مواجهة التحرش توحد نساء العالم وسط تواطؤ المجتمع والقانون

كشف استطلاع رأي شمل 19 مدينة كبرى يتجاوز عدد سكانها 10 ملايين نسمة حول استخدام النساء للمواصلات العامة أن القاهرة هي الأكثر خطورة بالنسبة إلى النساء. وهو ما فتح الباب للنقاش من جديد حول انتشار التحرش بالمرأة وسبل المواجهة لوقف انتشار تلك الظاهرة في العديد من الدول العربية، وفي مقدمتها مصر.
الأحد 2017/11/05
القيود المكبلة لحرية المرأة تشوه ذكاءها وعقلها لصالح جسدها

القاهرة - تفاقمت ظاهرة التحرش الجنسي بالمرأة بشكل لافت، وكشفت النقاب عن تناقض كبير بين المعلن عن حرية المرأة وحقوق الإنسان والانتهاكات الجسدية والنفسية التي تتعرض لها على أرض الواقع، في مجتمعات تتآكل الدعوات الحقوقية فيها ذاتيا أمام واقع مرير.

وتفجر ظاهرة التحرش إشكالية وعي المرأة بجسدها وعلاقتها به، وعدم اعتباره جريمة وعليها التنصل منه، وتطرح عدة تساؤلات حول مدى احترام حرية المرأة في ملابسها وارتداء ما تراه مناسبا لثقافتها وعقيدتها، وبين قيود مكبلة لهذه الحرية ومشوهة لذكاء المرأة وعقلها لصالح الجسد.

ويكشف التحرش ما يعانيه المجتمع من انفصام في الأفكار وزادت من حدته النظرة الإقصائية للشباب وعدم اشتراكهم في أنشطة قومية هادفة. واتفق الخبراء على وجود ستة أشكال للتحرش، لمس جسد الأنثى، المعاكسات الكلامية، النظرة الفاحصة للجسد، المعاكسات الهاتفية، الملاحقة والتتبع، التلفظ بكلمات ذات معان ودلالات جنسية.

وتطرح عدة منظمات حقوقية ومؤسسات مجتمعية في ما يشبه خارطة الطريق، طرقا جديدة بغرض التعامل مع المتحرش برد فعل قوي من شأنه ردعه اجتماعيا وسط استهجان معلن لأفعاله، سواء بالشجار معه والاستنجاد بالمارة أو تصويره ونشر صورته على منصات مواقع التواصل الاجتماعي مع كتابة كلمات وحركات التحرش التي فعلها بضحيته، واقتياده إلى قسم الشرطة وتحرير محضر ضده.

إعلان حرب

تعاني مصر من ظاهرة التحرش بصورة صارخة طفت على السطح بعد إعلان القاهرة من المدن الخطيرة في نسب التحرش وغير الآمنة للنساء. وتحتل مصر المركز الثاني على مستوى العالم في نسب التحرش، حسب بعض التقديرات، ولا تنحصر الظاهرة الخطيرة في فئة بعينها لكن يمارسه ذكور من بيئات ومستويات وثقافات مختلفة.

يرجح البعض من المراقبين ربط التحرش بانتشار الجهل والأمية والبطالة والكبت الجنسي، وهو ما يضاعف نسب التحرش عند هذه الفئات مقارنة بأخرى توصف بـ"التحضر"

ولا توجد في مصر سوى إحصائيات قليلة بشأن نسب التحرش، فأظهرت دراسة أجراها المركز المصري لحقوق النساء في 2008 أن 83 بالمئة من النساء أكدن التعرض للتحرش، والعديد منهن بصفة يومية، واعترف 62 بالمئة من الرجال أنهم يتحرشون بالنساء، ويظن محامون بأن نسبة التحرش بالنساء تتجاوز هذه الأرقام.

وانتشرت عدة حملات ضد التحرش أبرزها “قطع إيديك”، “معا ضد التحرش”، “العنف ضد المرأة” لمواجهة الظاهرة المتفشية وإيجاد حلول مجتمعية وقانونية. وكان القضاء المصري أصدر حكما مشددا بالسجن خمس سنوات ضد متحرش في البلاغ المقدم من هند عبدالستار بحلوان (غرب القاهرة)، والذي اعتبره المجلس القومي للمرأة (جهة حكومية) انتصارا للنساء خاصة بعدما أعلن عام 2017 عام المرأة، وكان الرئيس المصري المؤقت السابق عدلي منصور أمر بتغليظ العقوبة على المتحرشين عام 2014.

وتنجرّ عن التحرش قصص وحكايات موجعة منها ما يترك آثارا طويلة المدى على نفسية الفتيات ويحرمهن متعة الحياة السوية والزواج خشية أن يتكرر معهن ما حدث في واقعة التحرش.

وهذا ما عانت منه سماح وهي ممرضة مصرية شابة عملت مع طبيب تجميل، وقالت إن الطبيب اتصل بها تليفونيا في إحدى المرات ليخبرها أن حالة طارئة لفنان مشهور في طريقها للعيادة وعليها التواجد مبكرا قبل موعد وصول الحالة، وعندما وصلت فوجئت بعدم وجود مريض وأنها أمام طبيب متحرش باغتها بتحرش جسدي تطور بعدها إلى محاولة بشعة للاغتصاب.

وأضافت “دفعته أرضا ليرتطم رأسه بمنضدة وتسيل دماؤه، وحذرته من ملاحقتي حتى لا أفضح فعلته”، وهددها من مخاطر البوح بهذا الموقف كي لا يرتب لها تهمة تضعها في السجن مدى الحياة، فآثرت الصمت خشية الفضيحة.

وانتشر على موقع تويتر هاتشاغ “أنا أيضا” والذي استحدثته الممثلة الهوليوودية إليسا ميلانو بعد تعرضها لواقعة تحرش، ولقيت الحملة استحسانا عالميا بعد أن شاركت فيها آلاف السيدات حول العالم يسردن معاناتهن مع التحرش.

وتوالت القصص على هذا الهاتشاغ، وتحدثت كل فتاة وامرأة تفاعلت معه عن مرارة التحرش بها في العمل والشارع وأماكن الدراسة، وتبادلت مع الأخريات النصائح وكيفية التعامل مع المتحرّش، في تجربة فريدة للبوح وإفراغ مكنونهن ومخزون ذكريات أليمة ظلت تقض مضاجعهن في الخفاء.

علاء رجب: التحرش ظاهرة خطيرة تواجه المرأة في العالم أجمع وليس المجتمع العربي وحده

وشجع الهاتشاغ فتيات عربيات على البوح بتجارب قاسية لم ينتبه إليها أحدا في ظل تكتم الأسر العربية المحافظة على مثل هذه الحوادث حتى وإن وصلت حد الاغتصاب، خوفا من تلويث سمعة العائلات في مجتمعات تنظر للشرف على أنه مسؤولية الفتاة وحدها وأنها الحارس الأمين على اسم أسرتها، ولا يتحمل المتحرش نتيجة أفعاله فيفلت من العقاب في ظل حالة التكتم.

ودعت المشاركات بتجاربهن في هاتشاغ “أنا أيضا” كل الفتيات والنساء العرب اللاتي تعرضن للتحرش إلى التفاعل بسرد قصصهن وإبداء التعليقات والحلول العملية وتبادل الآراء للوصول إلى حلول ترضيهن في ظلّ عجز الحكومات على حمايتهن على حد وصف المشاركات، كما شددت المشاركات على ضرورة التخلص من حالة الصمت والكتمان وفضح المتحرش كعلاج فعال للحدّ من الظاهرة.

لكن على الصعيد الآخر، يرفض البعض الاتهامات التي تلقيها سيدات واستطلاعات للرأي بوجود واقع متحرش يهدد المجتمع، قائلين إن استخدام لفظ تحرش مطاط للغاية ويحمل الكثير من المعاني، لأن دولا تعتبر مجرد الكلام تحرشا وآخرون يرون أنها معاكسة لطيفة وقد تكون محببة لدى الكثير من السيدات.

وقال أحمد زغلول، وهو شاب مصري، إن هناك الكثير من المبالغات في اتهام المجتمعات العربية بأنها متحرشة، “نحن لا ننكر وجود العديد من الحوادث التي تخترق خصوصية المرأة، لكن هذا يحدث في مواسم معينة مثل الأعياد ونتيجة لطاقة كامنة لبعض الشباب وليس بالقسوة والخطورة التي يعتقدها الناس″.

ويرى سيد الأمير، وهو رجل خمسيني، أن غالبية الشباب الذي يحاول محادثة فتاه أو التعليق على جسدها شباب عاطل وبلا عمل حقيقي ولا يرغب في تهديد المرأة أو تخويفها، ولكنه يظن أنه يملأ غرائزه ويشعر بالانتعاش عندما يرى الفتاه تبدي ضيقها.

وأضاف الأمير “هؤلاء الشباب لا يمثلون خطورة وفي حالة أن قامت الفتاة بالتجاوب أو الصراخ سيقوم بالهروب على الفور خوفا من البطش به”.

ومن الصعوبة ربط انتشار ظاهرة التحرش بالمجتمعات العربية وحدها، فهذه المسألة طالت العديد من المجتمعات المتقدمة.

وتعاني كل من فرنسا وبريطانيا من سلسلة فضائح تتعلق بوزراء ونواب بالبرلمان ومثقفين، بسبب اتهامات تخص التحرش بقاصرات، منها اتهام أربعة نواب بريطانيين بينهم وزير بالتحرش بموظفات حكوميات واتهام الباحث طارق رمضان (حفيد حسن البنا مؤسس الإخوان المسلمين) بالتحرش بقاصرات.

وهذا يعني أن القضية لا تتعلق بفئة عمرية معينة أو بمهن محددة لكنها تطال شرائح متعددة، وتتداخل فيها العوامل الجنسية مع الدوافع السياسية لتسليط الأضواء على شخص دون آخر، كما أن المعلن ربما يكون أقل بكثير مما يحدث في الواقع.

ومع ذلك يرجح البعض من المراقبين ربط التحرش بانتشار الجهل والأمية والبطالة والكبت الجنسي، وهو ما يضاعف نسب التحرش عند هذه الفئات مقارنة بأخرى توصف بـ”التحضر”.

تنشئة تربوية

يرى عمرو ممتاز سلامة، خبير التنمية الفكرية بمصر، أن التنشئة التربوية السليمة والتي تركز على الفئة العمرية من 11 إلى 19 سنة حلّ هام لمواجهة الجهل والتحرش خاصة أنه في هذه السن يكون تخطيط العقل والمنطق واتباع التفكير المنطقي السليم عند تقييم ما يدور حول الناشئ، والاهتمام بالتوعية في كافة المجتمعات.

وأضاف تعد أزمة التحرش ثقافية بالأساس، وتكمن أسبابها في ثقافة بناء العقل عند الناشئ، خاصة مع المؤثرات الخارجية وهي التكنولوجيا الحديثة والإنترنت التي اختزلت المسافات بين البشر وجعلت العالم بأسره على بعد كبسة زر، وللأسف يتبادل الناشئ الصغير ثقافات مختلفة وآراء وأفكارا قد تكون مخالفة للمرجعية الدينية والأخلاقية والثقافية لبيئته وأسرته، مؤكدا أن ممارسة الهوايات تحسّن الحالة المزاجية وتزيد الطاقة وتعزز الثقة بالنفس.

وأرجع سلامة الظاهرة إلى عدة أسباب، داخلية منها انشغال الأبوين الدائم بالبحث عن زيادة مصادر دخل الأسرة وتراجع متابعة الأبناء وعدم معرفة أصدقائهم، ناهيك عن دور الإعلام والفن الهابط والفراغ الفكري والبطالة وتأخّر سن الزواج مما يدفع الشباب إلى التحرش بالفتيات لتفريغ شحنات عاطفية مكبوتة. وتابع العلاج يأتي من رحم تفكير البنت والولد لبناء قواسم مشتركة ومنطقية ويحث كليهما على الالتزام بالسياج الأمني الذي يبدأ بالضمير الذي يتم زرعه في الفكر في هذا العمر المبكر ومتابعتهم بصفة دورية للتأكد من تفعيل دور الحارس الأمين “الضمير” الذي يخضع كل تصرفاتهم لمراقبة صارمة يعقبها تأنيب ضمير إذا أخطأ.

ويعتبر الحل الناجع، من وجهة نظر سلامة، فتح قنوات الحوار بين الفتاة ووالدتها، والابن وأبيه ومناقشة علمية سليمة ومبسطة لكافة التغيرات البيولوجية والفسيولوجية التي تطرأ على أجسادهم ونفسياتهم في كافة المراحل العمرية، ومراعاة الالتزام بالتعامل مع الجنس الآخر عبر قنوات مهذبة بسياج من الاحترام المتبادل لقيمة الإنسان.

وبدأت العديد من السيدات في البحث عن سبل تجنبهن التعرض للتحرش في الشارع أو من قبل المارة، وكان أبرز المشروعات التي لاقت قبولا بين الفتيات وبدأت تجتاح العالم، منها التاكسي الوردي الذي تقوده نساء بغرض نقل الفتيات لحمايتهن من التحرش والاغتصاب، وتعد من أنجح الأفكار التي تلجأ إليها العديد من النساء والفتيات صغيرات السن، وطبقت في أميركا وفرنسا وتركيا والهند ومصر، كما تعتمد بعض الدول العربية إجراءات من شأنها حماية النساء من مضايقات عدة، منها تخصيص مصر لعربات في مترو الأنفاق (وسيلة المواصلات الأكثر استخداما) للنساء فقط.

وأكد علاء رجب أستاذ الصحة النفسية والعلاقات الأسرية لـ”العرب” أن التحرش ظاهرة خطيرة تواجه المرأة في العالم أجمع وليس المجتمع العربي وحده، ويكفي أن نعرف أن هناك دراسة تؤكد تعرض نصف نساء فرنسا للتحرش والاغتصاب.

وقال عن الوطن العربي، إن من أسباب هذه الظاهرة تفشي العنف والحرمان والكبت وعدم إشباع الحاجات الأساسية والشعور بالاضطهاد والظلم.

وأضاف رجب أن الصدمات النفسية التي تتبع الأزمات والمعاملة العنيفة التي تتبع عنفا أكبر وحب الظهور وارتباط فكرة العنف بالرجولة خاصة في فترة المراهقة ووجود فراغ لا يشغله أيّ نشاط فاعل أو عمل مؤثر، كلها أسباب تجعل الشخص عدوانيا، عنيفا كرد فعل لإحساسه بالعجز أمام قضية معينة أو هدف لم يستطع الوصول إليه.

ويتمثل الحل في ملء أوقات الفراغ وتجفيف منابع المشكلات مثل البطالة والفقر وشغل الشباب بأعمال مفيدة، وتنظيم لقاءات تثقيفية.

التحرش يكشف ما يعانيه المجتمع من انفصام في الأفكار وزادت من حدته النظرة الإقصائية للشباب وعدم اشتراكهم في أنشطة قومية هادفة

وردا على زعم اتهام ملابس النساء ومظهرهن الخارجي بوقوعهن ضحايا للتحرش نشرت دراسة صادرة عن المركز المصري لحقوق المرأة أن 72 بالمئة ممن تعرضن للتحرش محجبات.

وكانت الدراسة التي نشرت تحت عنوان “غيوم في سماء مصر” قد أشارت إلى أن 64 بالمئة من النساء تعرضن للتحرش بشكل يومي، بينما 33.9 بالمئة تعرضن أكثر من مرة ولكن ليس بصفة دائمة بينما نسبة 10.9 بالمئة بشكل أسبوعي و3.9 بالمئة من النساء تعرضن للتحرش مرة واحدة على الأقل في الشهر.

وعلى الرغم من كون المملكة العربية السعودية من أكثر دول العالم محافظة ولا تحظى النساء فيها بدرجة عالية من الاختلاط مع الرجال، إلا أن دراسة ميدانية حديثة أجرتها شركة أبحاث عالمية لصالح وكالة الأنباء العالمية رويترز على 12 ألف موظفة أثبتت أن 16 بالمئة من النساء العاملات في السعودية تعرضن للتحرش الجنسي من قِبل المسؤولين في العمل، مؤكدة أن السعودية تأتي في المركز الثالث بين 24 دولة في نسبة التحرش بالنساء في مواقع العمل.

ومن بين 2797 قضية تحرش بالنساء والأحداث نظرت فيها المحاكم في السعودية كان عدد السعوديين المتهمين بالتحرش فيها 1669 وارتكب الباقي عدد من الجنسيات الأخرى تتقدمها الجنسية اليمنية من المقيمين بالمملكة.

وأصدر العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز أمرا ملكيا، مؤخرا، بإعداد قانون لمكافحة التحرش وحدد العقوبات اللازمة التي تمنع بشكل قطعي مثل هذه الأفعال وتردع كل من تسول له نفسه الإقدام على مثل ذلك.

واعتبر خبراء أن القرار السعودي يعد انتصارا كبيرا للمرأة السعودية التي طالما اشتكت من تحرش الرجال بها سواء في الشارع أو في أماكن العمل، متمنين أن يلقي القانون الجديد بصداه للقضاء على الظاهرة.

ومن الواضح أن الوعي يتنامى لتدارك مخاطر ظاهرة التحرش، كما أن العقوبات تتضاعف لمرتكبيها، لكن الأهم أن تكون التنشئة الاجتماعية سوية وطبيعية ودون تفرقة بين شاب وفتاة، فالاندماج الطبيعي يقلل من حدة الشهوة الجنسية عند الرجل ويخفف من عملية الاستعراض المثير الذي تقدم عليه بعض الفتيات، وعندما تصل المجتمعات العربية إلى منهج تتساوى فيه المرأة مع الرجل ويتم الاهتداء لقواسم مشتركة على أساس إنساني يمكن أن تتراجع نسب التحرش.

كاتبة مصرية

20