موائد فنية يطغى معناها على مظهرها

لا ساحة الثورة تشبه قصر "الجميلة والوحش"، ولا الوليمة الفاحشة تشبه الوليمة التي أقامها الوحش على شرف الجميلة.
الثلاثاء 2019/12/31
وليمة تستدعي الجمال في غير موضعه

نُظمت في ساحة الشهداء بالعاصمة اللبنانية بيروت وليمة عشاء مجانية ليلة ما قبل عشية الميلاد. قدّم فيها الطعام المجاني لأكثر من ألفي شخص، مئة متطوع ومتطوعة على طاولات زينت بأجواء العيد إلى جانب شجرة عيد الميلاد وسط بيروت.

للوهلة الأولى بدا هذا الخبر مُفرحا، غير أنه سرعان ما تغير ذلك عندما برز تحرك “شبحين” اثنين آخرين، عرفتهما الثورة منذ بدايتها، بوجه “شبح ميلاد العطاء والرحمة” الذي تجلى في تلك الليلة، كي ينغّصا الفرحة. والشبحان هما “شبح تمويل السفارات” و”شبح الفساد”.

حضور الشبحين الآخرين أدّى إلى التشكيك المنطقي بخلفية ونوايا العشاء المُنظّم في عين شعب اعتاد على مكائد السلطات الحاكمة ونيّاتها الداكنة المُبيّتة ونظرتها الدونيّة نحوه.

كما ساهم عنصر التشكيك بالسفارات التي اتهمت أنها تموّل الثورة المُحقة في كل مطالبها، في حين لم يتم ذكر سفارات أخرى تموّل أو تتواطأ مع غيرها لتدعم ثورة مضادة، بدا دورها واضحا في زعزعة نصاعة الحدث.

تزامنا مع ذلك يجب الاعتراف بحضور الشبح الميلادي الخيّر الذي لا يمكن نكران التفاتته الطيبة على الأرض المتمثلة بمبادرة العديد من المتطوعين في تنظيم العشاء وتقديمه.

غير أن “شبح الميلاد”، في القصة الشهيرة، الذي زار مصرفيا كهلا ليلفت نظره إلى ظلمه ودناءة نفسيته عبر كل سنيّ عمره الفائتة مانحا إليه فرصة حياة جديدة، لتغيّر تصرفاته بدلا عن أخذها منه في ليلة الميلاد، يختلف جوهريا عن الشبحين الآخرين غير “التائبين” عن أفعالهما والمُتواطئين مع “مصرفيي” العشاء الميلادي في أرض شربت الفساد حتى الإغماء.

الشبحان الآخران اللذان قضّا مضاجع الناشطين المدنيين على شبكات التواصل الاجتماعي والثوار على الأرض عند رؤيتهما في هذا الحدث، هما على الأرجح شبحان بغيضان نسّقا مع بعضهما البعض ليُحوّلا هذا العشاء الذي بدا في ظاهره خيرا، في حين أتى باطنه رياءً واستخفافا بالفقراء من خلال تبني مقولة “طعمي الفم، تستحي العين”، بمعنى أن تستحي عن الاستمرار في الثورة للحصول على الحقوق والمطالب، أو من خلال لوي جغرافيا الساحات شيئا فشيئا وجعلها مخصّصة للخدمات الاجتماعية المشكورة، حُكما وحتما، ولكن ليس في عقر مكان عقد عزمه على الانتفاض والمشاركة في جلسات نقاش وتوعية بعضها أدّى إلى فوائد كثيرة لضخ الوعي في دماء الثورة.

بقي هذا الحدث ملتبس الهوية حتى اليوم، والدليل على ذلك التضارب الكبير في ما بين المعلومات التي تكشف عن المموّل الرئيسي وما هي أهدافه؟ ويرجح أن “خبر” تولي التمويل الرئيسي يعود إلى شركة تملكها أسمى أندراوس، وهي مسؤولة العلاقات العامة للرئيس سعد الحريري. ودفع هذا الكشف الكثيرين للتشكيك بنوايا الحدث.

كما لعبت ضبابية هيئات المجتمع المدني التي شاركت في التنظيم والتي أصبحت خلال أيام الثورة بالنسبة للكثيرين من الثوار هيئات مشبوهة ذات وجهين ألحقت بنقاء الثورة ضررا “نفسيا” وفعليا، ولعبت دورا رئيسيا في نزع فتيل وتفكيك معنى الثورة الأصلي، وهو الثورة على الفساد الذي أدّى إلى الفقر، وليس على الفقر في حد ذاته، ككارثة تحتاج من يشفق عليها واضعا أهلها أمام عدسات الكاميرا المهينة التي شاركت في إقامة الشرخ بين الفقير والميسور، علما أنه في لبنان حتى الطبقة الوسطى فقدت الكثير من “وسطيّتها” بسبب فساد الحكم.

ويجدر هنا ذكر بعض النشاطات التي شاركت في تسخيف معنى الثورة، لتقضم من مساحة الساحات المخصّصة للمظاهرات والاعتصامات بـ”سوق شعبي”، حبذا لو أقيم العشرات منه خارج الساحة، علاوة على أعمال فنية رديئة ساهمت في صناعة الوجه الكاريكاتيري للثورة. وهذه الساحات الثورية كادت تستضيف عرض أزياء مستوحى من الثورة “لو لم يطح به غضب الثوار”.

وتنطبق هنا مقولة الكاتب غسان كنفاني “يسرقون رغيفك ثم يعطوك منه كسرة ثم يأمرونك بأن تشكرهم على كرمهم.. يا للوقاحة!”، شر انطباق على نزاهة العشاء المزيّفة.

الكارثة تقع في أن المنظمين، الذين لا شك أنهم لم يقتصروا على بضعة متطوعين صافي النية، لم ينتبهوا إلى خطورة ما قدّموا، ولكن الكارثة الأكبر تكمن في أن يكونوا مُدركين.

ومهما أحب المحبون، لا ساحة الثورة تشبه قصر “الجميلة والوحش”، ولا الوليمة السحرية/ الفاحشة تشبه الوليمة التي أقامها الوحش على شرف الجميلة في فيلم الشاعر جان كوكتو، حيث فرد طباخون خفيون أطيب الطعام على المائدة. ولا تشبه الأكواب التي امتلأت وتحركت “من تلقاء ذاتها” لتصب المشروبات في كؤوس الفقراء.

والأفظع من ذلك كله كون الوحش الوديع في الرواية الشهيرة لا يشبه وحش الساحات، بل يشبه “تجار الهياكل” الموبوءة بالوقاحة.

16