مهمة الإخوان الجديدة: الترويج لتركيا عاصمة للتمويل الإسلامي

دخل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أحد أبرز الأذرع الدبلوماسية الإخوانية، على الخط للترويج لتركيا كعاصمة للتمويل الإسلامي، في مسعى مزدوج الأهداف، فهو من ناحية يدعم الاقتصاد التركي الذي يشهد تراجعا خطيرا، ومن ناحية أخرى يدعم الطموحات التركية الإسلامية في أن تحمل لقب “عاصمة إسلامية”، وهي لئن فشلت في أن تحقق هذا على مستوى السياسة، فإنها تعمل على تحقيقه في مجالات أخرى، ومن بينها البنوك الإسلامية، التي شهدت عمليات تحويل كبرى لأموال الجماعة الإخوانية، بعد تضييق الخناق على الجماعة في معاقلها ومراكزها الرئيسية.
الخميس 2016/10/27
شريط النفوذ يطول

إسطنبول – يسعى نظام حزب العدالة والتنمية، الحاكم في تركيا، إلى تحويل إسطنبول إلى عاصمة لكل ما يحمل صفة “إسلامي”، من السياسة إلى الاقتصاد والثقافة وشباب العالم الإسلامي، وحتى الموضة، مدعومة في ذلك بفتاوى وبيانات صادرة عن منظمات إسلامية دولية، من قبيل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ذراع التنظيم الدولي للإخوان.

وأحدث هذه الدعايات/المهمات التي ينكب على العمل عليها اتحاد الإخوان الترويج لتركيا كعاصمة للتمويل الإسلامي، مدعوما بوسائل الإعلام التركية، على غرار وكالة الأناضول، التي نشرت الأربعاء تقريرا يقول إن “تركيا مؤهلة لتصبح عاصمة التمويل الإسلامي”.

ودعمت التقرير بآراء خبيرين اقتصاديين، الأول علي القرة داغي، الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي قال إن “البيئة المناسبة للبنوك الإسلامية في العالم هي البيئة التركية”، والخبير الثاني هو شهاب العزعزي، رئيس المركز العالمي للاقتصاد الإسلامي في بريطانيا، الذي قال إن “تركيا مهيأة لأن تكون عاصمة للتمويل الإسلامي، وهي أفضل من الدول الأخرى في توفير البنية التحتية لهذا النوع من الاقتصاد”.

ويضع الخبراء والمتابعون للشأن التركي هذه الدعاية ضمن مساعي الإخوان لنصرة النظام التركي، الذي يقوده حزب العدالة والتنمية، ويترأّسه رجب طيب أردوغان، في ظلّ الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، وتحول الاقتصاد من رمز نجاح العدالة والتنمية خلال السنوات العشر السابقة، إلى أحد أبرز أسباب فشله وتراجعه، خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

شهاب العزعزي: تركيا تعتمد على نظام إسلامي متكامل كالتمويل والتكافل الإسلاميين

وهذه ليست المرة الأولى التي يروج فيها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومنظمات منضوية تحت لواء جماعة الإخوان، لدعم الاقتصاد التركي، فقد سبق أن أصدر في مناسبات عديدة، من بينها أزمة السنة الماضية بين تركيا وروسيا، عدة بيانات وفتاوى تحض على وجوب دعم اقتصاد تركيا بكل الوسائل المتاحة.

تجهيز الأرضية

بعد أن فشلت مساع في تنصيب تركيا عاصمة الإسلام السياسي، تحولت الوجهة لدعم تنصيبها عاصمة للاقتصاد الإسلامي.

وسبق هذا الدعم تحضير الأرضية الملائمة عبر سن مجموعة من القوانين التي تشجّع على إنشاء المصارف الإسلامية، وهو برنامج لئن انطلق مع وصول العدالة والتنمية للحكم في 2002، فإنه شهد ذروته العام الماضي، مع افتتاح الفرع الإسلامي من بنك الزراعة بمدينة إسطنبول، كأول فرع لبنك حكومي إسلامي في تاريخ البلاد.

ويعمل البنك أساسا بنظام الفائدة، لكن بعد ازدياد أعداد المستثمرين العرب في تركيا، استشعرت الحكومة ضرورة وجود فروع إسلامية للبنك، ولا تختلف الخدمات التي يقوم البنك بتقديمها عن “بنك البركة” و”كويت ترك” بشكل كبير. وفي مايو الماضي وصل الرصيد المالي لدى “بنك زراعة كلتم” إلى نحو 747 مليون ليرة تركية (250 مليون دولار)، ويعمل البنك في 23 مدينة تركية.

لكن أثار إعلان تأسيس هذا المصرف الإسلامي انتقادات معارضي امتلاك الحكومة لبنك إسلامي وكذلك انتقادات من بعض الإسلاميين الذين يشككون في أن يكون البنك إسلاميا فعلا، خاصة أنه سيتأسس بأموال تأتي من خزينة البنك الأم الذي لا يعتبر بنكا إسلاميا.

وقد قال المسؤولون الأتراك حينها إن هذه الخطوة تعد الأولى نحو تحقيق هدف تحويل إسطنبول إلى مركز مالي دولي لقطاع التمويل الإسلامي.

وروّجوا حينها فكرة أن البنوك الإسلامية أثبتت أنها أقل البنوك تأثرا وضررا في العالم، بعد الأزمة المالية العالمية عام 2007، لأنها لا تعتمد على الفائدة أو المنتجات المستقبلية.

ودعم هذه الحجة القرة داغي، في تصريحاته للأناضول، والتي قال فيها إن “المصارف الإسلامية أثبتت خلال الـ40 سنة الماضية، قدرتها على التطور والنماء، وعلى أن تكون بعيدة إلى حد كبير عن الاهتزازات والأزمات التي أصابت الاقتصاد الرأسمالي”.

وتستحوذ خمسة مصارف إسلامية على قطاع التمويل الإسلامي في تركيا، وهي كويت ترك، والبركة وتركيا فاينانس، والبنكان الحكوميان الزراعة ووقف؛ وهي من بين 52 مصرفا تعمل في تركيا و تتوزع بين 3 بنوك حكومية، و10 خاصة، و21 بنكا أجنبيّا، و13 مصرفا استثماريا.

وبدأ بنك وقف (حكومي) بفتح نوافذ إسلامية له في فبراير الماضي، برأس مال قدره 825 مليون ليرة تركية (277 مليون دولار)، بعد أن قامت الحكومة التركية بإعطاء التعليمات اللازمة لفتح فروع إسلامية تابعة له، فيما تأسس البنك عام 1954.

وتأسس بنك تركيا فاينانس عام 2005 (برز البنك من خلال اندماج مصرفي “فاميلي” و”الأناضول” عام 2005). وبلغ الرصيد المالي في العام الماضي نحو 2600 مليون ليرة تركية (873 مليون دولار)، ويملك البنك 265 فرعا موزعةً على المحافظات التركية.

وبحسب اتحاد البنوك الإسلامية في تركيا، شكل مجموع الأصول في المصارف الإسلامية نحو 5.10 بالمئة، من نسبة جميع البنوك في البلاد خلال الشهور الثمانية الأولى من العام الجاري، مقارنة مع أقل من 4.5 بالمئة العام الماضي.

نظام متكامل

لفت شهاب العزعزي إلى أن “تركيا تعتمد على نظام إسلامي متكامل، كالتمويل والتكافل الإسلاميين، والأوقاف والزكاة والعمل الخيري، والسياحة والمنتجات الحلال”.

التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين ينقل أموالا تابعة له من أرصدته في بنوك أوروبية إلى المصارف التركية

لكنه دعا إلى ضرورة تعديل بعض القوانين في تركيا، “لتكون أكثر مرونة ووضوحاً لدعم مسيرة الاقتصاد الإسلامي، وتوفير قسم مستقل في البنك المركزي التركي، تكون له استقلالية في تطبيق الإشراف على البنوك الإسلامية”.

وبلغت أرباح البنوك الإسلامية في تركيا، خلال الأشهر الثمانية الأولى للعام الجاري، 759 مليون ليرة تركية (246 مليون دولار أميركي)، بحسب اتحاد البنوك الإسلامية، فيما سجل القطاع المصرفي التركي ككل أرباحا قيمتها 26 مليار ليرة (8.45 مليار دولار) خلال الفترة ذاتها، وتشكل نسبة الأرباح من البنوك الإسلامية نحو 2.9 بالمئة.

ونمت أصول المصارف الإسلامية في تركيا بنسبة 15.3 بالمئة العام الماضي 2015، لتصل إلى 120 مليار ليرة تركية (39.036 مليار دولار).

وبتتبع التقارير المالية والإعلامية، الصادرة في السنوات الأخيرة، يقول الخبراء إن جزءا هاما من هذه الأرقام سببه الدعم الذي حصلت عليه البنوك التركية الإسلامية من خلال ضخ الإخوان لأموالهم في هذه البنوك؛ فمثلا تحدثت تقارير صدرت في سنة 2014 عن أن تنظيم الإخوان الدولي نقل حوالي 165 مليار دولار من بريطانيا إلى بنوك تركيا.

وقد نقلت تلك التقارير عن حسين عبدالرحمن، القيادي الإخواني المنشق، أن “التنظيم الدولي لجماعة الإخوان نقل أموالا تابعة له في البنوك البريطانية، وتقدر بحوالي نحو 165 مليار دولار، إلى تركيا، لتفويت الفرصة على الحكومة البريطانية، لتجميد تلك الأموال على اعتبار أنها تستخدم لتمويل أنشطة إرهابية”.

وذهبت تقارير أخرى إلى حد القول إن هذه البنوك، التي تسيطر الحكومة على أغلبها وأكبرها، تساعد على تسهيل المعاملات في عمليات مشبوهة، وقد تحدث عن ذلك آيدوغان فاتانداش، المتخصص فى الشؤون التركية والأميركية، والمقيم في الولايات المتحدة الأميركية، في تقارير إعلامية، جاء فيها أن “تركيا تقوم بدعم تنظيم داعش بالسلاح عن طريق إرسالها إمدادات مالية عبر حساباتها المختلفة في بنوك البركة والزراعة والوقف”.

6