مهند دياب: نقلت معاناة الناس بعيدا عن البكائية

فيلم "حياة كريمة" يقدم طروحات جدية بنت علاقة متناغمة مع الأحلام التي يسعى الناس إلى تحقيقها، بعيدا عن الأجواء البكائية التي ينزلق فيها بعض الأفلام.
الثلاثاء 2019/08/20
بسطاء يحكون هواجسهم

يجهد بعض السينمائيين في العالم في العمل على شكل السينما التسجيلية (الوثائقية) التي تبتعد عن السينما الروائية من حيث الشكل والمضمون، وإن وافقتها في التوجّه نحو أعماق الإنسان ومواجهة مشاكله المأزومة السياسية والاجتماعية والنفسية وغيرها.

من الثابت تاريخيّا أنّ فن السينما ولد أساسا في شكل السينما التسجيلية في أواخر عام 1895 من خلال الأخوين لوميير وفيلمهما “وصول القطار إلى محطة لاسبوتات”، وبعده فيلم “الخروج من مصانع لوميير”. ومنذ ذلك التاريخ شكّلت السينما التسجيلية هاجسا فنيا للعديد من سينمائيي العالم الذين كرّسوا حياتهم الإبداعية لهذا النمط السينمائي، فظهر في أميركا روبرت فلاهرتي (1884-1951) وفي الاتحاد السوفييتي دريجا فيرتوف (1898-1973) وفي إنكلترا جون جريرسون (1895-1954) وفنانون عالميون آخرون.

توثيق في الأرياف

في مصر، لم يتأخر وجود السينما التسجيلية فظهر عدد من الروّاد الذين صنعوا أفلاما تسجيلية مبكّرة قدّمت أفكارا عديدة. فظهر السينمائي محمد بيومي (1894-1963) الذي أخرج فيلما عن استقبال الجماهير المصرية للزعيم الوطني سعد زغلول بعد عودته من منفاه عام 1923. وكان الفيلم ضمن مجلة “آمون” التي كانت أول مجلة سينمائية تسجيلية ونفّذت العديد من الأفلام.

ثم ظهر السينمائي (سعد نديم 1920-1980) الذي كرّس حياته للسينما التسجيلية وقدّم العشرات من الأفلام. ومن روّاد السينما التسجيلية بمصر صلاح التهامي وسمير عوف وسعدية غنيم وفريدة عرمان وسميحة الغنيمي وألفريد ميخائيل وغيرهم.

الفيلم يتحدث عن مشروع إنمائي رسمي طرحته مصر منذ فترة، ويهدف إلى المساعدة في إنعاش بعض المناطق البعيدة

في تجربة جديدة، يتناول المخرج السينمائي الشاب مهند دياب موضوع التنمية الاجتماعية ومشاكلها في مصر من خلال فيلم “حياة كريمة” الذي يتحدث عن مشروع إنمائي رسمي طرحته الرئاسة المصرية منذ فترة، ويهدف إلى المساعدة في إنعاش بعض المناطق البعيدة عن خطط التنمية والتطور المديني.

في هذه المبادرة تشاركت وزارة التضامن الاجتماعي وعدد من الجمعيات الأهلية من المجتمع المدني بلغ عددها العشرين، حيث وصلت المبادرة للقرى والمدن الأكثر فقرا في عدد من محافظات مصر. مدة الفيلم نحو أربع دقائق، وقد عرض في افتتاح رسمي للمؤتمر الوطني السابع للشباب بحضور الرئيس المصري وعدد من كبار مسؤولي الدولة المصرية.

وللمخرج دياب العديد من الأفلام السابقة منها “حياة طاهرة”، الذي نال جائزة لجنة التحكيم الخاصة بمهرجان النهج السينمائي الدولي، كما قدّم فيلم “جاليري”، الذي نال الجائزة الثالثة بمهرجان القمرة السينمائي الدولي بالعراق، والفيلم الشهير “آه” الذي حصد جائزة مهرجان بن جرير السينمائي الدولي بالمغرب.

اتجه المخرج مهند دياب في فيلمه إلى مناطق مختلفة في عمق الريف المصري ووصل به إلى قرى تُعاني من تدنّي وربما انعدام معدّلات التقدّم والخدمات الاجتماعية، كالسكن والمياه والطاقة والمدارس والطبابة. وحاور أناسا قدّموا ما لديهم بكل بساطة إنسان الريف.

يذهب دياب في ذلك الاتجاه مع ما يحمله ذلك من خطورة التأطير ضمن صنّاع السينما الأيديولوجية كما يرى البعض، وفي ذلك يقول لـ”العرب”، “السينما خلود، هذا ما تربيت عليه سينمائيّا وهي تخلّد من فيها في كافة المجالات وأنا أحكي القصة سينمائيا وتاريخيا في تلك الحقبة من الزمن، فهذه المبادرة هي الأولى من نوعها للوصول إلى الفئات المهمّشة والأكثر فقرا في مصر، فكنّا نصل إلى المحافظة ونمضي قرابة الساعة والساعة والنصف للوصول إلى القرى، منعدمة الخدمة فتلك اللحظات يجب أن تسطر في تاريخ مصر الحديث ولعلّ ذلك الفيلم القصير يكون مرجعا يوما ما”.

الألم والأمل

فيلم "حياة كريمة"

 سيدة عجوز، تتحدث لكاميرا الفيلم بعفوية “بحب مصر وبحب ترابها”، ختم بها المخرج فيلمه، عن تجاوب الناس معه في إنجاز الفيلم، وتقديم ما لديهم من أحلام ورؤى، وإيمانهم بأنّ السينما ستكون سلاحهم الذي يواجهون به المشاكل الإنمائية تلك. 

يقول دياب “أعتقد أنني أمتلك الخبرة اللازمة لذلك، كوني عملت لمدة قاربت العشر سنوات في صناعه أفلام تنموية تسجيلية، سافرت فيها في أجواء مصر من شرقها إلى غربها وشمالها وجنوبها، فاكتسبت خبرة الدخول إلى بيوت الناس والتبسط معهم في الحديث حتى نتجاوب سويا في سياق واحد، فأنا أصنع ما أريد من وجهة نظري السينمائية، وهم يدلون بما لديهم بأريحية من وجهة نظرهم البسيطة دون تكلّف أو مهابة للكاميرا فقد تلاشت الحواجز بابتسامتنا المتبادلة وهذا يكفي”. 

طروحات الفيلم، كانت جدية، وبنت علاقة متناغمة مع الأحلام التي يسعون إلى تحقيقها، بعيدا عن الأجواء البكائية التي ينزلق فيها بعض الأفلام.

يقول دياب “أؤمن جيدا أن مهارة المخرج الحقيقة تكمُن في قدرته علي حكي القصة فهو من يضع القالب في أيّ اتجاه يريد المشاهد أن يذهب إليه، وفي أفلامي أتناول الدراما التي تستطيع أن تبكيك ولكن من الفرحة أحيانا، أو من مقارنتك بغيرك دون أن ترى من يبكي أمامك أو يثير لديك الشفقة، فأنا أحاكي العواقب ولكن من وجهة نظري السينمائية ذات النظرة التفاؤلية التي تصنع من نفس الحروف معنى مختلفا فتصنع من جوف الألم الأمل”.

تتسم سينما مهند دياب بتكوّنها من العديد من العناصر التي تؤمّن لها ظهورا خاصا غير نمطي، وفي هذا يبين دياب “أعتمد في أفلامي على ثلاثة محاور: التحضير الجيّد، اللقاء المطوّل مع أبطال الفيلم التسجيلي من أناس حقيقيين، المكوث في المونتاج لساعات، حتى أختار الجملة الصادقة من بين كلماتهم، فتنسج من ذلك فيلما، له إيقاع سريع وشيّق وغير مملّ يوصل إليك الصورة دون اختزال”.

ويضيف “أيضا هذا عملي بصفتي مستشارا للتوثيق المرئي بوزارة التضامن الاجتماعي المصرية، وأنا فخور أن وزارة مصرية تتنبه لأهمية التوثيق وتستعين بمخرج سينمائي متخصّص ليتولّى تلك المهام”.

14