مهمة "احتواء" داعش في 2016

السبت 2016/01/09

خلال النصف الأول من العام 2015، واصل تنظيم الدولة الإسلامية توسعه في كل من سوريا والعراق، إذ انتزع السيطرة على مدينة تدمر من قبضة قوات النظام السوري في شهر مايو، كما سيطر على مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار في غرب العراق، واعتبر ذلك أكبر تقدم ميداني للتنظيم منذ أشهر طويلة.

بدا أن الضربات الجوية المكثفة على مدى عامٍ كامل، والتي شنتها طائرات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، لم تضعف داعش بالصورة المرجوة، بل أضعفت الأمل في أن يكون العام 2015 هو عام نهاية ذلك التنظيم المتطرف، أو انحساره على أقل تقدير، لكن الأمل عاد مجددا خلال الأشهر الأخيرة من العام 2015، والتي شهدت سلسلة هزائم لحقت بالتنظيم في سوريا وفي مدينة الرمادي بالعراق.

سجلت نهاية العام 2015 تصاعدا في الجهود الدولية لمحاربة داعش، وخصوصاً من قبل الولايات المتحدة الأميركية. فقبل أسبوع واحد على نهاية العام 2015، خسر التنظيم السيطرة على أجزاء كبيرة من مدينة الرمادي. وكان قبل ذلك قد خسر أيضاً مناطق واسعة في شمال سوريا، يشمل ذلك سد تشرين الاستراتيجي، وذلك لصالح تحالف مدعوم من قبل أميركا ويسيطر عليه تنظيم الاتحاد الديمقراطي الكردي. كما استعادت قوات البيشمركة الكردية قبل شهرين السيطرة على مدينة سنجار في العراق. يطرح ذلك تساؤلات حول قوة التنظيم ومدى الضعف الذي أصابه خلال عامين من القتال.

لا توجد مؤشرات حقيقية على ضعف التنظيم على المستوى الداخلي، إذ استطاع مواصلة عمليات تجنيد المقاتلين الأجانب في العام 2015، بل فعل ذلك بوتيرة هي الأفضل منذ نشأته بحسب وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، لكنه انتشر خلال فترة قصيرة جدا على مساحات شاسعة من سوريا والعراق، وهو ما جعل الدفاع عن كل مناطق سيطرته معقدا ويكاد يكون مستحيلا في حالة تصعيد الحرب ضده وحشد الموارد والقوات، وهو ما حدث مع نهاية العام 2015 وأدى إلى اندحار التنظيم من بعض المناطق ليعيد تركيز قواته في مناطق جديدة.

نجحت القوات العراقية قبل نحو أسبوع في استعادة مدينة الرمادي من قبضة داعش، لكن بعض الحقائق ربما تؤشر إلى أن هزيمة التنظيم في الرمادي قد لا ترتبط بشكل أساسي بضعفه، وقد لا تعني، بالتالي، انهيارا في صفوفه كما تعلن وسائل الإعلام العراقية.

الحقيقة الأولى هي أن الرمادي انتقلت إلى سيطرة التنظيم قبل سبعة أشهر فقط، حين كانت العشرات من دول العالم تُصعّد حربها ضد داعش وتدعم الجيش العراقي. لذلك، لا تعني استعادة الرمادي أن داعش، الذي كان في ذروة قوته قبل سيطرته على المدينة قبل أشهر، هو الآن في حالة انهيار.

الحقيقة الثانية هي أن القوات العراقية استعادت الرمادي بمساعدة حاسمة وغير مسبوقة من الطيران الحربي الأميركي. خلال المعركة، شنت الطائرات الأميركية 630 غارة جوية، بلغت تكلفتها 315 مليون دولار، وانتهى الأمر دون تحقيق نصر مؤزر رغم ما أعلنه رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، إذ لا تزال أجزاء من الرمادي في قبضة داعش.

تبدو سعادة الحكومة العراقية مفرطة، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى أن العام 2015 كان قد شهد وعودا ضخمة من طرف العبادي باستعادة الموصل بحلول شهر مايو، لينتهي ذلك الشهر بخسارة القوات العراقية لمدينة الرمادي، وبانتهاء حلم السيطرة على الموصل. كان عاما مخزيا للقوات العراقية التي عجزت، في ظل دعم غير محدود من قبل القوات الأميركية، عن تحقيق إنجاز ميداني كبير، وهو ما دفع بوزير الدفاع الأميركي إلى التشكيك بقدرة وبمعنويات الجيش العراقي.

الحقيقة الأخيرة هي أن المعركة، التي استمرت أشهرا، لانتزاع مدينة الرمادي من قبضة بضعة مئات من مقاتلي داعش، وليس الآلاف، انتهت بانسحاب الأخير من مركز المدينة ليعيد توزيع قواته في بلدات في شرق وشمال الرمادي. وتبدو مهمة دحر داعش بشكل كامل من محيط الرمادي عسيرة جدا، إذ تتطلب معارك مكثفة وعديدة على غرار تلك التي جرت في مركز المدينة.

لكن الحقيقة أيضا، هي أن استعادة السيطرة على الرمادي تشكل هزيمة جزئية لتنظيم داعش وتؤشر إلى بعض التطورات على مستوى المعسكر الذي يحاربه. الإنجاز الأول هو تطور العمل المشترك العراقي – الأميركي، وتنسيق الجهود بصورة أفضل بين المعارك على الأرض وسلاح الجو. لقد ظهر بوضوح أن الضربات الجوية كانت حاسمة ودقيقة ومكثفة، كما كانت متناسقة من المعارك على الأرض وبشكل غير مسبوق، في حين تمثل التطور بتراجع الاعتماد على الميليشيات الشيعية في معركة الرمادي حيث عملت الولايات المتحدة على تقليص دور تلك الميليشيات وتقوية الجيش العراقي منذ معركة تكريت مطلع العام 2015.

بين الحقائق السلبية وتلك الإيجابية، يبدأ فصل جديد من فصول الحرب على داعش في العام 2016. فصلٌ، تظهر بعض المؤشرات أنه سيشهد جدية أكبر على المستوى الدولي من أجل “تحجيم” التنظيم واحتوائه، وليس هزيمته التي لا تزال تبدو بعيدة المنال في العام 2016.

كاتب فلسطيني سوري

8