مهندسات عربيات يكافحن لتغيير لافتة وظيفة للرجال فقط

على الرغم من الرهانات الكثيرة التي تضعها نخب فكرية ومثقفون على الدولة في مجال تمكين المرأة العربية وحقها في تبوّؤ نفس المهنة التي حصلت على دراستها فيها وتخصصت بها دون إجبارها على مهن بديلة بحجة ملاءمتها لطبيعة المرأة الرقيقة، إلا أن تمثيل المرأة في مهن بعينها مازال فقيرا للغاية ولا يرضي طموح النساء النابغات، ومهنة الهندسة من أهم المهن التي تعاني تمثيلا ضعيفا للعنصر النسائي.
الأحد 2017/10/22
ابتسامة في وجه الصعاب

القاهرة - تعتبر مهنة الهندسة من أهم المهن التي تسعى المرأة العربية لإثبات وجودها وجدارتها فيها، ومع ذلك مازالت المهندسات في البعض من الدول العربية، مثل مصر والسعودية والكويت الأردن يعانين من التمييز مقارنة بالرجال، على عكس الأمر في دول شمال أفريقيا العربية، وبصفة خاصة تونس التي تفسح المجالات أمام المرأة بشكل لافت وتلقى دعما حكوميا ومجتمعيا ومؤازرة للقيام بدورها التنموي.

وباتت في مصر عبارة “نعتذر.. ليست لدينا فرصة عمل لكِ” عادية ومكررة على ألسنة أصحاب الأعمال والشركات الهندسية الكبرى للإناث، وعندما تكون المتقدمة للحصول على الوظيفة امرأة تصبح فرضية الرفض متوقعة بشدة، وتكون قسوتها أشد على الفتيات اللاتي في مقتبل العمر وهن سعين لنيل فرصة عمل كريمة توفر لهن ولأسرهن حياة أفضل لتعويض بعض ما أنفقته هذه الأسر لتعليمهن.

وغامرت عائلات كثيرة بتعليم فتياتهن في مجالات هامة وحساسة من بينها العمل الهندسي لكسر حاجز “الذكورية”، وتعدّ مهنة الهندسة بكافة فروعها وأقسامها كالعمارة والهندسة المدنية والكمبيوتر والبرمجة والحاسبات والمعلومات البترول وغيرها من المهن المميزة للغاية في العالم أجمع، إلا أنها مازالت مع ذلك كهفا من الصعوبة على النساء المرور إليه في مجتمعات عربية تكافح نساؤها للحصول على حقوقهن.

والأمر الواضح أن حركات التجديد والتحضر السائدة الآن في معظم الدول العربية لم يواكبها فكر تنويري متفتّح، فمازال تمكين المرأة بشكل كامل غير خاضع للتطبيق العملي، حيث يتم الاكتفاء بالتصريحات الإعلامية للاستهلاك المحلي في كثير من الأحيان كديكور باهت.

حنان عبدولي: يعد الفارق الوحيد في تونس بين المرأة والرجل هو التفوق والتميز العلمي

الخيار الصعب

قالت هيام إبراهيم، مهندسة معمارية مصرية، “بعد نزول مواقع العمل والمعاناة مع العمال أدركت أن العمل في مجال الهندسة لا يناسب المرأة مطلقا، وأنّني أضعت عمري في دراسة لن أستطيع ممارسة العمل في مجالها”.

وأوضحت إبراهيم لـ”العرب” أن عملها لا يقتصر فقط -كما يعتقد الكثيرون- على رسم التصميمات الهندسية وهي جالسة في مكتب مكيف، بل تصر إدارة الشركة على مرورها على مواقع العمل والمشروعات التي تنفّذها في مناطق معظمها نائية يصعب الوصول إليها.

وأضافت “هذه مشقة لا أتحملها، وقد انتهى زواجي بسبب صعوبة عملي وتواجدي لفترات طويلة خارج المنزل، كما أنني تعرضت للإجهاض أثناء إشرافي على بناية تحت الإنشاء، وأيقنت أن الخيار كان صعبا للغاية ما بين الترقي في عملي وتحقيق طموحي المهني في ظل متطلبات مهنية شديدة الصعوبة، وبين رعاية أسرتي والبقاء إلى جانب أبنائي، وللأسف فقدت هدوئي الأسري وخسرت حياتي العائلية قبل أن أهنأ بها”.

وترى ريهام. ع، وقد فضلت عدم الإفصاح عن هويتها، أن الهندسة مهنة لا تناسب النساء مطلقا وعملها حرمها من الاستمتاع بالحياة والتنزه مع صديقاتها، وأنها طوال ساعات العمل الطويلة وأيضا حين تعود إلى المنزل لا يتوقف الهاتف عن الرنين إما لطلب تفاصيل دقيقة أو لعرض مشكلة، وهكذا ضاعت أجمل سنوات عمرها ولم تستطع الزواج حتى سن الثامنة والثلاثين.

وقالت ريهام لـ”العرب”، “كنت أرى صغيرات العائلة وقد أصبحن أمهات بينما أنا أقبع خلف جهاز الكمبيوتر لساعات طويلة مملّة، وفي مواقع العمل، حيث أن تخصصي صعب، وفقدت حماسي للعمل حين شعرت أنه حرمني الحق في الحياة والحب والزواج وتكوين أسرة، وفي رأيي فإننا في العالم العربي بحاجة إلى تهيئة مجتمعية تسمح للمرأة بالنجاح في عملها وفي الوقت نفسه نجاحها في إدارة شؤون أسرتها”.

وذهبت ريهام إلى أنه بالرغم من أن المجتمعات العربية في مجملها تدّعي الحداثة وتردّد دعوات زائفة عن تمكين المرأة ومساعدتها في نيل المناصب الهامة لكن معظم النساء النابهات الناجحات في عملهن لا يحظين في الوقع العملي بحياة أسرية مستقرة، وأن الرجل الذي تنتفخ عروقه مناديا بحرية المرأة لا يقبل الزواج بامرأة ناجحة ومتطلعة بحجة أن الأطفال ومتطلبات الأسرة جميعها بحاجة لوجودها داخل أسوار المنزل، وهنا تضطر المرأة إلى أن تختار بين الترقي في العمل وتحقيق نجاحات أو البقاء لتغيير حفاظات الصغار، وبالطبع ترجح كفّة أمومتها.

ونجد بنظرة موضوعية لبعض المهن أن الناجحات فيها إما آنسات عزفن عن الزواج من أجل العمل، وإما مطلقات ضاقت بنجاحهن الحياة الزوجية، أو أرامل يسعين لملء فراغ أوقاتهن بالنجاح في العمل، وكثير من النساء يرين أن الحل يكمن في تهيئة الرجال لقبول توزيع الأدوار بين الزوج وزوجته ليحقق كل طرف منهما أهدافه وطموحاته، إذ ليس على المرأة وحدها تقديم التضحيات من أجل الأسرة، بل يجب أن يعاد تأهيل الرجال مرة أخرى حتى يتقبّلوا دور المرأة في المجتمع.

أماني اليماني: دعم زوجي لي جعلني أستطيع العطاء بشكل أفضل مع حرصي على أسرتي

وأكدت المهندسة المصرية أماني اليماني، مدير عام إدارة السلامة والصحة المهنية بالمركز القومي التابع لوزارة القوى العاملة (جهة حكومية)، أن دعم زوجها لها جعلها تستطيع العطاء بشكل أفضل مع حرصها على اهتمامها بأسرتها وأبنائها لترسم صورة رائعة للمرأة الناجحة. ونفت البلغارية صوفي توي، تعمل مهندسة في مصر، أن تكون هناك صعوبة في حصولها على عمل خاصة وأنها تعمل في شركة دولية، كما أنها لا تعاني فجوات كبيرة في الراتب، بيد أنها تشكو تحرّش العمّال والحرفيين بها وتعرضها لمضايقات تمييزية وحساسية شديدة في توجيه وتنفيذ الأوامر لمرؤوسيها.

السعودية خطوات متقدمة

في السعودية تعاني المهندسات السعوديات من عدة صعوبات في ممارسة المهنة على أرض المملكة فضلا عن معاناتهن قبلا من عدم توافر الكثير من التخصصات، كما يعدّ دخول مهنة الهندسة غير واضح بشكله المهني وفقا لتعريف المنظمات الدولية، وتواجه المهنة العديد من التحديات.

وكشف تقرير للهيئة السعودية للمهندسين تراجع عدد المهندسات السعوديات المسجلات لديها رغم ازدياد عدد الخريجات من الجامعات أو المبتعثات اللائي وصلن إلى 1150 إضافة و465 مهندسة وافدة، بينما وصل عدد المهندسين السعوديين المسجلين في الهيئة إلى 19500 مهندسا إلى جانب 191556 مهندسا وافدا.

ولفت جميل البقعاوي رئيس مجلس إدارة الهيئة السعودية للمهندسين إلى أن لجنة المهندسات السعوديات التي شكلتها الهيئة بدأت تسهم في تنمية القدرات العلمية والمهنية لهن، وتوظيف خبرات المهندسات في خدمة المجتمع وتنظيم النشاطات الاجتماعية الهادفة للمهندسات، إلى جانب العمل على بحث ودراسة الصعوبات التي تواجه المهندسة السعودية بهدف تذليلها انطلاقا من حرص الهيئة على الرقيّ بمهنة الهندسة، وإيمانا منها بأهمية مشاركة المهندسات والمهتمات بالعلوم الهندسية في جميع أنشطة وفعاليات الهيئة والمساهمة في تطوير المهنة والعاملين بها.

وأشار إلى أن “المهندسة السعودية تخطو خطوات متقدمة في العمل الهندسي على الرغم من العوائق التي تعترض عمل المرأة مهنيا، لأنها من المهن التي تتطلب جهدا بدنيا وعقليا مضاعفا”.

وأكد البقعاوي أن المهندسات السعوديات أثبتن تميزهن وجديتهن في العمل، واستطعن العمل بطريقة احترافية، مضيفا أن الهيئة السعودية للمهندسين تقوم بجهود كبيرة لتحفيز المهندسات كما تهتم الهيئة بطالبات كليات الهندسة.

وذكرت نقابة المهندسين الأردنيين في تقريرها السنوي أن نسبة المهندسات النساء بلغت 25 بالمئة بعدد 34 ألف مهندسة حتى نهاية عام 2016، كما يعد التمثيل النقابي لهن هزيلا للغاية، حيث توجد عضوة واحدة فقط في مجلس النقابة بنسبة 3.8 بالمئة، وهي ليندا الحمود رئيسة الشعبة الكيميائية.

إبراهيم مجدي حسين: عزوف الشركات عن تشغيل المهندسات يفقد هذه الشركات طاقة بشرية هائلة

أما المرأة التونسية فهي الأكثر تمتعا بالمساواة بينها وبين الرجل في الوطن العربي، حيث ضاقت الفجوة بينها وبين الرجل في الكثير من المجالات، ففي ديوان التطهير بتونس تعتبر المهندسة حنان عبدولي نموذجا رائعا للمرأة الناجحة، وقد كانت من المتميّزات في دراستها وكان مشروع تخرجها متميزا، وبمجرد إتمام دراستها انهالت عليها العروض للعمل في عدة أماكن.

وقالت عبدولي لـ”العرب”، “في تونس يلجأ أصحاب الشركات إلى مدارس وكليات الهندسة لتبنّي المتفوقين بها علميا ودعمهم لإنجاز اختبارات الانتداب، ويعدّ الفارق الوحيد بين المرأة والرجل هو التفوق والتميز العلمي، والحمد لله دولتنا أعطت المرأة الكثير في مجال الحقوق والعمل والتمكين في كافة المجالات ما لم تحققه دول عربية مجاورة”.

وتعمل المهندسات التونسيات في مكاتب الدراسات وفي المصانع وكافة الأشغال، أما فيما يتعلق بالراتب الذي يظل هاجسا في العديد من الدول فإن المهندسة التونسية لا تعاني فجوات لصالح الرجل على حساب المرأة وإنما عادة ما يتساويان عند بداية الانتداب، وتظل الإنتاجية ومدى نفع المهندس للمؤسسة التي يعمل بها هما اللذان يصنعان الفارق بين المهندسين بما يزيد من حدة المنافسة والرغبة في تطوير الذات كمهندس بغض النظر عن الأنوثة والذكورة.

عزلة نفسية

حذر إبراهيم مجدي حسين، أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس بالقاهرة، من عدم تمكين المرأة خاصة في مجالات هامة يمكن الاستفادة من طاقتها فيها، ورأى أن عزوف أصحاب الشركات الخاصة عن تشغيل المهندسة يفقد هذه الشركات طاقة بشرية هائلة، خاصة وأن المرأة دائما ما تبحث عن فرصة سانحة، وإذا ما حصلت عليها تبذل قصارى جهدها لإثبات ذاتها وقد تتفوق على الرجال في بعض الأحيان.

كما نبّه من عزلة المهندسة الاجتماعية والنفسية وأن الصورة الذهنية الراسخة في الضمير الشعبي هي أن الهندسة مهنة الرجال، وكليات الهندسة للآسف تعكس صورة هذا الفهم، إذ نجد فتاة واحدة مقارنة بالشباب في أقسام العمارة والمدني والبترول، إذ تتجه الفتيات لأقسام مثل الديكور والبرمجة والحاسبات تجنبا للتعامل المباشر مع العمال والصناع مما يعرضها لكم هائل من المشكلات.

وأظهرت دراسة أميركية حديثة أن المرأة مازلت تواجه الكثير من التحديات والصعوبات خلال عملها في مجال الهندسة بكافة فروعها، وبصفة خاصة المجالات التي تحتاج للعمل الميداني، وأن هذا المجال لا يزال حكرا على الرجال الذين يهيمنون عليه بشكل شبه كلي، كما انتقدت الدراسة التمييز ضد المرأة في مجال هندسة العمارة الذي تعاني فيه النساء من عدة صعوبات منها جدول العمل غير المرن، وساعات العمل الطويلة، والفجوة الكبيرة بين راتبها مقارنة بزميلها الرجل، وساعات العمل غير المناسبة للظروف والالتزامات الأسرية.

زها حديد: لقبت بأنها أقوى امرأة في العالم، ونفذت مشروعات عالمية مهمة في تاريخ العمارة

كما كشفت الدراسة التي أعدتها الجمعية الأميركية عن العقبات التي تواجه النساء في العمل الهندسي وأهمها ثقافة الشركات التي ترفض عمل المرأة وتعزف عن قبولها، وتحرم النساء في كثير من الأحيان من الترقّي إلى مناصب أعلى، مع الحساسية الشديدة التي تواجهها عند إصدار أوامرها للرجال.

وتوجد على الصعيد التاريخي مشاركات نسائية في المجال الهندسي، لعل أبرزها المهندسة هيباتيا السكندرية بمدينة الإسكندرية المصرية القديمة على ساحل البحر المتوسط في الفترة من 370 إلى 415 ميلادية، والتي اخترعت المكثاف أو الهيدروميتر، وكافحت للاعتراف باختراعها حتى يرى النور، كما تعد أدا لوفلايس (1815-1852) أول مبرمجة كمبيوتر في التاريخ إذ عملت على تطوير برامج آلة تشارلز بابيغ التحليلية، ووضعت القواعد الأساسية للغات البرمجة الحديثة، وتم تكريمها بإطلاق اسمها على لغة أدا.

غير أن المهندسة العراقية زها حديد تبقى فخرا للمهندسات في كل مكان، بل ولكل النساء العربيات، وحصلت على وسام التقدير الرفيع من بريطانيا والميدالية الذهبية الملكية، ولقّبت ذات يوم بأنها أقوى امرأة في العالم، ونفّذت عدة مشروعات عالمية مهمة في تاريخ العمارة، (950 مشروعا في 44 دولة)، أهمها محطة إطفاء الحريق بألمانيا ومتحف الفن الإيطالي بروما وجسر أبوظبي ومركز لندن للدراسات البحرية، وغيرها الكثير من المشروعات التي قلبت موازين التصميم المعماري في العالم. وكانت حديد أول امرأة تنال جائزة بريتزكر التي تعد بمثابة نوبل في الهندسة المعمارية.

كاتبة مصرية

20