مهيب البرغوثي: لا للكلمات التي تمنعنا من رؤية العالم

الشاعر أول القادرين على كشف الحقيقة، حقيقة ما وصل إليه العالم من تشيؤ ودمار وحروب تنخر أرواح البشر وأجسادهم. لذلك نجد شاعرا مثل مهيب البرغوثي يصوب كاميراه الشعرية نحو الموت بلا خوف، لينقل لنا بلغة شفافة وصريحة بشاعة الدمار محاولا في ذلك أن يوقظ ما تبقى من الإنسانية لأجل الحب. كان لـ”العرب” هذا اللقاء مع الشاعر مهيب البرغوثي في حديث عن الشعر والموت ومعالم الخراب.
الثلاثاء 2016/01/19
ثقافتنا لم تعد لها مرجعية

تدخل عوالم الشاعر الفلسطيني مهيب البرغوثي مجردا من كل أسلحتك، حياتك المليئة بالمحاولات الفاشلة للاستمرار لن تنفعك أمام البرغوثي، فالأخير يرمي الأشلاء من حولك مدخنا سيجارته بتلذذ، ليعلن لك أن الهزائم تطال الجميع.

البرغوثي من مواليد عام 1964 في قرية كوبر قضاء رام الله بفلسطين، له العديد من النصوص المنشورة في الصحف والمواقع العربية، صدرت له دواوين عديدة منها “عتم” و“كـأني أشبهني” وآخـر إبـداعاته هـو “مختبر الموت” الصادر هذا العام.

البرغوثي يكتب الشعر في مواجهة خراب المدن والأجساد، فحساسيته الشعرية تجاه ما حوله محكومة بالقلق من هذا الكون، فهو يرى أن الأشياء تحسّ ولا ترى، وهناك الكثير من الخراب الذي يجتاحه نتيجة عدم الطمأنينة تجاه الكون الذي يسرق من الفقير خبزه، ومن الحالم حلمه، لتكون القصيدة هي الملجأ الوحيد من برد العالم، يقول الشاعر: إنه الخراب، نعم سنلجأ إليه في مواجهة كل آلات الدمار التي تسحل أذهاننا، وخاصة أنه أصبح من الصعب اللجوء إلى شكل واحد للقصيدة.

يحضر الموت في ديوان مهيب البرغوثي الأخير، كظاهرة شخصية أحيانا واجتماعية أحيانا أخرى، ويرى أن سرّ نظرته السوداويّة إلى العالم سببها رؤيته للموت بوصفه الخلاص بالمعنى الفيزيائي من كل حصار واستلاب ذهني في مواجهة من يدّعون الحياة، ويضيف: ربما السبب هو تجاربي الشخصية البحتة التي لها علاقة بكم الأجساد التي تطايرت من حولي.

كرنفالات اللذة

هناك احتفاء بالملذات السرية والعلنية في تجربة مهيب البرغوثي الشعريّة، فهل كانت هذه الملذات هي سبيل للخلاص، أم مواساة للذات أمام الانهيارات الكبيرة التي يشهـدها، وهـل كان جسـد الشاعر هـو محـور هـذه اللّـذات أم نـراهـا تمتـد لتشمـل الجنـون والكـون والآخـر؟

يعقب البرغوثي على هذه التساؤلات بقوله: إن اللجـوء إلى الملـذات الحسية هـو تماما أن تعلن أمام كل من يدعي الخلاص والفضيلة أن لا مجـال لكـل هـذا دون التحرر مـن كـل القيـود.

ويضيف: كـل هـذه الانهيارات ما هي سوى تعبير عن أزمتنا النفسيـة في البحث عن طرق للخلاص ممّن يدّعي أن الفضيلة هي الطريق الذي نبحث عنه وهو الذي سيخلصنا من كل ما نمر به من هزائم نفسية وغيرها.

نسأل البرغوثي عن الخوف وعن خشيته من اللاجدوى واللامعنى المحيطين به، وهل يمكن أن يدفعاه لعدم كتابة الشعر بعد الآن؟ فيجيب: إن كتابة الشعر أو القراءة أو ممارسة أي عملية لها علاقة بالذهن هي شرط من شروط الحكاية، فالشعوب تروي حكايتها في زمن أصبحت الكتابة هي مشروع لرؤية القمر كاملا، فلا يمكن أن يتوقف الإنسان عن الكتابة لمجرد أن هناك أسبابا قد تكون محيطة به، بالعكس ممكن أن تكون هذه حافز للرؤية بشكل أكثر وضوحا.

مدننا لا تنتج حبا في السنوات الأخيرة لأن الرؤية في المدينة أصبحت محاصرة بحجارة وأتربة قتلت الطبيعة والشجرة

هناك حضور واضح للفرنسي آرثر رامبو في ديوان البرغوثي الأخير، إلا أن رامبو اختار الرحيل، لكن البرغوثي لم يفعل ذلك، بل اختار أن يهديه قصيدة تحمل اسمه، يصف البرغوثي علاقته مع الشاعر الفرنسي بأن روح رامبو التي تعذبت طويلا في البحث عن خراب حقيقي لها حكاية في روحه هو، ربما هي اللعنة، لعنة الشعر التي تركها صاحب المركب السكران على جبين الكثير من الشعراء، أما عن رحيله فيقول “كل شيء متروك للعنة وما تقرره”.

انهيارات فقط

يتجاوز البرغوثي مفاهيم التابو والمحرم، ليبرز التساؤل حول الانتماء، يقول الشاعر: أنا ضد كل أنواع التابو التي تقف أمام التطور الحقيقي للإنسان، وخاصة الكلمات التي تمنعنا من الرؤية، رؤية أجسادنا المحرم منها والمحلل.

ويضيف: أنا أنتمي إلى المعيار الإنساني في التطور، فلا الدين ولا الأخلاق قادران على إيقاف رؤيتي الإنسانية، لأن الإنسان أصبح مهددا كوجود بشري لا فكري فقط.

هناك الكثير مـن الأشلاء التي تتناثر بين صفحات ديوان البرغوثي “مختبر الموت”، أشلاء لبشر، أشلاء لمـدن، هل هنـاك محاولة لإعادة البناء/ التكوين يسعى إليها البرغوثي شعريا، أم أنهـا شعرية الخـراب ودمار النهـايـات؟

يقول ضيفنا بقـوله إن ثقافتنا لم تعــد لها مرجعية كبرى، فكل الأسماء، الصور، المدن الآن تقصف ويعاد ترتيبها بناء على قوى مزاجية تلجأ نحـو التدميـر لا البناء، ويضيف: ما كان يتحكم في تطور القصيدة من بودلير حتى الآن هو تطور اللغة كـأداة للمعرفة، لا الصور والأحداث، لأن هذه اللغة أصبحت مهددة، وشعرية الخراب هي التي تقودنا.

يهجو البرغوثي الإنسانية كمفهوم بوصفها تتآمر لقتلنا، فكل أطفال المخيمات وقتلى الحروب هم ثمن فشلها، فنحن متساوون أمامها كضحايا، ويرى أن هذه الضريبة علينا أن ندفعها دفاعا عن حبنا أمام قوى لا ترى في البشر سوى مشاريع استثمارية واستعمارية لإكمال مشروعها في تدمير الحب.

ويضيف: أرى أن شعوبنا عليها أن تدافع عن حقوقها في أن تتحرر أولا من ظلمها وجبنها وخوفها حتى تستطيع أن تقول لا في وجه من يحاول قتلها.

كل الأسماء، والصور، والمدن الآن تقصف ويعاد ترتيبها بناء على قوى مزاجية تلجأ نحو التدمير لا البناء

الرومانسية كعلاج

نسأل البرغوثي عن الأنثى وموقعها في شعره، وهل الجسد حامل الحب هو ذاته الجسد حامل الكراهية أم تطرأ عليه تحولات من نوع ما، وهل ينسحب ذلك على الشعر وتحولاته كحامل للحب أو الكراهية يجيب ضيفنا: الحب حالة، والشعر أو الأدب مشروعا بناء أو هدم، لكنهما قد يمران بحالات كثيرة، أعتقد أن الشعر لا يستوعب كلمة كراهية في قاموسه، لذلك قديما كان الناس يعبدون الحجر والشجر، لأنه كان يوجد ما يسمى “حب”، أما في زماننا فقد طرأ تغير على مفاهيم الحب وتدخلت العلاقات النفعية في تطوير الجسد أكثر من البيولوجيا، فالحب هو مفهوم روحي، هذا ما أشعر به.

تحضر الطبيعة في شعر البرغوثي، لكنه لا يبدو رومانسيا تجاهها بصورة دائمة، فهل يفضل البرغوثي أن يحضر جسدا وشعرا في الطبيعة أم في وسط المدن الكونكريتيّة وكتل الإسمنـت الهائلـة والمرتبطة بالمدنية المعاصرة؟

يستطرد البرغوثي شارحا بأنه يرى أن مدننا لا تنتج حبا في السنوات الأخيرة لأن الرؤية في المدينة أصبحت محاصرة بحجارة وأتربة قتلت الطبيعة والشجرة، ويضيف: أرى أن الرومانسية هي مشروع بناء وتقليم لجيل كامل من معنى المرجعية في أمور كثيرة منها الرومانسية نفسها، بحيث أصبحنا الآن نسخا عن بعضنا، أعترف أن الرومانسية قتلت في روحي مواضع كثيرة للفرح، ولكن مازالـت هنـاك نـوافذ في الروح مشرّعة للغياب.

15