مهرجان كان يخوض معاركه على أرضية خاسرة

أفلام شركة نيتفليكس تغيب بعد انسحابها من المهرجان ومصر ولبنان في المسابقة الرسمية، وفيلم الافتتاح إسباني لمخرج إيراني.
الجمعة 2018/04/13
من فيلم الافتتاح "الكل يعلم"

أسابيع قليلة تفصلنا عن انعقاد الدورة الحادية والسبعين من مهرجان كان السينمائي، لكن مع الإعلان عن الأفلام المشاركة واستبعاد بعض الأعمال من المسابقة الرسمية، قامت شركة الإنتاج نيتفليكس بسحب أفلامها، ما يضع المهرجان في حرج كبير، ويدعوه إلى تطوير أساليب عمله مع بداية عقده الثامن.

أعلن تيري فريمو المدير الفني لمهرجان كان القائمة الأولية للأفلام التي ستعرض في برنامجه الرسمي “المسابقة وخارج المسابقة ونظرة ما” ولكن هذه القائمة كما جرت العادة طيلة السنوات العشر الأخيرة، قابلة للإضافة ولاشك أن هناك مزيدا من الأفلام ستضاف إليها قبل افتتاح الدورة في الثامن من مايو المقبل.

فيلم الافتتاح هو “الكل يعلم” Everybody Knows وهو فيلم إسباني من إخراج الإيراني المرموق أصغر فرهادي الذي حاز مرتين على جائزة الأوسكار، كما حصل على جوائز أخرى من مهرجان كان نفسه.

وفي المسابقة للمرة الأولى فيلمان أولهما من مصر وهو “يوم الدين” أول أفلام المخرج الشاب أبوبكر شوقي، وفيلم “كفر نعوم” للمخرج اللبنانية نادين لبكي وهو من الإنتاج الفرنسي.

ولن أكتب في تحليل المسابقة وأفلامها إلا بعد أن تصبح القائمة مكتملة، ويكفي في الوقت الحالي أن أنوه بعودة علم من أعلام السينما الفرنسية وهو المخرج جان لوك غودار (87 عاما) إلى المسابقة بفيلم جديد  هو “كتاب الصورة”. وترأس لجنة تحكيم المسابقة الممثلة الأسترالية كيت بلانشيت.

كيت بلانشيت..  وقع اختيار منظمي مهرجان كان السينمائي على الممثلة الأسترالية المعروفة بنشاطها في مكافحة التحرش الجنسي، رئيسة للجنة تحكيم الدورة الحالية الحادية والسبعين
كيت بلانشيت..  وقع اختيار منظمي مهرجان كان السينمائي على الممثلة الأسترالية المعروفة بنشاطها في مكافحة التحرش الجنسي، رئيسة للجنة تحكيم الدورة الحالية الحادية والسبعين

مشكلات المهرجان

من أكبر المشكلات التي يواجهها مهرجان كان السينمائي هذا العام، تأتي أساسا بسبب الحروب التي شنها المدير الفني للمهرجان تيري فريمو، ضد الصحافيين من جهة، وضد شبكات الإنتاج التلفزيوني والبث عبر وسائل الميديا الجديدة من جهة أخرى.

في العام الماضي أثار عرض بعض فيلمين من أفلام شركة نيتفليكس ضجة كبرى واحتجاجات جاءت أساسا من جانب شركات التوزيع الفرنسية التي وجدت أن مشاركة مثل هذه الأفلام (الأميركية) التي صنعت أساسا للبث عبر التلفزيون بطريقة “ادفع تشاهد” أو عبر شبكة الإنترنت، تضر بصناعة السينما وتحتل تدريجيا مكان ومكانة الفيلم السينمائي المصنوع خصيصا للعرض في قاعات السينما.

ولم يكن الأمر يتعلق تحديدا بتقنية التصوير، ما بين استخدام الكاميرا السينمائية مقاس 35 مم أو التصوير بالكاميرات الرقمية المتقدمة، بل كان أساسا يتعلق بوسيلة العرض. ولذلك أعلن فريمو بعد انتهاء الدورة الماضية أن المهرجان لن يعرض من أفلام نيتفليكس وغيرها مثل أفلام شركة “أمازون”، إلا إذا كانت ستعرض في دور العرض السينمائي، وهو شرط ترفضه نيتفليكس.

المشكلة التي تتعلق بالصحافيين والنقاد الذين يحضرون إلى المهرجان ويبلغ عددهم أكثر من أربعة آلاف صحافي، أنهم سيحرمون هذا العام للمرة الأولى من العروض الصباحية التي تقام لأفلام المسابقة قبل عروضها الرسمية لضيوف المهرجان من السينمائيين في المساء.

وقد اتخذ فريمو هذا القرار في ضوء ما يقول إنه شكاوى عديدة وصلت إلى إدارة المهرجان من منتجي وموزعي الأفلام في فرنسا، الذين يشتكون مما يكتبه بعض الصحافيين من تعليقات ومقالات نقدية سلبية، فور عرض الأفلام على مواقع الإنترنت، أحيانا أثناء مشاهدة الفيلم داخل قاعة العرض، أو التعليقات القصيرة التي ينشرونها فور عرض الفيلم على مواقع التواصل الاجتماعي ويرون أنها تضر بالفيلم. ورغم أن بعض المهرجانات تطلب من الصحافيين الالتزام بمبدأ عدم النشر الا بعد العرض الرسمي للفيلم إلا أن الغالبية لا تلتزم به، خاصة مع شيوع استخدام المواقع الإلكترونية والكتابة للمدونات الشخصية.

مع الإعلان عن انسحاب نيتفليكس خسر المهرجان فيلم "روما" للمخرج ألفونسو كوارون وفيلم "النرويج" للمخرج بول غرينغراس

 لم يلتفت فريمو إلى الخطيئة التي يرتكبها المهرجان عاما بعد عام، بقبول كل من هب ودب ومن ليس لهم أي اعتبار حقيقي في ساحة الصحافة أو النقد السينمائي بغرض التباهي بالأعداد الغفيرة من “الصحافيين” المفترضين، الذين تجذبهم الصورة التي رسخت لمهرجان كان، كظاهرة موسمية للنجومية والحفلات والسهرات الصاخبة أكثر من الاهتمام بالأفلام نفسها.

 وبدلا من غربلة الذين يمنحهم المهرجان الخدمة الصحافية، وتخفيف الزحام الشديد والتدافع الذي يصل إلى درجة مرهقة، وتقليص فترات الانتظار الطويل أمام الأبواب تحت حرارة الشمس، قرر تيري فريمو برعونة، معاقبة الصحافيين والنقاد جميعا بجعل حياتهم في المهرجان أكثر صعوبة وقسوة مع إلغاء العروض الصباحية وإرغامهم على مشاهدة الأفلام في نفس وقت عرضها الرسمي في القاعة المجاورة لمسرح لوميير الذي تجري فيه العروض الرسمية. وهو ما ينتظر أن يؤدي إلى أزمة حقيقية.

يبرر فريمو قراره بأن عهد الصحافة الورقية التي كانت تقتضي إتاحة وقت كاف أمام الصحافيين لكتابة وإعداد مقالاتهم للنشر في اليوم التالي فقد أهميته مع تراجع الصحافة الورقية وغلبة المواقع الإلكترونية، لكن يظل هناك ما لا يقل عن ست مجلات تصدر يوميا أثناء المهرجان أهمها فاريتي وسكرين إنترناشيونال والفيلم الفرنسي وهوليوود ريبورتر. وهي مجلات تأتي إلى المهرجان سنويا بطاقم تحريري وإداري، يتفرغ لمتابعة العروض اليومية للأفلام ونشر المقابلات مع مخرجيها وصناعها ونجومها.

وليس معروفا كيف ستتدبر هذه المجلات أمرها، وليس من المعروف أيضا كيف سيتدبر الصحافيون أمرهم ولابد أنهم سيرغمون على مشاهدة أفلام المسابقة التي كانت تعرض في المساء، في صباح اليوم التالي وهو الاحتمال المرجح.

فيلم الافتتاح هو "الكل يعلم" Everybody Knows وهو فيلم إسباني من إخراج الإيراني المرموق أصغر فرهادي
فيلم الافتتاح هو "الكل يعلم" Everybody Knows وهو فيلم إسباني من إخراج الإيراني المرموق أصغر فرهادي

انسحاب نيتفليكس

أما المشكلة الثانية الكبرى فقد أدت بالفعل إلى أن أعلن مدير شركة نيتفليكس سحب الأفلام التي كانت قد تقدمت بها إلى المهرجان طالما أن المهرجان أعلن مسبقا أنها ستستبعد من العرض في المسابقة الرسمية. وكانت نيتفليكس قد هددت بالانسحاب تماما من المهرجان بما في ذلك من العروض التي تقام خارج المسابقة.

والمفارقة أنه بينما يعتبر فريمو أن المهرجان في حاجة إلى التطوير مع بداية عقده الثامن بحلول الدورة الحادية والسبعين (من 8 إلى 19 مايو) وأنه يريد أن يتعامل مع العروض الصحافية بسياسة جديدة تحول بين الصحافيين والتأثير السلبي على فرص الأفلام في التسويق بكتاباتهم التي تأتي مباشرة قبل العروض الرسمية، إلا أنه في نفس الوقت، لا يريد أن يأخذ في الاعتبار التقدم الكبير الذي حققته شركات البث الرقمي للأفلام مثل نيتفليكس وأخواتها خاصة بعد أن أعلنت شركة أبل العملاقة أنها سترصد مليار دولار لإنتاج الأفلام هذا العام.

مع الإعلان عن انسحاب نيتفليكس خسر المهرجان فيلم “روما” للمخرج المكسيكي ألفونسو كوارون (مخرج جاذبية الأرض) وفيلم “النرويج” للمخرج البريطاني بول غرينغراس.

من المؤكد أن هذه السياسة المتشددة سوف تتسبب في أن يصبح مهرجان كان مهرجانا لا يتمتع بالجاذبية التي تدفع شركات التوزيع والإنتاج إلى التردد عليه سنويا رغم الغلاء الفاحش في أسعار الفنادق وتكاليف الإقامة بشكل عام. ويعرف فريمو جيدا أن مهرجانات أخرى مثل فينيسيا وتورنتو سوف ترحب كثيرا باستقبال وعرض أفلام نيتفليكس وأمازون، خاصة أنها أفلام من إخراج كبار السينمائيين كما تضم أسماء لكبار نجوم السينما، وهو ما سيفيد المهرجانات المنافسة ويضر بمهرجان كان على المدى البعيد.

 ومن المعروف أيضا أن مهرجان كان ليس مهرجانا للجمهور العريض على غرار برلين ولندن وروتردام وتورنتو، بل هو مهرجان للنخبة، يعتمد أساسا على حضور أهل الصناعة والصحافة السينمائية في العالم. وإذا بدأ قطاع كبير من هؤلاء وأولئك، يشعرون أنه مطلوب منهم الكفاح الشاق من أجل التواجد لعرض الأفلام أو مشاهدتها فسوف ينصرفون عن المهرجان ويذهبون إلى غيره.

ملصق الدورة الجديدة عبارة عن صورة مقتبسة من فيلم جان لوك غودار “بييرو المجنون” من عام 1965 يظهر فيها بطلا الفيلم جان بول بلموندو وأنا كارينا.

16