مهرجان "مالمو للسينما العربية" وأفلام تزلزل القيم السائدة

الأربعاء 2013/08/21
ضد التشدد الديني

لم يبق إلا أسبوعان على انطلاق فعاليات الدورة الثالثة لمهرجان مالمو للسينما العربية، وسوف يُعرض على مدى ستة أيام نحو 100 فيلم من الأفلام الروائية والوثائقية الطويلة والروائية القصيرة، حيث ستكون حصة المسابقات الرسمية الثلاث 66 فيلماً.

على الرغم من أهمية الأفلام الوثائقية والروائية القصيرة المشاركة في المسابقات، إلاّ أن تركيزنا في هذا المقال سيكون مُنصبّاً على مسابقة الأفلام الروائية الطويلة التي يتمحور بعضها حول موضوعات حسّاسة وساخنة ومثيرة للجدل، أبرزها «المغضوب عليهم» للمخرج المغربي محسن البصري و»قصة ثواني» للمخرجة اللبنانية لارا سابا. كما تتحرّش بعض الأفلام الأخرى بالقيم والثوابت الاجتماعية في محاولة جادة لتقويضها أو هزّها، في الأقل، كما هو الحال في فيلم «وجدة» للمخرجة السعودية هيفاء المنصور.


فضيلة ورذيلة


لا شك في أن عنوان «المغضوب عليهم» يحيل إلى سورة «الفاتحة» أول الأمر، لكنه سرعان ما ينزاح إلى الفئة الضالة عن سواء السبيل، وهم في القصة السينمائية التي كتبها مخرج الفيلم محسن البصري، ممثلو فرقة مسرحية هاوية يتم اختطافهم من قبل مجموعة إسلامية متطرفة، تقودهم إلى قرية نائية وتظل بانتظار أوامر القتل التي لن تصل أبداً من «أمير» هذه المجموعة الخاطفة، التي تجد نفسها مضطرة للدخول في حوار مع المختطَفين المتهَمين بتشويه صورة الإسلام والمسلمين في آنٍ معا.

تتمحور فكرة هذا الفيلم حول عدة أسئلة أهمها: هل أن التمثيل المسرحي بصورة خاصة، والفن بصورة عامة هو «رذيلة» أم هو أحد «فضائل» المجتمع المدني المتحضر؟ وهل أن السلفيين أو «المجاهدين» متشددون و»حاقدون» ولا يقبلون بأي شكل من أشكال الحوار؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا قبلوا بالحوار في نهاية الأمر، وأفضى بهم الاختلاف في وجهات النظر إلى الفهم الموضوعي والتسامح الذي تبحث عنه غالبية فئات المجتمع؟

لقد رصد المخرج محسن البصري ثنائية الانفتاح والانغلاق الفكري والزمكاني، لكنه ظل يتأرجح بين حالة المواطن المغربي أو الإسلامي إن شئتم، التي قد تتغير ثلاث مرات في اليوم الواحد، ومرّد هذا التغيّر أن الإنسان عُرضة للتبدل والانتقال إلى الحالة الرمادية المُستَمدة من اللونين الأسود والأبيض.

لقد انتقد بعض النقاد المغاربة مضمون هذا الفيلم ووجدوا فيه إساءة للمسلمين، كما وصفوا قدرة المخرج بالمتوسطة، ونعتوا حواراته بالتقريرية والمباشرة، وخلصوا إلى القول بأنّ فكرة الفيلم استفزازية، وأن الهدف الرئيس هو الحصول على الجوائز وإرضاء المشاهِد الغربي.

لقد حصل هذا الفيلم فعلاً على جائزة نجيب محفوظ لأفضل فيلم عربي في الدورة «35» لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، ومخرجه لم يضع أية ميزانية لهذا الفلم الذي ينتمي إلى تيار السينما المستقلة أو الموجة المغربية الجديدة، وأن الممثلين كلهم لم يتقاضوا أجراً عن أدوارهم التي استغرق تصويرها «21» يوماً ومن بين طاقم التمثيل نذكر جميلة الهوني، مارية لالواز، عمر لطفي، عصام بوعلي وعلي البنيوي وآخرين. أما النقطة المهمة التي أجمع عليها النقاد أن فكرة الفيلم قد تجسّدت بنجاح على الرغم من أن معظم مَشاهِد الفلم كان تدور في مكان مغلق.


ثلاثة وطبيب


إذا كان فيلم «المغضوب عليهم» يعاني من بعض النواقص والهنات الإخراجية فإن فيلم «قصة ثواني» للارا سابا يمتلك كل اشتراطات النجاح بدءً من حبكة الفيلم، مروراً بجمالية تصويره، وانتهاءً بدقته «المونتاجية».

وقد جمعت قصته السينمائية المتقنة موضوعات عديدة مؤرقة من بينها الإدمان على الكحول والمخدرات، والجريمة، والدعارة، وشذود الأطفال وانحرافاتهم الجنسية بسبب الفقر وانهيار جانب من منظومة القيم الاجتماعية. لقد ركزت المخرجة على ثلاث شخصيات رئيسة وهي نور وأنديا ومروان، حيث سنتعرف على أهلهم وذويهم في أثناء تطوِّر الأحداث وبلوغها مرحلة الذروة، تلتقي الشخصيات الثلاث على انفراد مع الطبيب كريم «شادي حداد» الذي يربط بينهم.

لابد من الإشارة إلى الشخصيات المحورية التي عززت بنية الفيلم الداخلية، حيث لعبت نور «غيدا نوري» دور الطالبة الجامعية التي تنحرف لعجزها عن إعالة نفسها، وتقديم العون إلى جدتها المقعدة، ثم نكتشف أن «مالك» رجل الأعمال وزوج أنديا، هو السبب وراء مقتل والدي نور بحادث اصطدام.

أما أنديا التي كانت تحلم بطفل يملأ عليها حياتها، فقد تعرّضت للسرقة من قِبل مروان «علاء حمّود» الذي أسقطها أرضاً، ففقدت جنينها الذي كانت تترقب ولادته على أحرّ من الجمر.

أما مروان الذي لم يجتز عامه الثاني عشر، فيتحول إلى ضحية أمه العاهرة والمدمنة على الكحول، حيث تقدّمه فريسة لزبائنها فيلتحق بعصابة مدمنين الذين يحثونه على السرقة، فتكون «أنديا» واحدة من ضحاياه.

تتمثل قوة الحبكة في اللقاء الذي يجمعهم بالطبيب كلاً على انفراد حيث تأتي نور كي تتسلّم جثتي والديها، بينما يتصل الطبيب بمالك كي يخبره بإجهاض زوجته، فيما ينقذ الصبي مروان من جرعة المخدرات القوية التي أوشكت أن تودي بحياته.

لا شك في أن هذه الأفلام ستلعب دوراً مهماً في استقطاب الجمهور السويدي الذي يتحرّق شوقاً لمعرفة مضامين الأفلام العربية التي ستُعرض في مالمو أولاً، قبل أن تنتقل إلى عدد آخر من المدن السويدية التي تضم بين دفتيها «175» جالية من بينها الجالية العربية التي ستشاهد أيضاً ما أنتجهُ صنّاع الأفلام العرب.

16