مهنة عارض الأزياء.. الرجال في مرمى سهام المجتمع الذكوري

تحولت مهنة عارض الأزياء إلى حلم بالنسبة للكثير من الشباب العرب الذين ضربوا عرض الحائط بنظرة المجتمع الناقدة والساخرة، ملتفتين فقط إلى الميزات التي تقدمها والأبواب الواسعة التي تفتحها.
الأحد 2018/01/28
العالمية هاجس عارضي الأزياء العرب

لندن - تنقلب الأدوار بين الرجال والنساء في عالم عروض الأزياء، ويشعر العارضون العرب أن نظرات الانتقاد والسخرية تلاحقهم في مجتمعاتهم، إلا أن آفاق هذه المهنة وشهرتها تجعلان لا قيمة للانتقادات مهما بلغت حدتها، خصوصا أنها تفتح الباب لمجالات أخرى مثل الغناء أو التمثيل أو الميدان الإعلامي.

ويعترف الكثير من العارضين بأنهم يتعرضون للنقد طوال الوقت أكثر من النساء بسبب “اللوك”؛ سواء في الجامعة، أو مكان العمل، بمجرد دخولهم عالم “الفاشن”.

ويقول العارض محمد حسني من مصر “أحيانا أسمع الانتقادات بصوت عال، وهي بالتأكيد مزعجة ويجب التعامل معها بحكمة، لكن بشكل عام بعض المواقف التي تحدث للكثير منا تكون بسبب عدم تناسق الملابس أو المواقف الطارئة”. ويضيف “وليس من السهل أن يسير عارض مصري على ‘رانوي’ غير مهتم بهمسات الحضور وضحكات السخرية”.

انتقاد المجتمع

ويؤكد العديد من الشباب في الدول العربية أن هذه المهنة باتت حلما لهم نظرا إلى الشهرة التي تمنحها إلى جانب المردود المادي الجيد، رغم أن المجتمع لا يزال غير متقبل لهم بشكل كاف، وغير متفهم لطبيعة عملهم حتى لو كانت هذه المجتمعات تولي أهمية كبيرة للأناقة، والإنفاق على الملابس، وهو ما أكده عارض الأزياء السعودي مصطفى العنبدي، قائلا إن عشقه لعالم عروض الأزياء وخطوط الموضة العالمية، كان سببا في احترافه للمهنة.

واعترف بمواجهة معارضة قوية من المجتمع بسبب اختياره مجال عرض الأزياء، لافتا إلى أنه حظي بتأييد البعض انطلاقا من احترام الإنسان للمجالات التي يحبها، ”لكل فرد الحرية في اختيار ما يناسبه“، مؤكدا حرصه على مراعاة العادات والتقاليد العربية.

أسواق الأزياء الفاخرة للنساء والرجال تدر المبيعات نفسها، أي نحو 30 مليار دولار لكل منهما، لكن تبقى الموضة موجهة إلى النساء في المقام الأول

وأضاف أن كل عمل جديد يضيف بصمة جديدة وخطوة إلى الأمام، مشددا على أهمية الاقتناع بالفكرة والمضمون الذي سيظهر به، وأشار إلى أنه حرص منذ البداية على انتهاج نمط خاص يميزه عن أقرانه في عالم الأزياء، مضيفا أنه رسم لنفسه منهجا خاصا للانطلاق بقوة في عالم الشهرة والأضواء.

وأكد أن النظرة المجتمعية لعارض الأزياء تحتاج إلى تغيير، خاصة وأن البعض يعتبرها من المهن غير المقبولة للرجال.

ويقول آخرون إن إقبال الشباب على الموضة وكل ما هو جديد في العالم هو أكثر ما شجعهم اليوم على الدخول إلى عالم الموضة والشهرة والأضواء. لكن الكثير من الانتقادات التي تصلهم سلبية، وأغلبيتها تكون على مواقع التواصل الاجتماعي من أشخاص لم يحتكوا بالعالم الخارجي ويترصدون خلف شاشات الكمبيوتر كل ما هو جديد حتى يكيلوا لهم التهم والانتقاد في عالم افتراضي يعتقدون أنه يعكس الواقع.

وينتقل العديد من عارضي الأزياء إلى المشاركة في مسابقات الجمال، حيث شق ملوك الجمال في الجزائر بداياتهم من عروض الأزياء ليعتزموا على إثرها المشاركة في المسابقات الدولية للجمال رغم كلفتها إلا أن ما توفره لهم من حظوظ وفتح للآفاق يجعلهم يخوضون غمار المنافسة.

ويقول علي بن شاوي كوريغراف مدرّب ومكوّن في مسابقة ملكة جمال الجزائر ومشرف على عارضي الأزياء، “إن الجزائر تفتقر إلى هذا النوع من المسابقات إلا في ما ندر، غير أن هذا لم يمنع الشباب الجزائريين من المشاركة الفردية في مسابقات عالمية اعتمادا على مهاراتهم وعلاقاتهم الخاصة، حيث حققوا فيها نجاحا وفوزا بألقاب ومنهم آخر المشاركين وهو حمزة منصوري الذي شارك في مسابقة عالمية بجورجيا”.

وأضاف أن هذه الألقاب التي يحصدونها تفتح لهم الأبواب نحو النجومية والعالمية ويطلبون في مجالات أخرى مثل الفن والتمثيل.

ويرى أحمد قوراية، المختص الجزائري في علم النفس الاجتماعي، أنه مع ازدياد الاهتمام بالتنسيق الجمالي الجسدي برزت ظاهرة جديدة وهي ملك الجمال عند فئة الرجال بعد أن كنا نسمع بها لدى النساء فقط.

الأدوار تنقلب بين الرجال والنساء في عالم عروض الأزياء

ذوبان في قالب الآخر

ذهب قوراية في تحليله للظاهرة بالقول إن الأمر يعود إلى سببين مهمين، هما ذوبان المجتمع في قالب الآخر حيث أصبحنا أتباعا للغرب ونقلدهم تقليدا أعمى حتى أضحينا دون هوية أو تفكير نتبع ما ينتجه الآخرون حتى وإن لم يوافق معتقداتنا وهذا يرجع أساسا إلى ضعف الشخصية.

أما السبب الثاني فيتعلق بالوجدان التفكيري والتغيرات الطارئة على المجتمع، حيث بدأ كل جنس ينسلخ من ذاته وينغمس في الآخر. واستشهد بأطروحة دكتوراه أشرف عليها خلصت نتائجها إلى أنّ 15 في المئة من النساء يسترجلن مقابل 30 في المئة من الرجال يتأنّثون نفسيا وجسديا، وأضاف أنّ الذين يدخلون هذا العالم بمظاهر التأنيث الخارجية ينافسون المرأة في الجمال والتناسق والريجيم والنحافة وحتى المشية، ويتدربون على هذا السلوك الأنثوي.

وأفاد قوراية بأنّ هذا النوع من المسابقات لا يرتكز على معايير الذكورة مثل القوة والشدة والتبصر والحكمة والصلابة والخشونة، وإنّما على معايير أنثوية بحتة، فهي ذوبان ذكوري في الحالة النفسية.

ولا يمكن تعميم نظرة قوراية مع أراء الجميع حول هذا الرجل الذي يهتم بجماله، فهي تختلف من شخص إلى آخر وفق معتقدات كل فرد سواء كان ذكرا أو أنثى، فوجود بعض الآراء التي لا تتقبل مهنة عارض الأزياء وتراها غربية، لا تعني عدم وجود أشخاص آخرين يتقبلون المشهد، رغم اختلافه عن مبادئهم، ونظرتهم المبنية على أن الرجولة لا تعترف بمعايير التجميل والتزيين، وأن صالونات التجميل مخصصة غالبا للمرأة، التي تقصدها لتعزيز أنوثتها.

ويريد بعض الشباب الإثبات للعالم أن العرب لديهم الكثير والمميز، فهذه المهنة ليست سهلة كما يعتقد الناس، ويحتاج الدخول إلى هذا العالم إلى الكثير من المقومات، فمعايير الاختيار كثيرة، والشكل ليس إلا واحدا منها.

ولا بد لعارض الأزياء أن يكون متناسق البنية، ويجب أن يملك ملامح بسيطة حتى يستطيع مصمم العرض تغيير ملامح وجه العارض بسهولة، إضافة إلى التمتع باللباقة، وسرعة البديهة، وأن يكون ملما جيدا بحضارة بلده، وعن الشخصية القيادية في حياته، كما تختلف معايير الاختيار من قبل العلامات التجارية؛ فهناك من يرغب في أن يمثل المنتج موديل يحمل الطابع الغربي، وآخر يرغب أن يكون الشكل العربي هو الممثل لمنتجه.

وهناك الكثير من الأشخاص يعتقدون أن عمل الموديل هو مجرد الظهور على منصة العرض وارتداء الماركات، وبعد العرض ينتهي كل شيء، ويقول جاد نوفل من لبنان إن هذا خطأ تماما، فالعارض لا بد أن تستمر حياته كما هي قبل العرض وبعده، فشكله وطريقة حديثه، وكل أسلوب حياته يتغير، مشيرا إلى أنه ليس كل من أخذ ورشة في المجال سيصبح “موديلا” على الفور، فالموهبة والكاريزما هما الأساس.

النساء أكثر حظا

والمفارقة في عالم الأزياء والموضة أن الرجال ينظرون إلى النساء بنوع من الحسد، إذ تنقلب المعايير بين الجنسين على صعيد الفروقات في الأجر بين النساء والرجال فالعارضون يتقاضون أقل من نظيراتهم.

ويقول عالم الاجتماع المتخصص بأوساط الموضة فريدريك غودار “مع أن أسواق الأزياء الفاخرة للنساء والرجال تدر المبيعات نفسها أي نحو 30 مليار دولار لكل منهما، تبقى الموضة موجهة إلى النساء في المقام الأول”.

الماركات العالمية أو المحلية التي تنظم عروضا للأزياء تسعى فقط إلى الربح والربح السريع ومن ثم يصبح عارضو الأزياء عرضة للكثير من أنواع الاستغلال وضياع الحقوق

ويوضح “تنجذب الماركات ومجلات الموضة أكثر إلى المخزون الجمالي للمرأة الذي يسمح ببيع سلعة ما بطريقة أفضل مما يؤدي تاليا إلى ارتفاع أجور العارضات”. وأكد أن نحو ألف امرأة شابة في العالم يعشن حياة رغد بفضل عرض الأزياء. ويشدد على أن “قاعدة الرابح يكسب كل شيء، تهيمن على هذا الوسط مما يعني أن العارضات الشهيرات يتقاضين أجورا أكثر بكثير من الرجال”.

ويؤكد غودار أن “التفاوت في الأجور بين الجنسين يميل إلى التقلص كلما كانت العارضات أقل شهرة، لكن هذا الأمر لا ينطبق على الجميع، إذ أن الكثيرين يعيشون في وضع مالي هش ويضطرون إلى إيجاد عمل آخر”.

ولا يختلف الأمر بالنسبة للعالم العربي، إذ يقول عارض الأزياء مراد صدقي الفائز بجائزة “ملك جمال المغرب العربي” خلال مشاركته في المسابقة التي نظمت في لبنان إن السبب في عدم شهرة عارضي الأزياء الرجال بالمغرب يرجع إلى توجه أغلب المصممين للأزياء النسائية، وهو ما لا يساعد في شهرتهم.

من جهته يقول مهدي التازي عارض أزياء رجالية ومصمم ملابس في المغرب إن الرجال سيدخلون إلى مهنة عرض الأزياء بقوة خلال السنوات القليلة القادمة، ويعتبر أن مهنته مهنة نبيلة مثلها مثل باقي المهن الأخرى التي لها وظيفة ودور في المجتمع.

ويشتكي العاملون في مهنة “عرض الأزياء” في المغرب من غياب قانون منظم لها ما تسبب في ضياع الحقوق وأصبحت المهنة عرضة لمزاج المصممين ومنظمي العروض، فالأجور والتعويضات تتحدد خارج المعايير التي تعتمد في دول أخرى أوروبية.

ويقول العارضون إن الماركات العالمية أو المحلية التي تنظم عروضا للأزياء تسعى فقط إلى الربح والربح السريع ومن ثم يصبح عارضو الأزياء عرضة للكثير من أنواع الاستغلال وضياع الحقوق، خاصة حين يتعلق الأمر بتجاوز صالات العرض إلى النشر على صفحات المجلات المتخصصة.

19