مهمة سرية وطدت علاقة السعودية بالولايات المتحدة

يتساءل البعض عن سر العلاقة الوطيدة بين السعودية والولايات المتحدة لأكثر من سبعة عقود والتي اتسمت على وجه التحديد بالأمن الإقليمي والنفط رغم التباين في وجهات النظر في بعض الملفات الحساسة التي باتت تتصدر واجهة الأحداث في الشرق الأوسط.
الخميس 2015/06/11
الملك عبدالعزيز مهد لبناء علاقة وطيدة مع الأميركيين قبل أكثر من سبعة عقود

لندن - كشفت وثائق أميركية رفعت السرية عنها مؤخرا عن خفايا التحالف السعودي الأميركي والذي بات اليوم أكبر من أي وقت مضى بعد رحلة “سرية” من الطبيب الشخصي للرئيس الأميركي آنذاك هاري ترومان لعلاج العاهل السعودي الراحل الملك عبدالعزيز آل سعود قربت الجانبين مع بعضهما البعض.

وذكر تقرير لـ”بي بي سي” استنادا لتلك الوثائق أن السفير الأميركي لدى الرياض جيمس ريفز تشايلدز أرسل طلبا “غريبا” وغير معتاد للخارجية الأميركية في فبراير 1950 قال فيه “جلالته يطلب مساعدتنا في الحصول على خدمات فورية لأخصائي بارز يمكنه أن يتوجه إلى السعودية لفحصه وعلاجه من التهاب المفاصل المزمن”.

وجاء هذا الطلب في فترة اتسمت فيها العلاقات بين البلدين بالتعقيد إذ كانت واشنطن تستأجر مطار الظهران في المنطقة الشرقية واتخذته قاعدة عسكرية وهو ما كان يرفضه عدد كبير من السعوديين وعلى رأسهم رجال الدين الأكثر تحفظا.

في المقابل، كان الملك عبدالعزيز نفسه لا يزال متحفظا إزاء اعتراف واشنطن بدولة إسرائيل، في وقت تجرى فيه مفاوضات بشأن كيفية تقسيم أرباح شركة “أرامكو” النفطية التي تشارك في ملكيتها شركات بين البلدين.

شكلت المهمة أرضية للعلاقات بين البلدين رغم فتورها آنذاك بسبب القاعدة العسكرية الأميركية في الظهران

واستجابة لذلك الطلب، أرسل البنتاغون اثنين من الأخصائيين وعددا من العسكريين السابقين بالإضافة إلى فنيي أجهزة طبية، إلا أن الرئيس ترومان أضاف إليهم طبيبه الشخصي العميد والاس إتش غراهام للانضمام إلى هذه الرحلة لعلاج الملك.

وطلب الرئيس ترومان من الجنرال غراهام برعاية “صديقه العظيم والرائع”، في إشارة للعاهل السعودي وأن يرأس الفريق الطبي لوزارة الدفاع، وذلك في برقية كانت سرية آنذاك وموجودة الآن ضمن ملفات الأرشيف الوطني الأميركي.

وأبلغ وزير الخارجية الأميركي السابق دين اتشيسون السفارة الأميركية في جدة بأن الرئيس ترومان يريد من الجنرال غراهام الاعتناء بالملك عبد العزيز وأن يرأس الفريق الطبي لوزارة الدفاع.

وأعرب السفير الأميركي في رد على برقية وزير الخارجية آنذاك دين اتشيسون بأنه يشعر بأن الملك عبدالعزيز “سيتأثر بشدة” بعرض الرئيس ترومان، وأشار إلى أن ذلك سيسهم بشكل كبير “في إقناعه بصدق مشاعرنا الودية”.

وكان الأخصائيان اللذان ضمهما فريق وزارة الدفاع الأميركية عسكريين سابقين وهما الدكتور غلبيرت ماركواردت والدكتور داريل كراين الذي اصطحب معه آلة التصوير الخاصة ليمارس هوايته المفضلة.

وحفاظا على سرية المهمة أرسلت الحكومة السعودية برقية طارئة إلى سفيرها في واشنطن لمطالبة الرئيس الأميركي “بعدم السماح بإبلاغ نبأ سفر الفريق الطبي إلى هنا سواء عبر الصحافة أو الإذاعة”.

العاهل السعودي الراحل طلب من الرئيس ترومان أن تكون زيارة الفريق الطبي إلى الرياض في كنف السرية

وكان السعوديون يخشون من أن الطبيعة المفاجئة لهذه الزيارة قد تؤدي لنشر شائعات بأن العاهل السعودي يعاني من مرض خطير ويفكر في التنازل عن العرش.

ويبدو أن للرئيس الراحل ترومان أيضا أسبابه الخاصة في الحفاظ على سرية هذه المهمة، فلم تكن السعودية آنذاك حليفا محتملا لواشنطن بسبب موقف الرياض المناوئ للشيوعيين رغم شراكتهما النفطية، وهو تحالف اقتصادي لم يكن يحظى بشعبية في الولايات المتحدة.

وتشير الوثائق الرسمية أن المهمة انطلقت من واشنطن في 15 أبريل عام 1950 وكانت صغيرة وسرية، ولم تدم طويلا لعلاج العاهل السعودي الراحل.

وبعد رحلة استغرقت ثلاثة أيام، وصلت هذه المجموعة إلى العاصمة السعودية الرياض، والتقى أفرادها بالملك الذي “كان يتطلع لوصول هؤلاء الأطباء بفارغ الصبر وبحماس شديد”، بحسب وصف هايورد هيل الذي كان يعمل مستشارا لدى السفارة الأميركية آنذاك.

وبعد نجاح المهمة وطدت تلك الرحلة العلاجية العلاقة بين الجانبين لحد كبير إذ تمثل اتفاقية الدفاع المشترك أساس التعاون بينهما وهي ممتدة حتى اليوم بالرغم من فترات الاضطراب بين الحين والآخر.

12