مهرجان وهران للفيلم العربي.. سينما الأنظمة تطرد سينما الناس

الخميس 2013/10/03
ترضيات لا ترضي الذائقة الفنية

وهران - اختتمت أعمال مهرجان وهران للفيلم العربي بمفاجآت جديدة، أضيفت إلى علامات التعجب والاستفهام الكثيرة التي أثارها طيلة أيام دورته السابعة التي احتضنتها مدينة وهران بالغرب الجزائري.

فاجأ مهرجان وهران للفيلم العربي المتابعين بعشوائية توزيع جوائزه في حفل الختام، بعد أن كان قد نظر إلى المشهد السينمائي العربي من زاوية ضيقة استبعدت معظم القضايا السينمائية، في مجاراة واضحة لموقف الجزائر المتحفظ إزاء القضايا الكبرى التي تعصف بالواقع السياسي والاجتماعي العربي.

وجاءت الجوائز بعيدة عن ترشيحات المتابعين والسينمائيين المشاركين، وبدت بعد أن تنوعت وتعددت، موزعة بطريقة الترضية وتطييب الخواطر واعتبارات غير سينمائية.

أبرز جوائز المهرجان، وهي جائزة أفضل فيلم روائي، ذهبت مناصفة لفيلمي "مريم" للمخرج السوري باسل الخطيب و"هرج ومرج" للمخرجة المصرية الشابة نادين خان.

وإذا كان هناك شبه إجماع على أن "هرج ومرج" كان أحد أفضل الأفلام المشاركة، فإن الفيلم السوري، لم يكن بين أفضل الأفلام. إذ رغم المستوى الفني الرفيع للصورة، فإنه تعكز على خطاب سياسي قديم ومستهلك وحوار مسرحي في الغالب.

وبدا محاولة تراجيدية ثقيلة لقول عبارة بسيطة هي أن سوريا مستهدفة على مر العصور، وذلك من خلال طرح ثلاثة فصول قليلة الترابط من الحرب العالمية الأولى وحرب 1967 وما يجري حاليا.

احتكار المشاركة السورية

كما أن الفيلم احتكر بصبغة رسمية المشاركة السورية في المهرجان، الذي بدا واضحا أنه لا يريد مشاركة الأفلام التي تمس قضايا الربيع العربي عامة والقضية السورية بشكل خاص، رغم كثافة الإنتاج السينمائي السوري، وحضوره في نفس توقيت المهرجان في مهرجانات عالمية كثيرة، منها مهرجان تورنتو. المنظمون اختبأوا خلف ما أسموه بالمعايير الفنية السينمائية وأفلام الشباب حصرا، وأنهم لم يركزوا على الأسماء الكبيرة أو طبيعة المواضيع التي تناولتها الأفلام أو المواقف السياسية، وهو موقف بدا مناسبا في بداية المهرجان، لكن التباين الواسع لمستويات الأفلام المشاركة لم يسعف تلك المبررات.

ومع ذلك لابد من القول بأن التركيز على سينما الشباب والمواضيع البعيدة عن السياسة أتاح فرصة لعدد من التجارب التي مثل بعضها نقلات نوعية لافتة، لكنه سمح أيضا بمشاركة العديد من التجارب المهلهلة التي تمكن بعضها من الفوز ببعض الجوائز، رغم صعوبة وبجاحة أن يطلق أفلاما سينمائية. فالكثير منها عشوائي ويفتقر إلى أبسط المعايير السينمائية، ومواضيعها بديهية ومباشرة وسطحية، واللقطات بسيطة وبلا بوصلة وتقطيع المونتاج يفتقر إلى الانسجام والانسيابية.

وتحدث بعض النقاد والمتابعين عن أن بعض "المخرجين" المشاركين يعتقدون أن مجرد مراكمة بعض اللقطات يجعلهم سينمائيين، في غياب أبسط المعايير الفنية.

هرج ومرج

وباستثناء فيلم "هرج ومرج" فإن بقية الأفلام التي فازت بالجوائز الرئيسية لأفضل فيلم طويل وأفضل فيلم وثائقي وأفضل فيلم قصير، أثارت الكثير من الاستغراب والتعجب، بسبب وجود الكثير من الأفلام التي تستحق الجائزة أكثر منها.

ففي فئة الأفلام الروائية ذكرنا البعد السياسي والرسمي لفيلم مريم، في حين لم يجد أحد اعتراضا على فوز "هرج ومرج" الذي نقلت فيه نادين خان اتقان الصورة وحيويتها وسلاسة المونتاج الى مستويات جديدة. كما قدمت عددا كبيرا من الممثلين الذين يشاهدهم الجمهور لأول مرة، وقدمت قرية عفوية ومعزولة عن العالم بواقعية سحرية فريدة.

من الأفلام التي كان يمكن أن تحصل على الجائزة بجدارة، فيلم المخرج الإماراتي نواف الجناحي "ظل البحر" الذي يؤرخ لحياة غير مرئية لأجيال من الإماراتيين. الجناحي قدم عالمه بأدوات سينمائية محكمة وشخصية ودافئة، ولم يقف عند حدود السينما المستقلة الثقافية المخصصة للمهرجانات فقط، بل تقدم بهدوء إلى جمهور السينما الواسع، ليتحرش بحدود السينما التجارية ويهز قناعات أن الجمهور "عايز كده".

ترضيات لا ترضي

وقدمت لجنة التحكيم سلسلة واسعة من جوائز الترضية للتغطية على ارتباكها، فمنحت الجناحي جائزة أول فيلم طويل، لكنها كان يفترض أن تعلم أنه ليس الفيلم الروائي الأول للجناحي. من الأفلام الأخرى التي استأثرت بمعظم الترشيحات فيلم "المغضوب عليهم" للمخرج المغربي محسن بصري الذي قدم في أول أفلامه الطويلة رؤية خاصة ومثيرة للمواجهة بين قيم الفن والانفتاح وانغلاق، الإرهابيين والمتطرفين. ومرة أخرى حظي بجائزة ترضية رمزية لا ترضي.

لجان تحكيم في حقول ألغام

كما منحت اللجنة جائزة أفضل سيناريو للفيلم السعودي "صدى" رغم أن السيناريو لا يسترعي الانتباه على الإطلاق، وكان يمكن الإشادة به من زاوية أخرى، مثل كونه الفيلم الأول للمخرج الشاب. وتعددت وتنوعت جوائز الترضية، في مسابقة الفيلم الوثائقي فذهبت الجائزة لفيلم "العالم ليس لنا" وهو أكثرها عشوائية ويفتقر إلى الفكرة والسيناريو، وقد استخدم المخرج أرشيف عائلته من لقطات فيديو غير حرفية، إضافة إلى تصوير أشخاص لا يربطهم رابط في مخيم عين الحلوة في لبنان. ويمكن ببساطة القول إن جميع الأفلام الخمسة الأخرى المشاركة في مسابقة الأفلام الوثائقية كانت أحق بالجائزة.

وبنفس الغرابة ذهبت جائزة أفضل فيلم قصير للمخرج الجزائري كريم موساوي، فقط لتناوله مرحلة صراع الجزائر مع الإرهاب، رغم أنه أكثر الافلام القصيرة عشوائية وافتقارا إلى الأدوات والصورة السينمائية والسيناريو وكل مقومات الفيلم القصير ومنها أنه يمتد على مدى 40 دقيقة، وهو ما لا يجعله قصيرا. مسابقة الأفلام القصيرة كانت أكثر المسابقات التي عرضت عددا من الأفلام الجيدة التي تستحق الجائزة، ومن أبرزها فيلم "سكون" للمخرج البحريني عمار الكوهجي، الذي قدم صورة سينمائية حرفية عالية وأدار المشاهد وأداء الممثلين بخبرة كبيرة ليقدم عملا سينمائيا متماسكا عن وضع المرأة في بعض أوساط المجتمع البحريني.

رابحون خاسرون

أكثر "الخاسرين" بل الفائزين كانت 5 أفلام فلسطينية قصيرة فرض عليها قسرا أن تكون خارج المسابقة، وعرضت في إطار هامش جانبي بعنوان "عين على رام الله" وأبرزها فيلم "إسماعيل" للمخرجة نورا الشريف، التي قدمت في 28 دقيقة مشاهد إنسانية في منتهى التأثير والحرفية السينمائية وبمواصفات عالمية عالية. الفيلم الذي تهديه المخرجة للفنان التشكيلي الفلسطيني العالمي إسماعيىل شموط، يقدم ذكرى يفترض أن تكون حقيقية من حياة الفنان عند تهجيره مع أسرته من فلسطين في عام 1949.

يبدأ الفيلم بمشهد رتل طويل من النازحين الفلسطينيين، يقوم جندي إسرائيلي بإذلالهم، لكنه ينتقل إلى حياة شاب وأخوه الصغير حيث يكافحان، بحب كبير للحياة، من خلال بيع الحلويات في محطة قطار، ليجدا نفسيهما في حقل ألغام.

يحدث الشاب أخوه الأصغر عن روما ومايكل أنجلو، خلال الفيلم الذي يقدم حسا إنسانيا رائعا ومؤثرا وبأدوات سينمائية عالية. الفيلم ليس فيه أدنى ذكر لإسرائيل أو فلسطين، وهو بذلك يقرب المشاهد العالمي من القضية أكثر بآلاف المرات من كل الخطابات الحماسية المباشرة.

إدارة مرتبكة

المهرجان ساده سوء التنظيم طيلة أيامه، ولم يكن هناك حضور للمنظمين لتأمين حد أدنى من التنظيم، فمحافظة المهرجان ربيعة موساوي لم تحظر أيا من عروض المهرجان، وهي في الكلمات القليلة التي قالتها في افتتاح واختتام المهرجان، لم تكن معنية بالسينما بل بكيل المديح "للمبدع الأول رئيس الجمهورية" وسلسلة طويلة من المسؤولين السياسيين والجيش والشرطة.

لم يكن هناك من يعطي إجابات للاستفسارات وحلولا للعراقيل الكثيرة وعدم دقة مواعيد العروض وتضاربها في أحيان كثيرة. كما أن اللغة الفرنسية كانت اللغة الرسمية لمهرجان مخصص حصرا للفيلم العربي، إضافة إلى أن الغالبية العظمى من أعضاء لجان التحكيم ليسوا ممن لهم أي سجل في صناعة السينما. وليس في هذه الملاحظات أي تجن على المهرجان فقد تناقلتها الصحافة الجزائرية ووجهت إلى المهرجان انتقادات أقسى وأبعد بكثير مما ذكرناه.

14