مهمة هيلاري كلينتون لاستعادة أميركا الضائعة

السبت 2015/04/18

ربما كان التاريخ لا يعيد نفسه، ولكني اعتقد أن ذلك في السياسة يحدث ولو بصور مختلفة. رئيس وزراء بريطانيا في خمسينات القرن الماضي، أنتوني إيدن قال ذات مرة “من المستحيل أن نقرأ تاريخ ما حدث في القرن العشرين ولا نخرج برأي أنه كان هناك دائما مسؤولون يتخذون القرارات بخطوة واحدة متأخرة.. وكانت هذه الخطوة المتأخرة دائما هي الخطوة القاتلة”، وذلك بالضبط ما تتسم به سياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي تحول من حلم أميركي وعالمي إلى كابوس سياسي ودبلوماسي أصبح غير مقبول على نطاق واسع في الأوساط الأميركية، التي لم تكن متحمّسة منذ البدء لصعوده الرئاسي.

ربح أوباما ترشيح حزبه الديمقراطي على حساب المخضرمة هيلاري كلينتون، وكان على الأميركيين الاختيار بين أول رئيس أسود، أو أول امرأة لرئاسة القوة العظمى، وكسب أوباما ترشيح الحزب، في تلك الفترة كنت قد سألت دكتورة محاضرة في ورشة عمل بجامعة ميريلاند جورناليزم عن أنه رغم عراقة التجربة الديمقراطية الأميركية إلا أنها لم تصل بامرأة إلى الرئاسة، فأجابتني بأنها كانت تتمنى لو فازت هيلاري بترشيح حزبها ومن ثم رئاسة أميركا، وقالت إن باراك أوباما، لا قبول له، وأنها، بصورة شخصية، لا تحبه وتفضل عليه هيلاري كلينتون.

هيلاري كلنتون تعود إلى سباق الرئاسة مجددا حسب ما تم الإعلان عنه، ويدعمها زوجها الرئيس السابق كمستشار لها، وبصورة شخصية أتمنى فوزها لنرى تقدما جديدا للمرأة يبعث الأمل لكل نساء العالم، خاصة أنها كسبت خبرات سياسية كبيرة خلال السنوات الماضية، بما يجعلها تعمل على تحسين صورة أميركا وتصحيح الأخطاء التي ارتكبها أوباما في فترتيه الرئاسيتين، كإضافة سياسية نوعية تعكس عراقة التنوع الديمقراطي في أميركا، وتعالج التداعيات السلبية للممارسة السابقة لها، فأوباما غيّر كل التوقعات من خلال أدائه غير الموفق، وكانت نتيجة ذلك سخط غالبية الشارع الأميركي، بل امتد ذلك إلى كل العالم لأن سياسة أميركا لها امتداداتها الدولية المؤثرة، وحين تحكم الدولة العظمى من قبل رئيس يتخذ قراراته بخطوة واحدة متأخرة، كما وصف إيدن، فإنها حتما تصبح قاتلة، وذلك يفسر حالات الفوضى والالتباس التي تعاني منها الكثير من مناطق العالم بسبب سوء سياسة أوباما.

ارتكبت إدارة أوباما أسوأ الأخطاء الإستراتيجية في أغلب الملفات الدولية، ومن بين ذلك سوريا التي لم تنجح في تحقيق السلام فيها

كلا الفترتين الرئاسيتين لأوباما لم يكن فيهما ما يضيف إلى التجربة الديمقراطية للأميركيين والعالم، فهما فترتان احتشدتا بأخطاء سياسية كان طابعها التردد والتقرير القاتل الذي يجعل الملفات تزداد تعقيدا وجمودا، ولعلنا في منطقتنا عانينا كثيرا من تردد الرئيس الأميركي وعدم تمتعه بسعة الأفق التي تجعله، على الأقل، متوازنا مع عراقة الديمقراطيين الذين قدموا رؤساء كان لهم تأثير قوي في السياسة العالمية، ذلك ما أكدته مجلة “فورن بوليسي” الأميركية من أن عدم الوضوح الإستراتيجي لإدارة باراك أوباما، شجع على الفوضى في الشرق الأوسط، ومن الممكن أن تكون أخطاء إدارة أوباما هي السبب.

ارتكبت إدارة أوباما وتحت إشرافه أسوأ الأخطاء الإستراتيجية في أغلب الملفات الدولية، ومن بين ذلك سوريا التي لم تنجح في تحقيق السلام فيها، فهي كانت تريد الشيء ونقيضه، ولم تتمتع بالجرأة السياسية أو العسكرية التي تضع أي قوة عظمى موضع المسؤولية عن الأمن والسلام في أي منطقة مضطربة.

وتواصل ذات الشيء في تعاطيها مع بقية الثورات العربية التي لم تحسن مطلقا في إدارتها للمجريات وتبعاتها بما يعكس واقع الأشياء، ففي ليبيا على سبيل المثال، أنتجت مصطلحا غريبا وهو “القيادة من الخلف”، بمعنى أن يحدث الحريق ومن ثم تديره، وفشل ذلك لتعارضه مع مصالح حلفائها الغربيين الذين يريدون العكس وهو “القيادة من الأمام” وانتهت ليبيا بسبب ذلك إلى حالة اللادولة.

في روسيا تم التهام القرم من أوكرانيا حليفة واشنطن ولم تفعل الأخيرة شيئا ذا قيمة إلا العقوبات، ولم تعد القرم ولن تعود بهذا الأداء السياسي الهزيل، وتطول قائمة الأخطاء لتشمل عدم ثقة الحلفاء في الولايات المتحدة وتراجع دورها الدولي بصورة واضحة، بما يجعلنا نؤكد أن رئاسة أوباما كانت خصما رهيبا على هيبة أميركا وتأثيرها الدولي، ونصل كذلك إلى يقين حول إعادة التاريخ لنفسه بتأكيدات ساسة بريطانيا حينما كانت إمبراطورية كبيرة بأنها فقدت دورها، ولم تستعده حتى الآن، لذلك يبقى الأمل في تغيير إيجابي مع صعود هيلاري كلينتون للرئاسة حتى لا يتكرر ذلك مع أميركا على النسق السياسي الحالي.

كاتبة سعودية

8