مواجهة التطرف تحتاج فكرا معاصرا ينازلها ميدانيا

مازال الإرهاب والتطرف يشكلان العنوانين الكبيرين للرهانات والتحديات التي تواجه مختلف الدول العربية وبقية دول العالم لا سيما في ظل اتساع دائرة الأعمال الإرهابية على أكثر من صعيد ووفق أكثر من طريقة. وعليه تتضاعف الجهود من أجل التوصل إلى آليات ناجعة للقضاء على منابع هذه الظاهرة عبر البحث في مختلف السبل على غرار الجانب الفكري إلى جانب الخيار العسكري.
الثلاثاء 2016/01/05
أرتال عسكرية وفراغ فكري

الإسكندرية (مصر) - تتوقّع بعض القراءات العسكرية أن يشهد تنظيم الدولة الإسلامية بعض التراجع على المستوى الميداني بخسارته بعض الأراضي التي يسيطر عليها، خصوصا في العراق، وفي المقابل حذّر الخبراء والباحثون من أن هذا التقدم العسكري، لو تحقق، لن يقابله تقدّم آخر أكثر أهمية وهو اجتثاث فكر تنظيم الدولة الإسلامية، فالتجارب السابقة أثبتت أن خطر الإرهاب لا ينتهي بمجرّد استعادة أرض، أو قتل بعض أنصار هذه الجماعات في طلعة جوية.

ويستدلّ الخبراء على ذلك مشيرين إلى أن هذا الحل لو كان حاسما لما ظهر تنظيم الدولة الإسلامية من رحم القاعدة ولاختفت عقيدة الجماعة الإسلامية من مصر بعد المواجهات الأمنية بينها وبين الدولة المصرية في تسعينات القرن الماضي.

ويذهب الباحث المصري عمرو الشوبكي إلى حد اعتبار العلاج الأمني والعسكري للإرهاب، الذي روّجت له ودعمته الولايات المتحدة الأميركية، هو الذي صنع الإرهاب، وأيّدت هذا التوجّه مجموعة من الخبراء والباحثين والسياسيين والأمنيين وعلماء في الدين تشارك في فعاليات المؤتمر الدولي: “صناعة التطرف: قراءة في تدابير المواجهة الفكرية”، الذي تنظّمه مكتبة الإسكندرية في الفترة من 3 إلى 5 يناير 2016.

ويعقد المؤتمر لمواجهة ظاهرة الإرهاب والتطرف التي أصبحت مستفحلة في الوطن العربي والإسلامي لأسباب لا علاقة لها بالدين الإسلامي بل بالتطرف الفكري الذي يدمر المنطقة، وفق ما صرح به خالد عزب؛ رئيس قطاع المشروعات والخدمات المركزية بمكتبة الإسكندرية.

ولم يختلف مشاركون تحدّثت إليهم “العرب”، على هامش المؤتمر، في أن القضاء على الإرهاب، الذي بات يمثّله اليوم، تنظيم الدولة الإسلامية بالأساس، يتطلب أولا فهم ما يجعل هذا التنظيم ينبض بالحياة، وكيف يمارس نفوذه ولماذا يزدهر، ومن ثمة نعرف كيف يمكن إيقافه.

واعتبروا أن الحرب على هذا التنظيم، وعلى أيديولوجيا الإرهاب عموما، لا تزال يخطّط لها على أسس أمنية وعسكرية، رغم أن هذه الأسس تأتي في مرحلة لاحقة من الحرب على الإرهاب، في حين أن المنطلق يجب أن يكون من أساس تعليمي وفكري واجتماعي وهويّاتي، وحين تتبلور هذه الأسس وتخرج من السياق النظري ومن جلسات المؤتمرات وتنظيرات الباحثين إلى واقع ملموس وثقافة ميدانية، حينها يصبح الحل الأمني والعسكري ناجعا.

وقد استحضر البعض في هذا السياق فكرة التقرير البريطاني لمراجعة منهج جماعة الإخوان المسلمين، والذي انتهى إلى أن بعض أعضاء جماعة الإخوان المسلمين لديهم علاقة غامضة مع التطرف العنيف، وقد اعتمد الكثيرون على فكر الإخوان وتنظيمهم كمعبر للتطرف.

وفي استدلال يؤكّد هذه العلاقة، يشير عمرو الشوبكي، في مداخلته، التي حملت عنوان “تحولات العنف والإرهاب – حدود المواجهة الفكرية الأولية”، إلى تجربة تنظيمي الجهاد والجماعة الإسلامية، في بداية السبعينات، وتحديدا حين خرج جيل من داخل جماعة الإخوان المسلمين متأثّرا بكتابات سيد قطب، على غرار كتابه “معالم في الطريق”، ليعلن عن دعوته إلى قلب نظام الحكم بالقوة المسلحة، وبناء نظام إسلامي بدلا منه.

مصطفى الفقي: داعش عبارة عن غطاء ديني للمأزومين من الشباب في العالم العربي والإسلامي

ويضيف الشوبكي، الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن جماعات العنف الديني شهدت تحولات كبرى في تاريخها المعاصر، بدأت مع التنظيمات الجهادية الكبرى، وهي المرحلة التي عرفتها مصر، وبعض الدول العربية، منذ السبعينات وطوال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، والتي قامت على فكرة مشروع ديني عقائدي يبرر كل أعمال العنف التي ارتكبت، وقامت بتكفير الجميع، وكان هدفها الأول هو إسقاط نظم الحكم القائمة في تلك الفترة، وكانت نتيجة المواجهات بين هذه التنظيمات والنظم هي الفشل في تحقيق أهدافها.

والمرحلة الثانية هي مرحلة الخلايا الصغرى، والتي قامت بالعديد من التفجيرات في مصر “الأزهر- طابا- عبدالمنعم رياض”، وكانت تتكون من مجموعة صغيرة من الأفراد هدفها الانتقام من الدولة. وكان يتم تجنيد هؤلاء الأفراد عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي، وينتهي دورهم بتنفيذ العملية.

وبدأت المرحلة الثالثة بعودة عصر التنظيمات التكفيرية الكبرى، في البداية تنظيم القاعدة، واليوم تنظيم الدولة الإسلامية.

ومن سمات هذه التنظيمات ومظاهر خطورتها أنها عابرة للحدود والجنسيات، وقد ظهرت في ظل أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية مضطربة واستغلت هذه الأوضاع من أجل اكتساب قوتها.

وهذا الأمر يضعنا، وفق عمرو الشوبكي أمام سؤال رئيسي: هل نحن أمام تطرف ديني أم تطرف يرتدي عباءة الدين؟، ليجيب بأننا أمام تطرف سياسي اجتماعي تمت تغطيته بصبغة دينية من أجل الحصول على الدعم المادي والمعنوي. فممارسة الإرهاب دافعها الأساسي هو الإحباط السياسي والشعور بالتهميش والظلم، وهناك دائما تبرير ديني من أجل تبرير صناعة التطرّف، التي يستثمر فيها تنظيم الدولة الإسلامية اليوم.

والمرحلة المتقدّمة وعولمة الإرهاب، هما وفق عمرو الشوبكي، نتاج تحولين كبيرين أحدهما يرجع إلى التغيير الذي أصاب بنية الجماعات الجهادية وانتقالها من المحلية والصراع مع السلطة الداخلية بغرض إسقاطها وبناء مشروعها الإسلامي إلى صراع انتقامي نجح في استثمار الإحساس بالمظلومية في المجتعات العربية، واستهداف من وصفهم السياسي المصري مصطفى الفقي بـ”بؤرة المأزومين”، ويقصد بالأساس فئة الشباب، وهي الفئة الاجتماعية الأكثر استهدافا من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، ومختلف الجماعات الجهادية، والأكثر هشاشة وضعفا وسهولة في التجنيد والوقوع في براثن هذه الأيديولوجيات المنحرفة.

إسماعيل سراج الدين: الفكر لا يحارب إلا بالفكر، وأنه لا مجال لأحادية الرأي والمذهب والفكر
تدعم هذه الرؤية، دراسة حملت عنوان “الجيل الثالث من الإرهابيين: استراتيجية المواجهة الفكرية الوقائية” لعبد المهدي أحمد مطاوع، مدير وحدة مكافحة الإرهاب في مصر، تشير إلى أن السمة الأساسية لتنظيم الدولة الإسلامية تقوم على استمالة الشباب عبر أسلوب المظلومية. وهذه السمة تتميز بها مختلف جماعات الإسلام السياسي التي تتصيّد المظالم السياسية والاجتماعية لكسب التأييد وتركّز على مسؤولية الغرب والحكام وتحملهما ما يعانيه المسلمون في أنحاء العالم.

وتعمل هذه الجماعات على استغلال التمييز والاغتراب واختلاف الديانات وانتهاكات حقوق الإنسان واللعب على وتر الطائفية لاستخدام العنف وزعم أن الحلّ يأتي عبر إقامة “خلافة إسلامية” تعيد للعرب والمسلمين مجدهم وعزّتهم، وهنا يشير خبراء إلى أن هذا الطرح، يحيل إلى نوع آخر من الإرهاب، وهو إرهاب الدول، الذي يتجلّى في أبرز مظاهره في ما تقوم به إيران في العراق ولبنان وسويا والبحرين واليمن. فإيران بدورها تعمل على تغذية الصراعات الطائفية واستغلال الأوضاع الأمنية والسخط من الحكومة والأنظمة والشعور بالمظلومية لدى بعض الشيعة، لاستعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية.

إرهاب متعدد الأوجه

الإرهاب الذي تواجهه المنطقة العربية إذن متعدد الأوجه واللاعبين، وإذا كان تنظيم الدولة الإسلامية استغلّ، خصوصا في العراق وسوريا، حالة السخط من الحكومة والتدخل الأجنبي، وقدّم الوجه المتطرّف للإسلام السنّي، فإن إيرن، بدورها، تبحث عن منافذ دينية مذهبية لتحقيق أغراض سياسية، وهي تسعى إلى الترويج عبر وسائلها الإعلامية والسياسية والدبلوماسية لكون خلاف دول المنطقة معها، هو خلاف طائفي وعقائدي ومذهبي، في حين أن الحقيقة عكس ذلك، وأن الخلاف مردّه رفض محاولاتها لبث الفتنة والفرقة في المجتمعات العربية.

وقد فنّد مؤتمر الإسكندرية هذه المزاعم والمحاولات من خلال جمعه لحضور من مختلف مكونات فسيفساء المجتمعات العربية، فكان موجودا المسلم السني والمسلم الشيعي، وأيضا ممثلون عن الأزهر ومن الأقباط، مثلما كان جالسا في صف واحد النائب والمفكر والعسكري، وتحادثت أجيال مختلفة من الباحثين والمفكرين والإعلاميين، بلغة وسطية تجمع بين صرامة لغة المخضرمين ولغة شباب العصر الرقمي.

وهذه الفسيفساء، هي الأمر المطلوب في بداية البحث عن حلول، خاصة وأنها تسدّ فجوات كثيرة، كتلك التي عبّر عنها جيّدا شاب من طلاّب جماعة الأزهر، في حديث خاطف معه، حين تحدّث عن مثال الشيخ السبعيني، الذي مازال يفكر بأسلوب عفى عليه الزمن، ويتحدث مع طلاّبه بغير لغتهم السلسة، الأمر الذي يخلق فجوة حضرية بينهما.

يلفت نبيل يعقوب الحمر، مستشار الملك حمد بن عيسي آل خليفة، ملك مملكة البحرين لشؤون الإعلام، إلى أن عنوان المؤتمر يعكس حجم التحديات التي تواجه منطقة تموج بالصراعات والحروب وانتشار الفوضى والإرهاب. وأكد أن الإعلام منذ ظهوره قد قام بدور كبير، ليس فقط في إبراز الاتجاهات الدينية والسياسية والاقتصادية بل في صنع هذه الاتجاهات.

صناعة التطرف

ووصف المنطقة بأنها وسط منطقة ملتهبة، وهناك قوى تعمل على نشر الإرهاب والفوضى وإشعال الفتنة وبث الفرقة، بالإضافة إلى التعرض لحملات ممنهجة والتدخلات الخارجية في شؤونها لتحقيق مصالح عبر ممارسة الابتزاز الإعلامي والأمني والسياسي واستغلال مبادئ حقوق الإنسان.

وقدّم كمثال الأزمة التي شهدتها البحرين والتي قال عنها إنها جسدت حجم هذا الابتزاز من خلال مخطط شامل للفوضى تكاملت فيه الأدوار بين عناصر داخلية وخارجية، كمقدمة لتدمير المنطقة ككل وإحلال الفوضى والخراب، وكان الإعلام أحد أسلحة تحقيق هذا المخطط الإيراني بمساعدة حزب الله.

عمرو الشوبكي: نحن أمام تطرف سياسي اجتماعي تمت تغطيته بصبغة دينية

وقال إن حركات التطرف، خاصة الديني، نبتت في المجتمعات كالفطر في محاولات لفرض قواعد غريبة عن الأديان، فنحن نتواجه مع حالة فكرية احتكارية للحقيقة تستخدم الإرهاب أداة لها. وشدد على أهمية العمل على تجفيف مصادر الإرهاب ماليا بنفس المثابرة على تجفيف مصادره الثقافية والتربوية والفكرية.

ويحيل هذا الطرح إلى فكرة أكبر وهي الحديث عن طريقة هزيمة الإرهاب التي أضحت معقّدة أكثر، ولم تعد تختصر في مقتل أبي بكر البغدادي، بل باتت تتطلب مراجعة أكبر تتعامل مع هذه الظاهرة، إلى جانب المنظور الأيديولوجي، من منطلق أنها باتت صناعة.

وقد ركّز على هذا المفهوم أحمد العبادي، الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب، مشيرا إلى أن التطرف أصبح صناعة لها هندستها وروافدها وأنسقتها وثمارها البغيضة.

ولفت إلى أن هذه الأنساق تتحرك من عدة روافد؛ النصي والعسكري والاقتصادي والسياسي والدعائي والتواصلي الذي يستهدف الوصول إلى الناس وخاصة الشباب.

وشدد على أن المعركة الأساسية التي ينبغي التركيز عليها في محاربة أفكار التطرف هي معركة “النص”، فيجب تنسيق الجهود لوضع النص في سياقاته الصحيحة لمنع التأويل الذي لا يضع اعتبارا للمآل. وأكد أهمية تحرير المصطلحات والمفاهيم حتى لا تستخدم من قبل أي جهة لأغراض معينة، وأيضا الاعتماد على القياس، والحكم على الأمور بثمارها ونتائجها.

ولفت إلى أن القياس يكون من خلال مدخل المقاصد الكبرى؛ وهي حفظ الحياة عن طريق قياس مؤشرات مدى تحقيق الحياة الكريمة، وحفظ الدين من خلال العلماء الوسطيين، وحفظ العقل. وأكد أهمية العمل على تفكيك خطاب التطرف وتنظيم وترتيب الأمور التي تأتي في هذا الخطاب، ومنها: قضية المؤامرة على الأمة والقضية الفلسطينية، والإمبريالية والإسلاموفوبيا ونهب الثروات وتزوير التاريخ والجغرافيا.

المتغير أكبر من الثابت

اعتبر المؤرخ اللبناني محمود حداد أن المتغير في حالة الإرهاب أكبر بكثير من الثابت سواء على الصعيد العربي أو العالمي، وهذا المتغيّر يخلق استمرارية الظاهرة وتواصل أخطارها، وهو ما تبيّن خلال عام واحد فصل بين الدورة الأولى والدور الثانية لمؤتمر التطرف الذي تنظّمه مكتبة الإسكندرية.

وقد حملت الدورة الأولى، التي عقدت العام الماضي في مثل هذا الوقت، عنوان “نحو إستراتيجية عربية شاملة لمواجهة التطرف”. وتمخض عنها بيان ختامي شمل توصيفا لظاهرة التطرف واستعراضا لآثارها الخطيرة، ومجالات العمل التي ينبغي المضي فيها لمواجهتها مثل الخطاب الديني والتعليم، الإعلام والتصدي لقضايا التهميش والفقر وتعزيز الحقوق والحريات العامة وصيانة التنوع بكافة تجلياته في المنطقة العربية التي تعاني الكثير من ويلات الإرهاب لا سيما في السنوات الأخيرة.

وتأتي الدور الثانية، وفق تصريحات إسماعيل سراج الدين، مدير مكتبة الإسكندرية، تعبيرا عن إدراك خطر التطرف، الذي صار موضوع الساعة، مؤكّدا أن الفكر لا يحارب إلا بالفكر، وأنه لا مجال لأحادية الرأي والمذهب والفكر، فهي وقود التطرف والغلو، وهو ما يتعارض أيضا مع النسيج الثقافي والاجتماعي في المجتمعات العربية التي تقوم على قاعدة التنوع والتعددية، لافتا إلى أن الخطاب الديني المعاصر يجب أن تكون له صفات خاصة، من أهم عناصرها الابتعاد عن الترهيب والانتقال إلى الترغيب والتبشير، والتحدث بلغة الثورة المعرفية والرقمية، حتى تستكمل البنية الأولى لخطة الحرب على الإرهاب.

لكن، وعلى أهمية ما جاء في كلمة سراج الدين، ومختلف المداخلات، التي تناولت مواضيع مثل: مقاربة العلوم الاجتماعية للتطرف في العالم العربي ونقد خطابات التطرّف والإعلام ومواجهة التطرف والتعليم والفضاء الرقمي والتطرف، وغيرها من المواضيع، ستبقى المبادرات من قبيل مؤتمر صناعة التطرّف في تدابير المواجهة الفكرية، قاصرة ومقصّرة إذا ما ظلّت توصياتها حبرا على ورق، وحديث تجمعات نخبوية يصدر جعجعة ويضع يده على الداء لكن دون أن يصنع الترياق المضاد لصناعة التطّرف وينزل معه إلى ساحة المعركة.

6