موائد في جزيرة الزعفران

الخميس 2014/11/13

تسمّى موائد السلطان، لكنها في الحقيقة مائدة واحدة، لا موائد عديدة. وهل تتعدّد المجالس في حضرة السلطان؟ اختلف الناس في عدد الكراسي المحيطة بها، فمن قائل إنها ألف ونيف، وقائل إنها ألف ونصف، وقائل إنها ألف وألف.

وهل يحصي الإنسان عطايا الرّحمان؟ العارفون يقولون عنها إنّها كراس مريحة محيطة بمائدة يحسبها بعضهم أضخم من سفينة نوح، قد لا يُدعى إليها المرء إن دُعي سوى مرّة واحدة في حياته القصيرة، إن أجابها فتلك هي النجاة، وإن ردّها فذلك هو الهلاك. وهل تُردّ وليمة السلطان !؟ المدعو إليها محظوظ، والحاضر فيها محسود، والخارج منها منبوذ، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، صنوف الأطباق من مختلف الأذواق، وجبات بَحرية، شربات جبلية، أطعمة صحراوية، فواكه استوائية، حلويات متوسطية، فطائر شرق أوسطية، وكل ما قد تشتهيه البشرية.

كلّ من يُدعى إلى وليمة السلطان يختار بنفسه الرّكن الذي سيجلس فيه، إن شاء أن يجلس مستقبِلا القِبلة كان له ذلك، وإن ابتغى أن يستقبل رياح الشمال أمكنه ذلك، وإن أراد أن يولي وجهه قِبل البحر استطاع ذلك. كل واحد يجلس في الجانب حيث الأطباق التي تناسب ذوقه، لا قيد في هذا ولا شرط. ومن شاء أن يتنقل مثل الفراشة بين الأطباق فله ما يشاء.

كان السّلطان يبتهج حين يسمع النّاس يمدحون التنوّع الذي تزخر به وليمته، حيث يتغنّى الشّعراء بالتنوع الذي يحميه السلطان، ويتكلم أهل العرفان عن أسرار التنوع في حضرة المولى الأكبر، ويناقش المتكلمون العلاقة بين وحدة الأذواق وتعدّد الأطباق، ويتحدث الفقهاء عن مقاصد الحكام في تنوع الطعام ، إلخ.

في الواقع، كان السلطان يترك للطباخين حرية طهو ما يطيب لهم، ويترك للمدعوين حرية أكل ما يحلو لهم، غير أنه كان يطلب من الطباخين إجراء بسيطاَ، إذ كان يلح عليهم بأن يقوموا عند كل وليمة بزيادة كمية الفلفل الحار الموضوعة في كل الصحون. هكذا، ومع توالي الولائم والأيام، أصبح مذاق الفلفل الحار في آخر الأمر يطغى على كل الطعام. ثم صارت موائد السلطان أخيراً بنفس المذاق الواحد، مذاق الفلفل الحار.

24