مهنة الناقد

في ممارسات عدد كبير من النقاد الأساسيين في العالم العربي لا نكاد نعثر على وظيفة قائمة بذاتها لعمل الناقد.. استنادا إلى مطبوعات إبداعية تمده بها.
الأربعاء 2018/07/11
بصيرة داخلية كاشفة (لوحة: خالد عقيل)

يخيّل إلي دوما أن عمل الناقد لا يمكن قياسه بحجم المعارف الأدبية، ولا القواعد المنهجية، ولا حتى بامتلاك المفاهيم والنظريات فقط، وإنما يتعلق أكثر بتملك بصيرة داخلية كاشفة، وموهبة حقيقية في التقاط جوهر التعابير والخطابات، بكلمات لها جاذبية لا تقل عن تلك التي تشكل النصوص المنقودة، لهذا اعتبرت دوما هذا العمل محكوما بمجاوزة الضرورة، تلك التي تقتضي إعمال النظر في كل نص، ومراجعة أي مكتوب، ومن ثم تقييمه وتقويمه، أو تحليله وتأويله.

واعتبرت العمل النقدي دوما تجربة محكومة بقدر جم من الحرية، فلم أكتب يوما مقالا عن عمل لم أحس أنه ينخرط في مدار إشكالي يخصني تحديدا، ومن ثم فكتابتي عنه تتجاوز مبدأ “إبداء الرأي” إلى الاسترسال التأملي المركب، والشيء الأكيد أنه اختيار صعب، ومورث للضغائن، ذلك أن أعمالا عديدة على قدر كبير من الأهمية لم تجعلني أكتب “نقدا”، فقط لأن الأمر غير متصل بواجب أو ضرورة بالنسبة إليّ.

وبناء على هذا الافتراض، أفضل دوما أن نتحدث في السياق العربي، عن نقاد هواة، ليس بالمعنى المعرفي الذي يجعل إنتاجهم يفتقد إلى الخبرة والمعرفة، وإنما بالنظر إلى سياق الإنتاج الذي يجعل عملهم شيئا ثانويا، أو مضافا إلى أعباء أصلية شتى، كأن يكون الناقد باحثا في اللغات والآداب والفنون، أو مؤرخا أو مقارنا، أو مجرد صحافي مهتم بأخبار الثقافة، من هنا يمكن أن نجد وتيرة الإنتاج ليست بالغزارة المطلوبة، ولا الانتظام المنتظر، إذ القاعدة تقتضي أن تنجز المهام الأصلية، ثم ينوَّع عليها بمقالات في حقول النقد.

وفي ممارسات عدد كبير من النقاد الأساسيين في العالم العربي اليوم لا نكاد نعثر على وظيفة قائمة بذاتها لعمل الناقد، الذي يتابع كل ما يصدر، استنادا إلى مطبوعات إبداعية تمده بها، على نحو منتظم، دور النشر، وبناء على تعاقد واضح مع مؤسسات صحافية أو مجلات متخصصة في المراجعات.

ولذلك ينبغي أن نتفهم تلك الاعتراضات المتكررة الواردة على ألسنة المبدعين، على وجود “وظيفة” مستقلة بذاتها للناقد في الثقافة العربية اليوم، بالمعنى الذي يجعل الكاتب يقرأ رأيا واحدا على الأقل في ما يكتبه، حيث يبقى الأمر رهين صدف سعيدة أو شقية، على الدوام.

والحق أنه رأي لم يعد يصدمني في شيء، ولا اعتبره جحودا لعمل مفترض للناقد العربي، ومن ثم لم أعد أبحث له عن مبررات انعدام المجلات المتخصصة والصحف الأدبية، بل أتفهمه بوصفه إنكارا لمبدأ الهواية الذي لا يخص المجتمع النقدي وحده، وإنما المجتمع الأدبي والثقافي عموما من المحيط إلى الخليج.

15