مهزلة التقرير الأميركي

الخميس 2014/03/13

أصدرت وزارة الخارجية الأميركية قبل أيام تقريرا حول حقوق الإنسان في دولة الإمارات، حافلا بالمغالطات والأكاذيب والادعاءات التي لم تعد أهدافها تخفى على أحد، وأنها ليست أكثر من وسيلة ضغط وابتزاز تستخدمها السياسة الأميركية لانتزاع مكاسب ومصالح من دول شتى حول أنحاء العالم.

ربما يجب أن نُذكِّر الولايات المتحدة أولا بتقارير الجهات الدولية المستقلة التي تُظهر سجلا أميركيا حافلا بانتهاك حقوق الإنسان، وبصورة وحشية، في كل أنحاء العالم، وليس داخل الولايات المتحدة وحدها. ويمكن لنا في هذا السياق أن نذكرهم بملف آخر، هو ملف الدكتور عمر عبدالرحمن، مفتي الإرهاب الأشهر الذي احتضنته الولايات المتحدة لفترة، قبل أن يتسلم الراية منه آخرون يشابهونه إجراما وحقدا على البشرية.

فتحت الولايات المتحدة ذراعيها وأرضها لعمر عبدالرحمن، مفتي “الجماعة الإسلامية” التي اغتالت الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، بعد هروبه إليها.

كان عمر عبدالرحمن أستاذا في جامعة الأزهر بمدينة أسيوط في صعيد مصر، وقد تحولت آنذاك إلى معقل للإرهاب، وقُتل فيها نحو 120 جنديا وضابطا حين هاجمت “الجماعة الإسلامية” مديرية أمن أسيوط بعد أن نفذت جريمة الاغتيال، في خطة لإحداث الفوضى والرعب بغطاء من فتوى الرجل.

كذلك كانت شهوة القتل لدى عمر عبدالرحمن وراء اغتيال المفكر المصري فرج فودة، ومحاولة اغتيال الروائي نجيب محفوظ، وحالات قتل وإرهاب أخرى استندت إلى فتاواه، فيما كان ينعم هو بميزات “اللاجئ السياسي” في ولاية نيوجيرسي.

النتيجة كانت منطقية تماما، والجزاء من جنس العمل، إذ تورط عمر عبدالرحمن في تفجيرات نيويورك عام 1993، وأدانته محكمة أميركية عام 1995، وهو يقبع الآن وراء جدران السجن، فيما تملأ قوى الإسلام السياسي الدنيا جعجعة بضرورة الإفراج عنه نتيجة ظروفه الصحية، وتدّعي أن الشيخ الذي لم يُفت في حياته بغير القتل والعنف بريء قد اتُّهم ظلما!

هذا درس كان يجدر بالولايات المتحدة أن تتعلمه، فآلاف المواطنين الأميركيين كانوا معرضين للموت بفعل هذا السلوك غير المفهوم لحكومتهم، في استضافة القتلة أو توفير الأجواء لأكثر الأفكار تطرفا وفتكا لكي تنتشر وتكتسب أتباعا وأنصارا مهووسين يتحولون إلى قنابل بشرية تنشر الموت والدمار، ولكن يبدو أن إغراء استخدامهم لأهداف خاصة يفوق لدى الحكومة الأميركية اعتبارات الحفاظ على أمن مواطنيها وأمن ملايين الناس الذين يهددهم خطر الإرهاب الأسود.

وحسنا فعلت وزارة الخارجية الإماراتية حين ردت بقوة على ترهات التقرير الأميركي، الذي يجعل من حسن الدقي، أحد منظري الإرهاب والداعين إليه، ناشطا من نشطاء حقوق الإنسان، فيما تصنفه جهات كثيرة في الولايات المتحدة ضمن داعمي القاعدة وإرهابها. وبالمناسبة، فإن التقرير يخطئ في اسم حسن الدقي، ليسميه “أحمد الدقي”! فأي نوع من المصداقية نتوقع لمن لم ينجح حتى في معرفة اسم الشخص الذي يدور الحديث حوله؟

ظهر التخبط الأميركي كذلك في الحديث عما سماه التقرير “حزب الأمة”، وقد أوضح بيان الخارجية الإماراتية جانبا من التناقض الأميركي في إشارته إلى أن أحد قادة الحزب المزعوم، وهو عبدالرحمن بن عمير النعيمي، متورط وفقا لتصنيف وزارة الخزانة الأميركية مع منظمته “الكرامة القطرية” في تمويل القاعدة. والكرامة هي واحد من دكاكين حقوق الإنسان المشبوهة التي تهاجم دولة الإمارات.

الترجمة الحقيقية لخطاب الخارجية الإماراتية إلى السادة المنتفخين في أميركا، هي أن ذلك التقرير ليس سوى “مهزلة”، فإذا كانت وزارة أميركية ترى في عبدالرحمن بن عمير النعيمي ناشطاً حقوقيا وأخرى تعتبره إرهابيا وقاتلا تجب محاكمته، فأي الوزارتين نصدق؟ وهل هذه حكومة أقوى دولة في العالم أم حكومة إحدى جمهوريات الموز؟ خطاب الخارجية الإماراتية هو خطاب “تقريع” في الحقيقة، يلمس موطن خلل جليا يجعل من التقرير الأميركي برمته عملا هزليا بامتياز.

لا يبدو التقرير الأميركي أكثر من سدّ خانات، اعتمد على ادعاءات أشخاص مجهولين وموتورين، دون أية محاولة للتثبت أو التيقن أو الاستماع إلى وجهة نظر الأطراف الأخرى وتحري حقيقة الأمور على أرض الواقع كما تفترض أبسط قواعد أعداد مثل هذا النوع من التقارير. ومن المؤسف أن يكون هذا هو مستوى العمل في الوزارة التي تتحكم قراراتها في مفاصل العالم، وتتخذ قرارات يتوقف عليها مصير ملايين البشر في العالم.

إن دولة الإمارات ليست من الدول التي تنظر باستهانة إلى التقارير الدولية، ولا تعلق كل شيء على شماعة المؤامرة، فهي تدرك أنها جزء من العالم الذي تتبادل دوله وهيئاته ومنظماته التقييم، وأن صورة الدولة في عالم اليوم تُستمدُّ من محصلة مواقعها في عدد من التصنيفات، لذا فإنها تدرس كل التقارير وتمحصها، وإذا وجدت ثغرات لديها فإنها لا تكابر ولا تُنكر، بل تسعى إلى تعديل ما تراه في لاحاجة إلى ذلك. وتاريخ دولة الإمارات في التعاون مع كل المنظمات الدولية معروف ومشهور.

ولكننا لم نجد في الهزل الذي يتضمنه تقرير الخارجية الأميركية، ما يستحق الوقوف لديه، سوى تنبيه الغافلين إلى تناقضاته وسقطاته، لعلهم يفهمون.

أخيرا، فإن الدولة التي تُسجَّل فيها أعلى مؤشرات السعادة، وأعلى درجات الأمن، وتتصدر قائمة الأماكن التي يتمنى شباب المنطقة العالم أن يعيش فيها، هي دولة لا يمكن لها أن تنتهك حقوق الإنسان، بل هي أول من يحرص عليها ويرعاها، ولذا فهي مهوى أفئدة البشر من كل بلدان المعمورة، يأتونها مفعمين بالأمل والطموح، ويسعون بكل الطرق إلى البقاء فيها.

ثمة أمر آخر لابد أن أعرّج عليه هنا، وهو تقرير لهيئة شؤون السياسات والأبحاث لدى اللجنة الأميركية للحريات الدينية الدولية، ظهر بالتوازي مع تقرير الخارجية الأميركية، واعترضت فيه اللجنة المشار إليها على تصنيف المملكة العربية السعودية بعض التنظيمات والجماعات الإسلامية المتطرفة، وتحديدا تنظيم الإخوان المسلمين ضمن التنظيمات الإرهابية المحظورة.

ولا يخفى علينا أن مثل هذه اللجان التي تتشكل في الولايات المتحدة تطغى عليها المزاجية والأهواء في التعامل مع ملفات كثيرة، فتصمت ويتراجع صوتها تارة، ويعلو تارة أخرى، بحسب ما تقتضيه الأهواء والمصالح الأميركية، وهي أشبه ما تكون بالفزاعة التي تستخدمها الولايات المتحدة للضغط على بعض الدول في التوقيت الذي تختاره، ولنا أن نتساءل عن سر صمت مثل هذه اللجان عن أمور كثيرة ليس آخرها ما حدث في سجن صيدنايا في سوريا سنة 2008 حين تمت تصفية عشرات المنتمين إلى تيارات إسلامية متشددة. يومها رأت الولايات المتحدة أن تصفية هؤلاء يصب في مصلحتها في العراق، فغطّت لجانها كلها في سبات عميق.

إن هذه الازدواجية في التعامل مع حالات متشابهة هي خير دليل على أن تلك اللجان لا يعنيها أمر الحريات بقدر ما تعنيها مصالح الولايات المتحدة. ولا شك في أن المملكة العربية السعودية تعرف كيف تحمي مصالحها، وتعرف مصادر الإرهاب الذي يمكن أن تتعرض له، ومن حقها أن تحمي نفسها منه، ولو كانت الولايات المتحدة هي التي تتعرض لمثل هذا الخطر لكان تصرفها أضعاف ما قامت به السعودية، وذاكرتنا ملأى بالأدلة والشواهد على ذلك.


كاتب إماراتي

9