مواجهة التطرف بين الهوية القومية والدولة الوطنية

تواجه المنطقة العربية تهديدات وصراعات تعصف بأمن دولها القومي. وفي ضوء البحث عن سبل مواجهة هذه التهديدات ومسببات الصراعات، عاد الحديث بقوة عن القومية العربية المشتركة كإحدى أهم وسائل التصدّي لهذه الصراعات التي تشترك في معطى رئيسي وهو التطرف والإرهاب تحت تفسيرات دينية مغلوطة؛ ومن هنا يربط بعض الباحثين بين هذه الأطروحة القومية/العروبية ومواجهة الفكر المتطرف. ويرى تحليل صدر عن مجموعة الشرق الاستشارية، في هذا الصدد، أنه من الممكن أن تهزم إعادة إحياء القومية العربية التطرف، بمختلف لاعبيه، لكن شريطة أن تكون هذه القومية متجددة في فكرها وأبعادها، التي تتجاوز المعنى التقليدي، الناصري بالأساس؛ وتبحث في أفق البحث عن هوية وطنية عربية.
الثلاثاء 2015/09/29
العراق انهار عندما انهارت هوية الدولة الوطنية الشاملة وانقسمت الهويات والولاءات

واشنطن - تجري حاليا في الأوساط الأكاديمية المهتمة بشؤون الشرق الأوسط في الغرب وفي المنطقة العربية نقاشات حول مسألة الهوية. وتتمثل النقطة المحورية للنقاش في آليات المنطقة للتصدي لظاهرة التطرّف. وتقريبا، يتّفق جميع الخبراء والباحثين على أن هزم تنظيم الدولة الإسلامية ومثيلاته من التنظيمات الجهادية ليس مسألة عسكرية أو أمنية فحسب لكنها أيضا، وربما بالأساس، هي معركة أفكار.

لكن رغم هذا الاتفاق، توجد خلافات حول معنى عبارة “معركة أفكار”، فأي أفكار؟ وإلى أي حد يمكن لهذه الأفكار أن تتماهى مع بنية المؤسسات السائدة والموجودة حاليا؟ وكيف يمكن تعميمها بين عامة الناس في الشارع؟

ومن ضمن الباحثين والمجموعات الفكرية التي خاضت في هذه الإشكالية، ظهر عدة أكاديميين حاولوا تقديم حجج لمصلحة إعادة إحياء نسخة جديدة من القومية العربية. تقول هذه الأطروحة إن الهويات المبنية على الدول قد أصابها ضرر غير قابل للإصلاح، ومن ثم يمكن النظر إلى الصيغة الجديدة من القومية العربية بمثابة عامل وحدة محتمل للمنطقة المقسّمة وبمثابة هوية بديلة.

ويوضّح أنصار هذا الرأي أن البديل المقترح يختلف اختلافا واضحا مع الصيغة الأصلية للقومية العربية التي عبّر عنها الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر في أواخر الخمسينات وبداية الستينات. بيد أن المقترح البديل يستعير من نظيره الأصلي ما يكفي من الطاقة لتغذية فكرة دولة بديلة، هي الآن في مرحلة انهيار، وفكرة أمة إسلامية، أعلن أنصارها الحرب على أي هوية أخرى.

لكن بديل القومية العربية هذا ليس ببديل، فباعتباره هوية زائفة لن يحلّق عاليا وربما يصبح انحرافا عن المهمة الأساسية ألا وهي فحص الخلل في الهوية المبنية على الدولة والتثبت إن كان بالإمكان إعادة بنائها على أسس سليمة.

إن الهوية المرتكزة على الوحدة الشاملة الخاصة بأي “شيء” تحتاج بعض الخصائص في هذا “الشيء”، فمثلا لا يكفي الرابط بين بلدان أميركا الجنوبية (المتمثلة في وحدة اللغة والثقافة والتاريخ والدين الأغلبي) لصنع قومية جنوب أميركية سواء كانت جديدة أم قديمة. وذلك لأن كل هوية يجب أن تكون قدمها أكثر رسوخا من هذا كله، إذ لا يمكن تشكيلها بأي طريقة ملموسة دون العاملين المتلازمين المتمثلين في الدولة وسوق مندمجة.

يمكن للأشخاص أن يعرّفوا أنفسهم كما يشاؤون وبعبارات متنوعة حسب السياق، فالعربي في الخليج مثلا مازال يعرّف نفسه على أساس قبلي، لكنه كذلك يعرّف نفسه على أساس الدولة الوطنية وعلى أساس ديني وعلى أساس عرقي وثقافي. والشخص الأميركي يمكن أن يعرف نفسه أيضا على أساس الأصل والدين والموقع الجغرافي أو على أنه أميركي فقط. فكل هذه الهويات يمكن أن تجتمع في ذهن المرء، ومع ذلك هوية واحدة فقط تربح أي صراع بين مختلف التعريفات للذات هذه. والهوية التي تربح في النهاية هي تلك التي تحدد الهوية الذاتية في سياق مجموعة الانتماءات التي شكلت محتواها.

وبعبارة أخرى ليست الهوية الوطنية إلا مسارا تاريخيا، فعلى سبيل المثال كان المهاجرون الألمان، الذين قدموا إلى الولايات المتحدة، قبل أجيال قليلة، يفكرون ويتكلمون ويتصرفون باعتبارهم ألمانا، وشيء غير ذلك. لكن شيئا فشيئا، ومع كل جيل يظهر، بدأ هؤلاء الألمان يفقدون هويتهم التي حملها أباؤهم وأجدادهم عندما خرجروا من ألمانيا، وعوّضوها بهوية أخرى، ليكونوا، بالتالي، جزءا عضويا من الكل المسمى الولايات المتحدة الأميركية.

أي هوية تتجاوز الدولة الوطنية، هي هوية زائفة سواء كانت من اقتراح داعش أو الحالمين من القوميين العرب

في مثال آخر، تجمع بين الكندي والأميركي أوجه شبه متعددة، لكن ذلك لا يجعل الكندي أميركيا، فهو لم يصبح جزءا عضويا من هذا الكلّ. وتعني عبارة “الكل” كيانا يخضع لنفس القوانين والضوابط، ولعدد غير محدود من العوامل التي تشكّل “طرق التفكير” الجماعي وأصنافه. وهذه كلها نتائج الدولة والسوق المندمجة والترابط بين مكونات “المجتمع” والمشكلات المشتركة للتجارب اليومية والتصورات والقواسم الأخلاقية المشتركة. وبناء على ذلك لا يمكننا “صنع” هوية تتجاوز الدولة الوطنية، فأي هوية مماثلة هي هوية زائفة، سواء كانت من اقتراح داعش أو الحالمين من القوميين العرب.

القومية الناصرية

عادة ما يستشهد بالتجربة التي مرّت بها مصر مع جمال عبدالناصر في سياق إعادة إحياء القومية العربية، بيد أن هذه التجربة بالذّات تشهد بقوة على الطبيعة المضللة لقومية تتجاوز الدولة الوطنية بمفهومها الفكري. لكن كيف وصل جمال عبدالناصر إلى مكانة منقذ الوطن، كل الوطن من المحيط إلى الخليج وباني القومية العربية.

كان جمال عبدالناصر يملأ الفراغ التاريخي لما يسمى “الضرورات الموضوعية” لمرحلة ما بعد الاستعمار التي يرجى منها تطوير مصر اقتصاديا بعد عقود من الحكم البريطاني. والسبب وراء جعل هذا التطور موضوعيا أولا، وضروريا ثانيا يتجلى من خلال نظرة عن كثب لتاريخ هذه المرحلة، التي أفرزت مجموعة من الأسباب التي ساعدت عبدالناصر.

فمثلا أثناء الحرب العالمية الثانية غرقت الإمبراطورية البريطانية في صراع وجود مع ألمانيا النازية، وهو ما منح الصناعيين المصريين فرصة للتحرك بسرعة من أجل ملء هذا الفراغ الذي تسبب فيه توقف الصادرات البريطانية سواء بسبب تعطل الممرات التجارية البحرية أو تحول الإنتاج الصناعي البريطاني لتغطية متطلبات الحرب.

وفي مثال آخر، يذكر أغلب الخبراء في تاريخ صعود القومية المصرية أن الشعور بالإهانة بعد الصدام الذي حصل في 4 فبراير 1942 بين ملك مصر، الملك فاروق، والسفير البريطاني السير مايلز لمبسون، تسبّب في دفع التحضير التدريجي لصعود جمال عبدالناصر. وبالتالي، يمكن الاستنتاج أن وجود شعور جماعي بالإهانة الوطنية عكس درجة من التطور في طريق تكوين “هوية وطنية”.

لم نر من "الوحدة" غير الوحدة التي تحققت بين شمال اليمن وجنوبه وحتى هذه الوحدة فرضتها الحرب

ما إن وصل جمال عبدالناصر إلى السلطة حتى تفطّن للحاجة إلى التضامن العربي، وهو ما سيطلق عليه لاحقا اسم “القومية العربية”. وفي الحقيقة لم يكن خيار عبدالناصر لنموذجه الخاص مرتكزا على أي انتماء فكري أو عقيدة ثابتة موجودة مسبقا، بل كانت في الواقع باقتراح من الحقائق التجريبية المحيطة به. وكان من الواضح في ذلك الحين أن التطور الصناعي لمصر أمر ممكن وأن السيطرة البريطانية كانت تحول دون ذلك التطور وأن السكان كانوا يملكون حسّا متقدّما بهويتهم الوطنية.

لكن عبدالناصر اكتشف لاحقا شيئا أكثر تعقيدا وهو أن مهمة التنمية أصبحت على عاتق الدولة لتحقيق تراكم رأس المال اللازم لهذه التنمية. وكانت الأموال المتأتية من تأميم قناة السويس ومن ثم عائداتها هي التي أتت بفكرة المجلس الاقتصادي في سنة 1958. وجاء ذلك بعد أن طلب عبدالناصر من الصناعيين المصريين بناء صناعات أثقل وأكثر تقدما لتمكين البلد من التخلّص من تبعيته السابقة للبريطانيين فرفضوا ذلك.

وهنا كان الشعب المصري ينتظر من عبدالناصر الإيفاء بوعوده، وكان هو يرغب في ذلك لكن رؤوس الأموال الكبار رفضت الدعوة إذ كانت تعوزهم القدرة والرغبة أيضا لدخول مجال الصناعات الثقيلة. لذلك قام عبدالناصر الذي كان يملك موارد التمويل والعزيمة معا بمصادرة أموالهم بكل بساطة، وأمّم كل ممتلكاتهم تقريبا ثم شرع في مشروع ضخم لبناء البلاد من خلال رأسمالية الدولة. ومن هنا لا نستطيع فصل القومية العربية الناصرية عن الصراع من أجل كسب فضاء لسياسته المبنية على رأسمالية الدولة.

وقد أثار هذا الإجراء غضب البريطانيين أكثر حتى من تأميم قناة السويس، في المقابل بدأ الاتحاد السوفييتي بتزويد عبدالناصر بما يحتاجه. ودفعت عقلية الحرب الباردة الضيقة، التي انتهجها وزير الخارجية الأميركي جون فوستر دالس، بعبدالناصر إلى زاوية “عدم الانحياز” بيد أنها أيضا زاوية معادية للغرب. وكان الرئيس المصري في حربه مع الغرب يحتاج فاعلية إضافية، فكانت القومية العربية في الانتظار.

وشهدت البلدان المجاورة التي ترزح تحت الاستعمار البريطاني هي الأخرى مسيرات احتجاجية كبرى، عندما قامت كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بالهجوم على مصر في سنة 1956 من أجل استرجاع القناة. عندها كانت قلة قليلة تتكلم عن قومية عربية مبهمة (…). واغتنم عبدالناصر الفرصة، واعتبرها ببساطة خط الدفاع الأول لمصر. ورأى أن هناك تأثيرا كبيرا في الجوار المحيط به في العالم العربي لمجابهة عدوه.

في ضوء ما تعيشه المنطقة العربية الآن من تهديد، تبدو محاولة اختلاق قومية عربية جديدة، بالمفهوم العام للمصطلح، مضيعة للوقت

لماذا فشلت القومية

تحتاج أي فكرة لتصل إلى أذهان شعب معين أن تبدو وكأنها تتماشى نوعا ما مع تطلعاتهم، وهذه التطلعات بدورها هي نتائج لتجارب الشعب الخاصة به وظروفه وتاريخه السياسي والثقافي. بيد أن القومية الناصرية، وأي صيغة من القومية العربية فيما يتعلق بهذه المسألة لم يكن لها موطئ قدم على أرض الواقع الموضوعي، ولهذا السبب كانت فاشلة فشلا ذريعا.

وبالفعل انفجرت الفقاعة مع انهيار الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا في سنة 1961، بعد ثلاث سنوات فقط من قيامها. وهذا دليل على أنه لا يمكنك بناء هويات على أوهام حتى وإن صدقت ادعاءاتك. وعبر مساواة قومية بلدان مختلفة مع القومية الشاملة لكل هذه البلدان يخلط المرء بين الخطابات والحقائق التاريخية الملموسة. فلم توجد القومية العربية، أبدا، ولا يوجد الرابط بين هذه البلدان إلا في نقاط التشابه الثقافية العادية وتشابه التطلعات واللغة والدين. ولم يحدث أن بنيت أي قومية تتجاوز حدود الدول بهذه اللبنات لوحدها.

تتضمن القومية العربية الناصرية ما يكفي من المواد لجعلها قابلة للتصديق، لكن نظرا لانهيار الجمهورية العربية لم نر، تاريخيا، من “الوحدة” غير الوحدة بين شمال اليمن وجنوبه، وحتى هذه الوحدة فرضتها الحرب. وفي الحقيقة نرى الآن المزيد من الجدران بين البلدان العربية أكثر مما نراه في أي بقعة أخرى من العالم.

قومية عربية جديدة

في ضوء ما تعيشه المنطقة العربية الآن من تهديد، تبدو محاولة اختلاق قومية عربية جديدة، بالمفهوم العام للمصطلح، مضيعة للوقت وإهدار للطاقة؛ لذلك يجب الانطلاق من التفكير في أزمة القومية الوطنية وهوية الدولة الوطنية. ويجب أن ترتكز الهوية، في سياق النقاش الدائر الآن حول مكافحة التطرّف، على الانتماء لـ”الكلّ” الذي لا يمكنه التواجد كأجزاء منفصلة. وتتمثل الطريقة الأفضل لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، مثلا، في البحث عن الخلل في الهويات الوطنية مثلما يحدّدها كل بلد على حدة ككل منفصل وليس كجزء من “كل” من صنع الخيال يسمى “الأمة” العربية، لأنه لا وجود لأي شيء مماثل.

المنطقة تتكون من بلدان متعددة، حيث يكون المغربي مغربيا وليس سودانيا، وبالرغم من أنهما يتضامنان معا نظرا للخصائص المشتركة بينهما، لا يصنع ذلك أساسا لقومية تتجاوز الدولة الوطنية.

يجب مناقشة الأزمة التي مكّنت تنظيم داعش، (وأيضا إيران)، من التوسع كما هي، وليس باعتبارها شيئا مختلفا يسمى خطأ قومية عربية، إذ أن إعادة إحياء فقاعة لن يساعد في محاربة التطرّف، على خلاف بناء الهويات الوطنية ضمن الدول الموجودة حاليا. وعوضا عن إعادة إحياء هوية زائفة يجب معاضدة وتطوير الهوية الحقيقية، ألا وهي هوية الدولة الوطنية.

7