مواء على شاشة التلفزيون

السبت 2017/03/11

شريط البارحة كان عنوانه “مع الذكريات ” وهو قصة مصرية مدهشة من زمان الأبيض والأسود الرحيم. شاهدته ببركات المصادفة الحسنة بعد أن انفنت الدقائق العشر الأوائل منه.

هو من صنف الأفلام التي إن غبت عن متابعته كمشة دقائق ثم عدت إليه، فسوف تفهمه بيسر مبين، تماماً مثل انشغالك عن شاعرٍ منبريٍّ يقرأ على الناس معلقة تقف على نصف مليون بيت، فإن رجعتَ إلى سماعه وهو يخيّم إلى أوشال القصيدة، فإنك ستصفق له بحرارة وحماسة البدء.

عليَّ القول بأنني لم أشاهد هذا الفيلم من قبل، مع كوني ابن دور السينما الرائعة كلها برصافة بغداد العباسية العليلة وكرخها. جذبتني بقوة المتعة ثلاثة من كائنات هذا الشريط وهم أحمد مظهر، وهو يذكّرني بطول واستقامة وقوة وكآبة آمري أيام الجندية، الذي لو صوّبَ نظراته الصقرية الحارقة الخارقة نحو كتيبة جندٍ كسالى، لبالَ نصفهم بسراويلهم.

أما نادية لطفي الهائلة، فغالباً ما أعود معها إلى سينما النصر وحسين أبو العمبة وابراهيم السمين بائع الجرائد وأخيه القصير ناصر، وعربانة علي أبو الحَب وشريط “أبي فوق الشجرة” صحبة حليم وجحائم من القبل.

ثالوثهم كان العبقريّ صلاح منصور الذي أدى دور الأحدب المجنون أو المخلص بالمعنى الصحيح. في اللحظة التي شاهدته فيها وهو يحمل حدبة فوق ظهره مثل صخرة قدر، عدتُ إلى قراءتي المستعجلة اللذيذة الأولى لفيكتور هوغو ورائعته “أحدب نوتردام” التي صارت تالياً فيلماً سينمائياً، لكن وقوف الذاكرة على هوغو وبطله كوازيمودو لم يطل كثيراً، حتى تجسّم أمامي صديقي المفتقد مقداد عبد الرضا، ودوره الدرس رؤوف الأحدب ابن اسماعيل الجلبي، بمسلسل عظيم ظهر أول الثمانينيات تحت عنوان جذاب هو “النسر وعيون المدينة ” وهذا مسلسل تحفة من تحف الزمن ودرس ثمين في الأداء والتمثيل والإخراج والنصّ.

كنت أهجر المشاهدة لدقائق قليلات، وأنشغل بصوت مواء قطة في ممر العمارة المظلم.

كان بودّي أن أخرج وأفتح باب البناية كي تخرج منه تلك القطة اللعينة، لكنني خفتُ من أن تنفخ بوجهي، الأمر الذي قد يؤدي بي إلى نوع من الفزّة المصحوبة بخبل، قد يتراكم على دماغي الذي لم يعد يحتمل الكثير من الطعنات.

تركتُ القطة بمحبسها ورجعت إلى فيلمي العزيز الذي انتهى بنهاية كأسي الأخيرة.

تصبحون على خير وفيلم سهرة جديد أقلّ قسوة.

24