مهن غير تقليدية تقدم عليها النساء رغم ازدراء المجتمع

على الرغم من حصول المرأة العربية على الكثير من حقوقها، والسماح لها بامتهان العديد من المهن، وتولي البعض من المناصب الهامة، إلا أنه ما تزال هناك عادات وتقاليد بالية، تمنع النساء من العمل بمهن معينة، تحت ذريعة أنها مهن لا يجوز للمرأة الاقتراب منها أو أنه مكتوب عليها "للرجال فقط"، فإذا هي تجرّأت واقتربت قوبلت بنظرات الاستهجان، وتوجهت إليها أصابع الاتهام، وليس المجتمع المصري استثناء عن بقية المجتمعات العربية في هذا الشأن.
الأحد 2017/03/05
لم يعد هناك شيء خاص بالرجل دون المرأة

تجد المرأة العربية الآن نفسها محاصرة بين سجنين، سجن التقاليد التي تحصرها في مهن معينة، وتضعها دائما تحت ميكروسكوب النقد والسخرية، وسجن الفقر الذي يهدد كيانها الاجتماعي، فبعد أن كسبت معركة خروجها للعمل، عقب العديد من التضحيات أطلقت المجتمعات سراحها لمساندة الرجال في مجابهة ظروف الحياة، وإذا بها تدخل صراعا آخر أكثر إجهادا، يتمثل في إشكالية أيّ المهن مسموح لها بممارستها، وأيّها ممنوع عليها؟

هناك مهن لا تحطّ أبدا من قدر المرأة، ولا هي مخلة بالشرف أو بالحياء لكن المجتمع لا يقبلها، إما بذريعة الشرع، أو تحت ضغط العرف والتقاليد، وبالتالي -ورغم أن هذا لا يعلن عنه بشكل صريح- فإن هذه المهن تلقى الرفض الاجتماعي، ونظرات الاحتقار حولها لا تخطئها الأعين.

المجتمع الذكوري يعطي المرأة أحيانا تأشيرة المرور للعمل، لكن بشروطه التي يجب ألا تتجاوزها، ومن بين تلك الشروط أن هناك مهنا بعينها، تم إدراجها عرفيا في قائمة الاحتقار والازدراء، وتكون سُبّة لمن تمتهنها، وتسبب لها حرجا في المجتمع.

دلال: مسحراتية

وتقدم غالبية النساء على العمل بالمهن التي يراها البعض شاذة وغريبة بحثا عن لقمة العيش، في ظل ارتفاع معدل النساء العربيات المعيلات لأسرهن.

ولم تشفع لهن الظروف الحياتية القاسية، ولم يرحمهن المجتمع، بل على العكس، اختار أن يلقي على كاهلهن أعباء أكبر من عناء العمل وحده، فوضعهن في تصنيف اجتماعي متدنٍّ، إلا أن النساء بدورهن، وتحت سياط العوز، وارتفاع معدلات الفقر والطلاق والتفكك الأسري، لا يكترثن أحيانا، ويصمّمن على الاستمرار في غياب البديل.

مهن شعبية

من هذه المجالات غير التقليدية، أن تعمل المرأة مثلا، مكوجية تقوم بكيّ الملابس مقابل أجرة معينة، أو سَبّاكة تصلح أنابيب الصرف الصحي في المنازل، أو سايسة سيارات تساعد الآخرين على ركن سياراتهم بالشوارع والمأوى.

كذلك بات من المألوف في مصر، أن ترى نساء يقُدن التوك توك، أو سيارات الأجرة، وأخريات يحملن الساطور للعمل بالجزارة، أو أن تعمل المرأة “قهوجية” في المقاهي الشعبيّة، فتقدم الشاي والقهوة للزبائن. وهناك نساء أخريات يعملن في تنظيف بالوعات الصرف الصحي، أو في إصلاح السيارات أو صيّادة تبحر لتصطاد السمك ثم تبيعه، وغيرها من الأعمال والمهن البسيطة التي ظلت دائما حكرا على الرجال.

مصففة الشعر للرجال أي الحَلّاقة، هي الأخرى مهنة تطالها أصابع الاتهام، وتتهم صاحبتها أحيانا بقلة الأخلاق ربما كونها تتعامل مع الرجال، ومع ذلك فقد قرّرت شيماء محمد وهي مصففة شعر امتهانها، رغم أنها مهنة ظلت لمئات السنين وقفا على الرجال.

تصليح وصيانة الهواتف

ولم تلق شيماء اعتراضا على عملها لا من عائلتها، ولا من زوجها، ولكن ما يؤرقها هو نظرة المجتمع، وخاصة نظرات النساء المصحوبة بالاستغراب، وهي الأشد قسوة عليها، فهناك من الزوجات من يرفضن أن يحلق زوجها عند امرأة.

وأشارت شيماء لـ"العرب" إلى أنه مع مرور الوقت، بدأت فكرة الحلّاقة، تتغير عند الكثير من السيدات، اللاتي كنّ يرفضن في البداية أن أقص شعر أزواجهن، وبعد فترة تعوّدن على ذلك.

المسحراتي، الذي يوقظ النيام في رمضان للسحور، ظلت كذلك مهنة لا يقربها سوى الرجال، لكن دلال المسحراتية أكدت أنها تعمل سعيا لنيل الثواب من الله، وتقصد عمل الخير، وهي لا تمارسها إلا لشهر واحد في السنة، إلا أن اقتصار هذه المهنة على الرجال جعل المجتمع يرفضها، وينظر إلى المسحراتية بدونية، كونها تعمل في وقت متأخر من الليل.

وصرحت دلال لـ"العرب" أن أكثر نظرات السخرية والاستهزاء، تأتيها من سيدات مثلها، أو من فتيات يضحكن عليها أو يلقين على مسامعها كلماتهن الساخرة، مثل عشنا وشفنا، وفتاة الليل، وكأنها تعمل عملا غير شريف.

ويرى البعض في عمل المرأة ماسحة أحذية مهانة لها، لكن أم حسن، ضاق بها الحال، فلجأت إلى شراء عدة مسح الأحذية، واتخذت موقعا لها بالقرب من ميدان رمسيس وسط القاهرة، لتعمل ماسحة أحذية.

قوائم سوداء

القائمة السوداء لمهن النساء غير المألوفة طويلة، وإذا كانت الفتيات يتعرضن لمضايقات الرجال وهن داخل سياراتهن الخاصة، فما بالك بامرأة قررت أن تعمل سائقة أجرة؟

أم أيمن سائقة توك توك، كانت أكثر صلابة، ولم تؤثّر فيها نظرات الآخرين، ولا تهتم بها من الأساس، وتوضح لـ“العرب”، أن نظرة المجتمع لن تأتي لعائلتها بلقمة العيش، وبرغم إقرارها بعدم ملاءمة تلك المهنة للمرأة، إلا أنها ليست أكثر مرارة من العوز.

وأضافت أنها واجهت في البداية صعوبات كثيرة في عملها على التوك توك، كالنظرات الجارحة من البعض، والسخرية خاصة من الشباب العاملين بتلك المهنة، والذين رفضوا وجود امرأة بينهم، واعتبروا أن تلك المهنة للذكور فقط، إلا أنها استمرّت في عملها، إلى أن استسلموا للأمر الواقع وبدؤوا في تقبّلها، واحترموا مجازفتها بالدخول إلى هذا العمل، والتعرض للعديد من المخاطر.

ورغم أن مشهد الدم والذبح، يعدّ من أكثر المشاهد التي تكرهها أغلبية النساء، إلا أن شروق محمد الفتاة العشرينية خريجة الجامعة، اختارت أن تقتحم ذلك المجال، وتنافس الرجال بالعمل كجزارة.

أم أيمن: سائقة توك توك

وقالت شروق لـ“العرب”، إن الأمر في بدايته كان صعبا جدا، ومع ذلك فإنها تدريجيا احترفت المهنة التي ورثتها عن عائلتها، موضحة أن نظرات كل من حولها كانت مليئة بالدهشة والتعجب في البداية لكن الأمر لم يعد كذلك الآن، حيث أن العديد من نساء دخلن المجال من بعدها.

وأكدت أنه “حين تعجز الشهادة الجامعية عن منح حاملها جواز مرور لتخطي معوقات الحياة، يصبح اقتحام المرأة لمهن غير تقليدية أمرا طبيعيا”.

تغير نظرة المجتمع

في الواقع الصورة السيئة لهذه المهن لدى فئات من المجتمع تراها شاذة بدأت في التغير الجذري نحو الأفضل، وبات الكثيرون يعترفون بقدرة المرأة على العمل في كافة المجالات، دون مضايقتها بإطلاق الصفات القاسية عليها.

والمتأمل المحايد للتغيرات التي تشهدها المجتمعات العربية اليوم، يدرك أن المرأة ماضية في طريقها نحو القضاء على ما يسمّى بالمهن سيئة السمعة، أو المهن الخاصة بالرجال لتثبت أن زمن تقسيم المهن حسب الجنس، تجاوزه العصر، وأصبح مرادفا للتخلف.

وظهرت حملات لمساندة المرأة في هذا الشأن، كحملة “بنت بـ100”، لدعم المرأة التي تعمل بتلك المهن، عن طريق تسليط الضوء على قصص سيّدات ناجحات، واجهن المشاكل، وحقّقن نجاحا بما يوازي ما يحقّقه مئة شخص ولم تستسلمن للمشاكل الاجتماعيّة والشخصيّة.

وطالبت سامية قدري، أستاذة علم الاجتماع، بضرورة إعادة النظر في الكثير من الأمراض الاجتماعية، ومن بينها النظرة الدونية لبعض المهن التي تدخل النساء إليها لكسب لقمة العيش.

وأشارت في حديثها لـ“العرب” إلى أن المجتمعات العربية، لديها ازدواجية في ثقافة العمل، فالمفترض أن ينظر للمرأة العاملة على أساس الدور الذي تؤديه في المجتمع، لأن كل المهن مهمة، ولها مردودها عليه، سواء من كان يعمل بها رجلا أو امرأة.

وشددت قدري على أن هذه النظرة المجتمعية متجذرة في العقلية العربية منذ ما قبل الإسلام، لأنها تكتفي بالانتقاد والاعتراض والرفض دون الغوص في عمق الأشياء، وهو ما يؤدي إلى سوء التعامل مع وضعيات هذه الفئة من النساء، ويعرضهن لهجوم أخلاقي، مع أنهن يعملن بشرف وأمانة.

كاتبة من مصر

20