مهمة دولت بهجلي تحقيق التوازن والمراقبة، وأردوغان سيدفع الثمن

منبج ستكون واحدة من المناطق التي ستشتعل في فترة قصيرة خلال المرحلة الجديدة. وستكون لحزب الحركة القومية مطالبه في الاجتماع القادم للمجلس العسكري الأعلى وفي إعادة هيكلة القوات المسلحة التركية.
الأحد 2018/07/01
كل منهما يملك خيوط التحكم في الآخر

في ليلة انتخابات 7 يونيو 2015 التي خسر فيها حزب العدالة والتنمية الأغلبية العددية في البرلمان التركي، ولاحت في الأفق بوادر تشكيل حكومة ائتلافية، ظهر على الساحة دولت بهجلي رئيس حزب الحركة القومية ودعا إلى إجراء “الانتخابات من جديد”.

حدث هذا في حين أن حزب الشعب الجمهوري الذي فاز بـ135 مقعدا كان قادرا على أن يشكل بالاتفاق مع حزب الشعوب الديمقراطي وحزب الحركة القومية الذي فاز بـ80 مقعدا ائتلافا توافقيا تاريخيا ثلاثي الأطراف مثلما حدث في أعوام 1974 و1992. ومع ذلك فقد حصل حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري على فرصة لإقامة “تحالف كبير” عبر أوسع توافق يُمكِّنه أن يعد دستورا مدنيا جديدا وديمقراطيا تحت مظلة البرلمان التركي.

يشار إلى أن أحمد داود أوغلو، رئيس حزب العدالة والتنمية، وقتها كان يميل إلى هذه الفكرة وينظر إليها نظرة إيجابية. وبينما كانت فكرة إقامة تحالف كبير تحظى بقبول واضح لدى حزب الشعب الجمهوري بدأت الأعمال الخاصة بإعداد مسودات بروتوكول التحالف المرتقب.

وفي النهاية قُبلت دعوة بهجلي لإجراء انتخابات جديدة. واستهلكت المدة الدستورية في لقاءات استكشافية ومباحثات لا طائل منها. ومع أن داود أوغلو فشل في المباحثات والمفاوضات ذات الشأن إلا أن أردوغان لم يكلف بدلا منه كليجدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري، ليتولى مهمة إجراء مباحثات التحالف، وذلك بالرغم من أن المسؤولية الدستورية كانت تفرض تكليفه بذلك.

ودخلت حيز التنفيذ مسيرة الانتخابات نحو 1 نوفمبر من ذات العام، وما تلا ذلك معلوم؛ فقد زاد حزب العدالة والتنمية من أصواته في انتخابات نوفمبر 2015 وتولى السلطة بمفرده مجددا برئاسة داود أوغلو، والذي سلم زمام الأمور من بعده إلى بن علي يلدريم في مجلس إدارة واتخاذ القرار لحزب العدالة والتنمية. وسحبت من داود أوغلو جميع الصلاحيات الخاصة بالتنظيم أولا، ثم استدعي إلى القصر الرئاسي في بشتبه، ومنح لقب رئيس الوزراء “من قبيل الطرد”، ثم جاء خطاب الاستقالة، ثم أُقيل من الرئاسة العامة لحزب العدالة والتنمية.

وباتجاه انتخابات 24 يونيو 2018 كان دولت بهجلي أيضا هو من كتب سيناريو المرحلة؛ فقام أولا بتوزيع الأدوار، وأجرى أول عرض تجريبي في استفتاء 16 أبريل 2017، وقام بأول عرض له من خلال قانون التحالف. أما عشية الــ24 من يونيو 2018 فقد أزاح الستار عن المسرحية التي لعبها على خشبة المسرح بتحقيقه مكاسب ناجحة إلى حد كبير. ووفقا للوضع العام الحالي، فإن هذه المسرحية ستستمر خمس سنوات على الأقل.

وعشية 24 يونيو أغلق الستار على ما حدث في حزب الشعب الجمهوري، ومع غياب محرم إينجه عن الساحة عدة ساعات، وظهور بولند تزجان على رأس كل ساعة وتهدئته من ينتظرون بقلق متزايد قائلا “سيحسم الأمر في الجولة الثانية”، ثم انتشار رسالة محرم إينجه بعد منتصف الليل بخمس دقائق “نالها رجل”.

إلا أنه وبخلاف خطابي أردوغان اللذين ألقاهما، أحدهما في إسطنبول والآخر من القصر الرئاسي في أنقرة، كانت جبهة المعارضة مشغولة بشأنها، ومتأثرة بجو الهزيمة وأدلت بتصريح لم ينل قدرا كافيا من الاهتمام في ظل صخب وإرهاق الليلة.

بينما كانت استطلاعات الرأي جميعها تظهر أن الأمر منته، تخطى حزب الحركة القومية الـ10 بالمئة بينما كانت استطلاعات الرأي تكشف أنه لن يتخطى ولو حتى نسبة 6-7 بالمئة، وتتوقع فوز أردوغان من الجولة الثانية، وأعلن دولت بهجلي، الرئيس العام لحزب الحركة القومية، فوز تحالف الشعب، وأكد ذلك بصفة خاصة بالعبارات الآتية “إن الشعب التركي جعل الحركة القومية حزبا رئيسيا في البرلمان التركي، كما منحه مهمة تحقيق التوازن والمراقبة، وبذلك حمّله مسؤولية هامة. استراتيجيتنا الأولى هي تكوين مجموعة حزبية قوية من أجل الوفاء بمهمة تحقيق التوازن والمراقبة في البرلمان. استراتيجيتنا الثانية هي انتخاب السيد رجب طيب أردوغان رئيسا للجمهورية. فالحمد لله أن تحقق هدفانا الاستراتيجيان”.

من الواضح أن دولت بهجلي الذي نادى فجأة بانتخابات مبكرة في 3 نوفمبر من ولاية أرجيس في عام 2002، وفرَّق تحالف أحزاب اليسار الديمقراطي والحركة القومية والوطن الأم، مرة أخرى نادى خلال اجتماع كتلته البرلمانية في أكتوبر 2017 بإجراء تعديل دستوري من أجل الانتقال إلى النظام الرئاسي، وبعدها أعلن أن مرشحهم الرئاسي هو رجب طيب أردوغان، وأن حزب الحركة القومية لن يرشح أحدا للرئاسة.

وبينما كان لا يزال هناك عام ونصف على الموعد الطبيعي للانتخابات التي كان من المقرر إجراؤها في 3 نوفمبر 2019 للانتقال إلى النظام الجديد طُرحت في شهر أبريل فجأة فكرة إجراء انتخابات مبكرة في 26 أغسطس. وليس من الواضح ما هي الدواعي والأسباب أو التحذيرات التي نقلها بهجلي إلى أردوغان في اللقاء الذي دار بينهما لمدة 45 دقيقة؛ إذ سرعان ما وافق أردوغان على إجراء الانتخابات في موعد أسبق من المقترح، وأعلن أنها ستكون في 24 يونيو.

ويبدو أن دولت بهجلي حين أعد هذه الخطة وأقنع أردوغان بالانتخابات كان يعلم أن حزب العدالة والتنمية سيفقد أغلبيته في تولي السلطة، وأنه سيحتاج إليه، وأنه شخصيا سيتولى مهمة تحقيق التوازن ومراقبة أردوغان ورئاسته اللامحدودة. لقد تم رسم الاستراتيجيات والسيناريوهات المسرحية بناء على هذا، وعليه قال إنهم وصلوا إلى الهدفين الاستراتيجيين، وإنهم المسؤولون عن تحقيق التوازن ومراقبة الأمور.

متابعة أردوغان
متابعة أردوغان

وفاز حزب الحركة القومية فاز بـ11 بالمئة في انتخابات نوفمبر 2015، ولكنه حصل على نفس الأصوات تقريبا في انتخابات 24 يونيو على الرغم من أن الحزب الصالح ولد من رحمه. وجاء حوالي 1 مليون من مجموع هذه الأصوات من شرق وجنوب شرقي تركيا؛ من المحافظات التي يعيش فيها الأكراد بشكل مكثف. وعندما ننظر إلى هذه اللوحة يبدو أنه كما لم يذهب أي من أصوات حزب الحركة القومية إلى الحزب الصالح، فإنه -أي حزب الحركة القومية- أخذ أصواتا من حزب الشعوب الديمقراطي.

وبناء على ذلك فإن الرؤساء المشاركين لحزب الشعوب الديمقراطي، ومن بينهم سزائي تمللي وبرفين بولدان قد صرّحا بأن أصوات حزب الشعوب الديمقراطي في ولايات المنطقة قد تراجعت بمقدار 120 ألف صوت مقارنة بانتخابات 2015، وأن عدد أصوات الناخبين الموجودة في الصناديق “التي أمرت بنقلها” اللجنة العليا للانتخابات يبلغ هذا القدر. وعليه فإن حزب الحركة القومية في حاجة إلى إيضاح الارتفاع العالي في عدد أصواته في المحافظات التي يعيش فيها الأكراد بكثافة.

ويرجع البعض هذه الزيادة في عدد أصوات حزب الحركة القومية إلى قوات الأمن الكبيرة العدد التي تم توظيفها هناك بسبب العمليات الواسعة التي تُجرى في المنطقة، وكون رجال الجيش والشرطة والحراسة هم ناخبون في الوقت نفسه.

وثمة نقطة أخرى تتمثل في أن حزب العدالة والتنمية خسر 7-8 بالمئة من الأصوات متراجعا بذلك بنسبة 42 بالمئة، في حين ضيع أردوغان من حزبه 10 نقاط وتم انتخابه رئيسا للجمهورية بنسبة 52.5 بالمئة. وهذه النقاط هي الفرق بالضبط بين نفس عدد الأصوات التي حصل عليها حزب الحركة القومية. وبعبارة أخرى فقد صوت ناخبو حزب الحركة القومية “دون خسارة” لصالح أردوغان.

أي أنّ الأمر لو أخفق فيه أردوغان وحزبه واستمرت الانتخابات للجولة الثانية لكان دولت بهجلي وحزبه الحركة القومية سيتغلبان على هذا الخطر، ويسدّان الــ10 نقاط نسبة العجز، ومن ثم يؤدي ذلك إلى انتخاب أردوغان رئيسا للجمهورية من الجولة الأولى، وبالتالي يصبح حزبه محتاجا إلى التحالف وإلى بهجلي نفسه.

لهذا السبب يقول بهجلي حاليا “إن تحقيق التوازن والمراقبة مهمتنا نحن”. ولكن سفر آيجان، نائب رئيس حزب الحركة القومية، يقول هذا بلغة أكثر تجريدا ويفهمها الجميع، بل وربما مضيفا إليها “صلصلة الابتزاز السياسي”، فيقول “من الآن فصاعدا لن يكون إلا ما نقرره نحن. إن حزب الحركة القومية حزب مفصلي. ومن الآن فلاحقا هو من سيدير العملية السياسية”، ربما لأنه “أفشى سرا خاصا سياسيا كهذا” عُزل فورا، وأُقيل من منصبه.

إنه سيناريو المسرحية التي أعدها بهجلي و”أقنع أو أجبر” أردوغان بتمثيلها، وسنرى أن خارطة الطريق التي تم رسمها من أجل تطوّر الأحداث في المشاهد القادمة قد تم تصويرها وتخيلها “لمنح الرئاسة إلى أردوغان وجعله يدفع ثمن ذلك”. والحقيقة أن هذا بالضبط هو معنى مهمة تحقيق التوازن والمراقبة. وسيكون دولت بهجلي وحزبه الحركة القومية جزءا لا يتجزأ من هذه الآليات التي أُلغي فيها التعديل الدستوري.

غير أنه ليس من المنطقي الاعتقاد بأن دولت بهجلي هو من وضع مهمة تحمّل هذه المسؤولية وجلس وكتب بمفرده نص هذا السيناريو. ذلك أن بهجلي الذي نادى بانتخابات مبكرة في 2002 وفتح الطريق أمام أردوغان للانقضاض على السلطة، وتولي منصب الرئيس المشارك لمشروع الشرق الأوسط الكبير وتنفيذه تغيير تركيا والمنطقة في إطار الإسلام السياسي المعتدل هو هذه المرة أيضا من يفتح الطريق أمام أردوغان لتولي مهمة أخرى حاملا لقب الرئيس.

وفي سبيل هذا تحمل مهمة متابعة أردوغان ومراقبته والتفتيش عليه حين يخرج عن المسار ويحيد عن المهمة المرسومة وإعادته إلى المسار، ومسؤولية تحقيق التوازن في حالات ردود الفعل السياسية والاجتماعية والمجتمعية المحتملة في ما سيتم اتخاذه من خطوات، وذلك كإحدى ضروريات هذا السيناريو الذي كتبه.

يتوقع في المرحلة الأولى أن يتم تنفيذ تعليمات دولت بهجلي وحزب الحركة القومية في الخطط الجديدة في سوريا وشمال العراق وقنديل والجنوب الشرقي، وتنفيذ خطوات مسلحة جديدة في دول المنطقة ضد قوات حزب العمال الكردستاني وقوات وحدات حماية الشعب الكردية وحزب الاتحاد الديمقراطي. وستكون منبج واحدة من المناطق التي ستشتعل في فترة قصيرة خلال المرحلة الجديدة. وستكون لحزب الحركة القومية مطالبه في الاجتماع القادم للمجلس العسكري الأعلى وفي إعادة هيكلة القوات المسلحة التركية.

ومن المتوقع أيضا أن تكون عملية العفو عمن تولوا بعض المهام الخاصة في الدولة العميقة في السابق وهم الآن في السجن، وإعادة تأهيل هؤلاء، واستمرار حالة الطوارئ وما شابه ذلك من أمور أجزاء من مهمة تحقيق التوازن والمراقبة إلى هذا الدعم التحالفي.

وينبغي بعد الاجتماع الذي عقد بين أردوغان وبهجلي ألا يكون من المفاجئ أن يقترح دولت بهجلي تعيين نائب للرئيس يكون من حزب الحركة القومية، وأن يتم بالفعل تعيين بعض الوزراء من داخل البرلمان التركي أو من خارجه في الحكومة الرئاسية.

وإذا ضجر أردوغان في هذه المرحلة من الابتزاز والطلبات فينبغي عدم الحيرة أن يكون الحزب الصالح خيارا تحالفيا آخر بالنسبة لأردوغان. فكلام لطفي توركان نائب رئيس الحزب الصالح فيما يتعلق باستمرار تحالف الأمة بعد الانتخابات “لقد تحالفنا من أجل الانتخابات، ولم نشكل تحالفا، ولم نجهز شروطا للتحالف” ربما يعتبر رسالة من هذه الناحية.

بل ربما يكون من المبالغ فيه ولكن ليس من المستغرب أن أردوغان قد يطرق باب حزب الشعوب الديمقراطي إن أراد التخلص من حزب الحركة القومية والبحث من جديد عن حل. فهل سيسمح بهذا دولت بهجلي الذي تحمل مسؤولية تحقيق التوازن والمراقبة، أم أنه سيقيّد حركة أردوغان؛ هذا ما سنراه لاحقا.

الخلاصة أنه من المبكر القول إن أردوغان سيشعر بالراحة والطمأنينة كثيرا بالرغم من وصوله إلى هدفه نظام الرجل الواحد-النظام الرئاسي الذي طالما حلم به منذ سنوات، حيث يحتفظ أردوغان وبهجلي، كل منهما بخيوط التحكم في الآخر، وربما أن الميزة الوحيدة لأردوغان في هذه النقطة أنه إذا ما ضغط عليه بهجلي أكثر سيقوم بحل البرلمان التركي، ويدعو إلى “انتخابات جديدة”، لكنه لن يضمن مثل هذه الانتخابات التي سيكون مضطرا إلى خوضها.

6