مهمة الرئيس الجديد: تحويل الصحراء السياسية إلى حدائق مزهرة

الاثنين 2014/05/26

يتجدد مشهد اصطفاف المصريين أمام مراكز الاقتراع في مختلف أرجاء البلاد، لانتخاب رئيس الجمهورية الجديد. في ظروف تتسم بحالة من الاستنفار، ليس فقط لاحتواء أية محاولات فرصة أخيرة من جانب “إخوان الإرهاب” وحلفائهم، لتعكير صفاء عرس ديمقراطي جديد، وإعاقة الانطلاق في مرحلة إعادة بناء الدولة المصرية، وإنما لتأكيد مصداقية التوجه الوطني العارم، لتحقيق أهداف ثورة 25 يناير التي تأخرت، بفعل التدخلات والمناورات والجدل والإعاقة، حتى أصيب البعض باليأس والإحباط. لكن الأمر المبشر دائما في الحالة المصرية، هو أن البوصلة الوطنية – وهي جماع ما يطرح أويجري على الساحة – تشير في نهاية المشهد نحو الاتجاه الصحيح.

فبعد يومين من “الصمت” المفرض على الدعاية الانتخابية للمرشحين – عبد الفتاح السيسي وحمدين صباحي – كانت الكلمة الوحيدة التي تتردد هي “ضرورة” المشاركة في التصويت على أوسع نطاق ممكن. ويظل السؤال الأهم هو: كم ستكون نسبة هذه المشاركة؟ لأنها ستكون الدليل الحاسم على أن الشعب المصري يعني ما يقول. وأنه عندما أطاح حكم الإخوان وعزل “مندوبهم” في قصر الرئاسة محمد مرسي، كان يريد تصحيح مسار الثورة، ويرفض سرقتها من فصيل استخدم الدين “طفاشة” لاختراق عقول البشر، وبرمجتها على وهم أن “السمع والطاعة، والتزام أوامر مرشد الجماعة”، هو طريق السعادة في الدنيا والنعيم في الآخرة.

صحيح أن المصريين تعرضوا لمحاولات تضليل متكررة في تاريخهم الطويل، لكن خبرة القرون أفادت في كشف المخطط فور ظهور بوادره الأولية، في تأكيد على أن المصريين يفهمونها “وهي طايرة”، وأنه لايمكن لأحد أن “يخدع كل الناس كل الوقت”. ويتدبر كثيرون: كيف سيضع المصريون توقيعهم الوطني على قرار الانطلاقة؟ وكيف سيدير الرئيس الجديد عملية الانطلاق؟ فسقف المطالب مرتفع، بفعل تراكم المشكلات وتفاقمها لعقود من الزمن. وحال الدولة المصرية مثل سيارة صدئة، تركها سائقها على قارعة الطريق سنوات طويلة دون غطاء أوصيانة، عرضة لأحوال جوية غير مواتية، ومطلوب الآن – على الفور – الانطلاق بها على طريق سريع غير ممهد، وصولا إلى الأهداف المرجوة بإلحاح، مما يهدد بخطر حوادث هائلة، تمس – في حالة وقوعها (لاقدر الله) – حياة راكبي السيارة وغيرهم من مستخدمي الطريق.

وسط هذا كله، يتعين على المصريين الاختيار بين مرشحين اثنين فقط، أحدهما أثبت قدرته على اتخاذ القرار الحاسم في ظروف الشدة، فقفز التقدير الشعبي له إلى رأس القائمة، تعبيرا عن الحاجة إلى إدارة قوية قادرة في موقف صعب. وثانيهما لايقل وطنية واختراما، لكنه تدرب في شارع السياسة بين الناس، وتعرض في عهد الاستبداد لأشد إجراءات القمع والإقصاء واغتيال الشخصية، لكنه صمد وحافظ على بقائه ونقائه، وإلا لما كان في الساحة الآن. لم يتعرض المنافس صاحب القرار الحاسم لما تعرض له “خريج أكاديمية شارع السياسة”، ولم يصبه ما أصاب منافسه، ومن ثم يبدو نقيا، أو كما يقول المصريون البسطاء “صاغ سليم”، ومن ثم يفضله البعض، ويبدو أنه الأوفر حظا في الفوز بالرئاسة، وهذا حق لأي مرشح إذا اختاره الشعب. لكن ما أصاب المرشح الآخر مما تعرض له، ومحافظته على البقاء، واستمراره في نضاله، يعتبر شهادة تقدير له، يتعين أخذها في الاعتبار.

هنا تظهر مشكلة في الثقافة السياسية المصرية، وهي تلك المتعلقة بـ “أحادية التفكير”. ففي سياق البحث عن مخرج من الأزمة، يبدون متسرعين في قرارهم، ويرفضون ممارسة الديمقراطية حسب النهج المتعارف عليه. فالبعض يهاجم حمدين صباحي لمجرد أنه ترشح أمام عبد الفتاح السيسي، ويبحثون عن انتقادات له بأي شكل، ويصورونه على أنه مجرد “طامع في سلطة”، متجاهلين أن تنظيم انتخابات عمليا يتطلب أكثر من مرشح. ولكي تكون التجربة ناجحة وذات قيمة للمرشح الفائز، يجب أن يكون كل مرشح على ثقة من أن فوزه لن يكون بتسليم الناس، وإنما باختيارهم.

فمهما كانت طروحات المرشح في برنامجه الانتخابي، يظل الضمان الأساسي لتحقيق إنجازات حقيقية، هو قناعة المرشح الفائز بأن الشعب كان – ومازال – لديه بديل واحد على الأقل.

تشير التوقعات إلى فوز المرشح عبد الفتاح السيسي، وينعقد الأمل على تحقيق الاستقرار والنماء لمصر في عهده. لكن مصر – بصفتها بلدا كبيرا مؤثرا في أقليمها – تحتاج إلى خيارات تفتح أماها أوسع الآفاق. وحتى في ظل نظام شمولي شيوعي مثل الصين في ستينات القرن الماضي، طرح زعيمها ماوتسي تونج شعار “دع ألف زهرة تتفتح”. وفي حالة فوز السيسي المتوقعة، وتركيزه على التعامل مع المشكلات الملحة الآنية. سيكون على عاتقه مشكلة أخرى – ليست أقل إلحاحا – وهي تحويل الصحراء المصرية الشاسعة – سياسيا أيضا – إلى حدائق مزهرة. وهذه ليست بالمشكلة السهلة، لأن الصحراء تشكل 95 في المئة من مساحة التراب الوطني، والخضرة تعاني من الحصار والتجريف.

7