الصغير (وهو ابنه الحقيقي) مقاطع مما كتبه غوستاف فلوبير عن القدس في سياق علماني مناهض للطابع الديني الذي اتخذته المدينة وأصبح سمة مميزة لها.

ولكن سرعان ما يحاصر الممثل الفرنسي رجل وزوجته من الإسرائيليين من راكبي الترام، يوجهان إليه الكثير من الأسئلة المدفقة المندفعة قبل أن يستمعا لإجاباته وقبل أن يكمل فكرة واحدة، وتدور الأسئلة حول القدس وإسرائيل، وما أعجبه فيها. وعندما يأخذ الرجل في الحديث عن جمال الطقس والمناظر الطبيعية، تحدثه المرأة في مونولوغ محموم عن قوة البحرية الإسرائيلية، وعن الصواريخ الحديثة التي يمتلكها الجيش، وكيف أنه عندما ينطلق الجيش في مهمة ما لا يعود إلا منتصرا، فهذا مكتوب عليه وإلاّ حدث ما لا تحمد عقباه.

الرجل يستمع وهو في حالة ذهول ونفور ممّا يسمع، لكنه يتحلى بالأدب الجم بينما يلهو ابنه غير عابئ بما يدور من حوله داخل القطار، وفي لحظة ما تشعر أن الرجل (الذي يتحدث بالإنكليزية هنا) أصبح يخشى عواقب تلك الهستيريا التي لا تعرف حدودا.

وكلما وجها إليه سؤالا أخذ هو يتحدث عن الطقس وزرقة مياه البحر، لكنهما يعودان طوال الوقت إلى التغني بالقوة الإسرائيلية، يريدانه أن يعترف ويقر بحق إسرائيل في استخدام القوة، وهو يتهرب بوضوح من هذا الموضوع، وكأن الإسرائيليين يعكسان شعورا ما بالخوف من نظرة الآخر الغريب إليهما، ويرغبان في “تبرير” العنف الإسرائيلي أمام الزائرين.

وفي مشهد آخر من فيلم “ترام في القدس” تظهر الممثلة الفلسطينية ميساء عبدالهادي التي تشارك أيضا في التمثيل في الفيلم الفلسطيني-الإسرائيلي “نار ع تل أبيب”، تقف مع صديقة لها في أحد جوانب العربة، يشتبه فيها ضابط أمن يظهر فجأة يريد الاطلاع على هويتها.

تقول إنها تحمل الجنسية الهولندية وتعطيه جواز سفرها الهولندي، لكنه لا يصدقها فيطلب منها التحدث بالهولندية، لكنها تقول إنها لا تعرف الهولندية، لكنها هولندية الجنسية فلسطينية الهوية تقيم في القدس، ويستمر هذا الحوار العبثي إلى أن يشعر الضابط باليأس فيعيد إليها وإلى صديقتها جوازي سفرهما.

سؤال الهوية

سينما التكفير عن الذنب الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين
سينما التكفير عن الذنب الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين

في مشهد آخر يصعد إلى الترام شاب فلسطيني ينتقل بين الراكبين، وهو يغني إحدى أغاني الراب الفلسطينية التي تسخر منهم ومن الاحتلال والقمع ويتغنى بفلسطين، ويؤكد أن النصر سيكون حليفا لهم في النهاية، كل هذا والإسرائيليون الجالسون الذين يصب عليهم اللعنات ويسخر منهم ومن جيشهم ومن حماقاتهم من خلال كلمات “الراب” الفلسطيني، لا يفقهون شيئا لأنهم لا يعرفون اللغة العربية.

وهناك أيضا الشاب الفلسطيني الذي تتشكك فيه شابة إسرائيلية تريده أن يبتعد عنها بينما هو لم يلمسها أصلا، وهي تسأله عن لهجته وتسخر منه عندما تعرف أنه “عربي”، وتخرج من جوفها كل أشكال الغضب والحقد والعنصرية ويأتي ضابط الأمن لكي يعتقله وينزله من القطار، ثم نشاهد كيف تندمج مجموعة من “دراويش” يهود الحساديم في ترديد أغانيهم التي يفرضونها فرضا على راكبي الترام دون أن يشعروا بوجودهم، ثم نرى رجلا آخر يهوديا تستبد به الرغبة فجأة فيريد أن يضاجع زوجته داخل الترام، لكنها تصده وتوقفه.

“ترام” عاموس غيتاي رغم ما يعرضه من تناقضات، يبدو من ناحية الشكل كما لو كان قطارا خاصا لأبناء الطبقة الوسطى (رجال يصطحبون نساءهم اللاتي يرتدين الملابس الفخمة ومعاطف الفراء، كما لو كنّ ذاهبات لقضاء سهرة في المسرح)، بل وحتى النماذج الفلسطينية التي تظهر داخل العربة تبدو ميسورة الحال، ومن ناحية اللغة والشكل والأسلوب يبدو الفيلم كما لو كان يدور في برلين العشرينات، لا في إسرائيل الزمن المضارع، لكن التجربة طريفة وتتميز بروح المرح والسخرية السوداء، والفيلم بوجه عام يضيف زاوية جديدة إلى سينما غيتاي الذي لا يكف عن التجريب.

إنه قطار رمزي أكثر منه واقعيا، فهو يعكس رؤية غيتاي “اليوتوبية” التي سبق أن عبر عنها في عدد من أفلامه السابقة، وهي أن يتمكن كل سكان مدينة القدس من العيش معا في المستقبل في سلام، على أن يقبل كل منهم الآخر، في اختلافه الديني أو العرقي عنه، على أن يظل “الترام” يجمع الجميع من دون سؤال الهوية والانتماء العرقي، فهو يرى أن القدس يجب أن تكون هي الهوية.

أما الفيلمان الفلسطينيان، فهما يقتضيان منا وقفة في مقال قادم.

16