مواجهة التطرف تقتضي التجديد الديني وتجنب التحليل الأحادي للظاهرة

التعامل مع ظاهرة الإرهاب من خلال التركيز على البعد الاجتماعي والاقتصادي في تحليلها لا يمكّن من رصدها وتحديد أسبابها ومسبباتها، ذلك أن الأمر يحيل إلى البعد الأحادي التحليلي للظواهر دون النظر في الأبعاد الأخرى. ذلك أن تجديد الخطاب الديني يدعم هذه التحليلات لظاهرة التطرف والعنف حتى لا يبقى الناس تحت تأثير الاستلاب الديني والتفسير الخاطئ لنصوص العقيدة في ارتباطها بالسياسة.
الاثنين 2015/06/08
الجوانب السوسيواقتصادية ليست وحدها المكونة للظاهرة الإرهابية

خلال أقل من شهر قامت السلطات الأمنية المغربية بتفكيك خليتين متطرفتين، يعمل أفرادها من الشباب حديثي السن على تجنيد مقاتلين لفائدة تنظيم “داعش”، وتهجيرهم إلى سوريا للانضمام إلى ما يسمى”الدولة الإسلامية في العراق والشام”. وحسب بيانات وزارة الداخلية المغربية، فإن الخليتين كانتا على علاقة بالتنظيم المذكور، ما يعني أن عملية التفكيك حصلت في لحظة الصفر، بالتعبير العسكري.

وفي الأسبوع الماضي قامت السلطات الأمنية المغربية بتفكيك الخلية الثانية، المتكونة من تسعة أفراد بينهم شخص أدين سابقا بتهمة الإرهاب لارتباطه بتنظيم القاعدة في العراق. وبيت القصيد هنا أن أفراد هذه الخلية كانوا يتحركون ـ حسب وزارة الداخلية ـ بحي سيدي مومن في مدينة الدار البيضاء، الحي الذي خرج منه إثنا عشر انتحاريا ليلة 16 مايو 2003 لتنفيذ الهجمات الإرهابية التي هزت المغرب، وأسقطت مقولة الاستثناء المغربي.

ويوجد حي سيدي مومن في منطقة هشة اقتصاديا واجتماعيا، وهو ـ إلى جانب حي “كاريان طوما” الذي خرج منه انتحاريون آخرون في تفجيرات 2003 ـ لم يكن معروفا قبل تلك الأحداث، التي عرت آفة الفقر والتفاوت الاجتماعي، اللذين يشكلان حاضنة لإنتاج العنف والتطرف بمختلف أنواعه، الديني وغير الديني.

التطرف تركيب معقد من العوامل والمسببات، ولا يمكن الجزم بأن الكلمة الأخيرة في محاربته قد قيلت وانتهى الأمر

وهذه أول مرة يعود فيها الحديث عن هذا الحي، بعد أزيد من عقد من الزمن على تلك التفجيرات، لكن في سياق وطني وإقليمي ودولي مختلف. فالواضح أن التطرف تركيب معقد ومتداخل من العوامل والمسببات، ولا يمكن الجزم في أيّ لحظة بأن الكلمة الأخيرة في محاربته قد قيلت وانتهى الأمر.

بعد تفجيرات الدار البيضاء، وخروج بعض الأحياء المهمشة إلى دائرة الاهتمام، انصبت التحليلات على الجوانب السوسيوـ اقتصادية المكونة للظاهرة الإرهابية، وتفكيك البنيات الاجتماعية والعائلية في الأحياء الفقيرة، التي لم تأخذ نصيبها من سياسة توزيع الثروة والفوائد الاقتصادية المتحصلة من الانتماء إلى الدولة، ككيان جامع.

وقد أدركت الدولة بالفعل تلك الفجوة الاقتصادية والاجتماعية بين مختلف الشرائح، التي يتسلل منها السخط الاجتماعي الذي يتحول إلى غضب سياسي يتبلور في حركات دينية متطرفة؛ لذلك تم الإعلان عن مبادرة وطنية للتنمية، الهدف منها النهوض بالأحياء الفقيرة والشرائح الهشة، وتقليص التفاوت المجالي بين المناطق، والعمل على ردم الهوة الموجودة بين الفقر الأدنى والغنى الأعلى، إذ المؤكد أن أبناء تلك الأحياء الفقيرة التي خرج منها الانتحاريون يشعرون بحجم تلك الهوة، في مدينة كوسموبوليتية تعتبر شاشة كبرى لعرض آخر صيحات الموضة في عالم التملك.

بيد أن عودة هذا الحي إلى واجهة الأحداث، مع تفكيك الخلية الأخيرة، يظهر مستوى آخر من مستويات التصدي للظاهرة الإرهابية. ليس هناك شك في أن المعطيات السوسيولوجية والاقتصادية مهمة في تشريح هذه الظاهرة والتعامل معها من الناحية العلمية لفهمها ومكافحتها، ولكن هذا البعد التحليلي يقزّم الظاهرة الإرهابية، إذ يعتبرها مجرد إفراز اجتماعي ناتج عن خلل وظيفي في البينات الاجتماعية في الدولة.

غالبية التحليلات التي تنصب على قضايا الإرهاب في العالم الإسلامي تنحو إلى تغليب التحليل "الطبقي" أو قريبا منه

أصل وجود هذا التحليل الأحادي وهيمنته يعود إلى تأثير الدراسات السوسيولوجية الغربية، وسيطرة البعد الاقتصادي في تحليل الظواهر الاجتماعية، ولذلك تنحو غالبية التحليلات التي تنصب على قضايا الإرهاب الديني في العالم الإسلامي إلى تغليب التحليل “الطبقي” أو قريبا منه، مع أن هناك خصوصية في هذا المجال، نابعة من خصوصية التركيب الديني والعقائدي في الإسلام.

هدفنا هنا، القول بأن البعد الاجتماعي والاقتصادي ليس وحده كافيا لفهم الظاهرة الإرهابية ذات الغلاف الديني وتحليلها، سواء في المغرب أو في غيره من بلدان العالم العربي ـ الإسلامي، ومن ثمة لا يكفي للتصدي إليها ومحاربتها، بل يتعين مرافقته بشكل أساسي بمشروع شامل لتجديد فهم العقيدة الدينية، وتملك آليات وأدوات التحليل العلمي لفهم عملية الاحتكاك أو التلامس التي تحصل بين العقيدة والمجتمع، وتأثير الانتماء الاجتماعي في آليات التأويل السياسي للدين، والعكس أيضا، أي طريقة تأثير التأويل السياسي ذاك على الوعي السياسي لدى شريحة اجتماعية معينة، لتنتج شكلا من أشكال الاستلاب الديني لدى الأفراد.

13