مهرجان قرطاج السينمائي يفقد طابعه الثقافي

الأربعاء 2014/12/10

تكشف دورة مهرجان قرطاج السينمائي التي اختتمت في السادس من الشهر الجاري، عمق الأزمة التي وصل إليها هذا المهرجان بعد مرور 48 عاما على تأسيسه وإقامته بشكل دوري، مرة كل عامين.

المهرجان الذي يخصص مسابقته للأفلام العربية والأفريقية، لم يعد يجد أفلاما جديدة كافية تجعله قادرا على التنافس، أو حتى التكامل مع غيره من المهرجانات التي أصبحت تملك القدرة على استقدام الكثير من الأفلام “العربية” الجديدة والجيّدة، وعلى تقديم الدعم المادي المباشر للأفلام الطليعية العربية التي تجنح في اتجاه الفيلم الفني، مبتعدة عن الطابع التجاري أو طابع سينما التسلية من خلال الإفراط في الهزل!

كانت أهمية مهرجان قرطاج السينمائي تكمن في طابعه الثقافي، أي في اهتمامه بالتركيز على قضايا ثقافية تهمّ صناع السينما في العالم العربي وفي القارة الأفريقية، بل وفي العالم الثالث بوجه عام.

وكان يتميز بما يدور خلاله من مناقشات تتخذ أحيانا طابع المؤتمرات المفتوحة أمام الجميع للمشاركة فيها، وبشكل منظم، وكان المشرفون على التنظيم يلتزمون بالترجمة الفورية إلى اللغة العربية، فأصبح اليوم لا يهتمّ سوى بكثرة العروض وكثرة الأفلام، ولا يركز على الهوية الوطنية الخاصة للسينما العربية والأفريقية، بقدر ما يشغل القائمين عليه الطابع “الكوزموبوليتاني” أو “الفرونكفوني”.

ويجنح المهرجان إلى المناقشات الصغيرة شبه المغلقة، أو الاهتمام بالسينما البعيدة عن مجال اهتماماته الثقافية، مثل السينما الرومانية والتشيلية التي خصص لهما عروضا كثيرة، أكثر من اهتمامه بالسينما الوطنية.

كما غابت عن فضائه تلك المؤتمرات الثقافية المهمة التي كانت تطرح الكثير من القضايا للنقاش في حضور النقاد والمخرجين ذوي القيمة والتأثير، بل يبدو أنه لم يعد يقيم وزنا لوجود النقاد العرب الفاعلين.

وبعد أن كان ناقدا مهما مثل عدنان مدانات مثلا عضوا في لجنة تحكيمه الدولية خلال دورة 1986، أصبح المهرجان أكثر اهتماما بأن تضمّ اللجنة نجمة مثل منة شلبي. وبدلا من المناقشات النقدية حول التحديات التي تواجه الفيلم العربي والأفريقي حاليا، أصبح يهتمّ -كما حدث- بتخصيص لقاء خاص مع النجمة ليلى علوي!

صحيح أنه كانت هناك “مائدة مستديرة”، لكنها لم تهتمّ ببحث القضايا النظرية المهمّة التي تشغل بال النقاد في العالم، بل كانت مخصصة للموزعين والمنتجين، وكأن الاهتمامات الخاصة لمديرة المهرجان، وهي منتجة سينمائية، أصبحت تفرض نفسها على اهتمامات المهرجان وفعالياته.

ولم يعد المهرجان يحرص على وجود النقاد العرب المعروفين باهتمامهم بالسينما العربية، والذين لعبوا دورا بارزا في دعمها خلال السنوات الثلاثين الماضية، بقدر حرصه على استقدام عشرات من صحفيي المنوعات والأخبار الفنية، الذين يكتفون عادة بنشر الصور والمقابلات والأخبار السريعة عن المهرجان. وهو أمر مؤسف يساهم أكثر في تراجع مهرجان كنا نعتبره مثالا للمهرجان السينمائي الثقافي.

لقد أصبح مهرجان قرطاج السينمائي يقام، ليس كما كان في الماضي، أي ليس كضرورة ثقافية وكفعالية سينمائية عربية تجمع السينمائيين العرب والأفارقة، بل كحدث اعتيادي يقام بتكاسل وبشكل روتيني، لا يحمل داخله أيّة رغبة حقيقية في التجديد والتطوير. وهو أمر مؤسف بالطبع!


ناقد سينمائي من مصر

16